منوعات

شقتي في السر انجي الخطيب

اشتريت شقتي في السر.. ولما استلمتها لقيت أهلي جايين بشنطهم يسكنوا أختي فيها!
أمي كانت واقفة قدام الباب.. ومعاها كراتين، وشنط سفر، وأختي فرح واقفة وراها.
قالت الجملة اللي خلت قلبي يقع في رجلي
أختك هتقعد معاكي هنا.. إحنا خلاص نقلنا حاجتها.
ما قالتش ممكن تقعد؟
ما قالتش هيكون عندك مانع؟
كان مجرد قرار مُفاجئ.
وكأن بيتي ده مخزن للعيلة، يفتحوه ويستعملوه وقت ما يحبوا.
كنت واقفة وماسكة كوباية القهوة في إيدي، وببص بذهول لكل اللي واقفين على باب شقتي الجديدة في التجمع.
بابا كان شايل كرتونة.

وأخويا هاني معاه شنطة سفر كبيرة.
وأختي فرح واقفة وراهم بنظرتها المسكــ,,ـــــينة المكسورة.. النظرة اللي بتستعملها دايماً لما تعوز حاجة ومن غير ما تطلبها بلسانها.
وأمي؟
دي دخلت الشقة ب رِجل جامدة كأنها صاحبة المكان.
اسمي تقى.. عندي 29 سنة.
ولأول مرة في حياتي، أحس إن في حاجة بتاعتي بجد.
مش بتاعة العيلة.
مش مشاركة مع حد.
مش سلف.
بتاعتي أنا.
الشقة دي ما كانتش مجرد

جدران وسقف.. دي كانت حريتي.
اشتغلت سنين عشان أوصل لها.
سهر.. ضغط شغل.. جمعيات وتوفير.. وكل قرش كنت بطلعه بصعوبة كان هدفه حاجة واحدة بيت ماحدش يقدر يتحكم فيّ فيه.
أو ده اللي كنت فكراه.
قلت بهدوء وأنا بحاول أتمالك أعصابي أفندم؟ حضرتك بتقولي إيه؟
أمي حطت الشنطة اللي في إيدها على الرخامة في المطبخ وقالت
فرح محتاجة مكان تقعد فيه لحد ما تظبط أمورها.. وإنتي عندك مساحة واسعة، والموضوع مش محتاج تفكير.
مساحة واسعة..
كنت هضحك من كتر القهر.
في عيلتي، الجملة دي كانت دايماً هي الشماعة.

لو عندي وقت، بياخدوه.
لو معايا فلوس، بيستلفوها.
لو عندي صبر، بيخلصوه.
ودلوقتي لما بقى عندي بيت، قرروا إنه متاح ليهم هما كمان.
فرح وطت عينيها في الأرض وقالت بصوت واطي
يا تقى.. أنا بجد مش عايزة أضايقك.. ده بس لحد ما ألاقي سكن.
بصيت لها وقلت ومين اللي قالك إنك هتنقلي هنا أصلاً؟
ترددت وقالت ماما قالت لي إنها اتفقت معاكي.
لفت لأمي حضرتك ما اتفقتيش معايا في حاجة.
ولا حتى ارتبكت.. ردت بمنتهى البرود
عشان عارفة إنك هتصعبي الأمور.. وساعات الواحد لازم ياخد قرارات لمصلحة العيلة.
مصلحة العيلة..

عمرها ما كانت مصلحتي أنا.
بابا هز كتافه كأن الموضوع بسيط يا بنتي ده وضع مؤقت.
مؤقت.. الكلمة دي في عيلتي كانت الفخ الكبير.
مؤقت كان القرض اللي أخويا أخده وما رجعوش.
مؤقت كانت إيجارات فرح اللي دفعتها 3 شهور.
مؤقت كان الفيزا بتاعتي اللي استعملوها في ظروف طارئة وبعدين نسيوا الموضوع خالص.
مافيش حاجة بتبقى مؤقتة لما بيعوزوا مني حاجة.. كله بيتحول لمسؤوليتي أنا في الآخر.
أخويا هاني دخل يتمشى في الشقة بابتسامة صفراء، كأنه بيثمن العفش بعينه
والله شقة شيك.. صرفتي كتير صح؟
قلت له تعبت وشقيت عشانها.

لوى بوزه وقال عارفين يا ستي.. إنتي بتمــ,,ـــــوتي في تذكيرنا إنك ناجحة.
أنا ما كنتش بذكرهم.. أنا بس كنت موجودة بكياني.
لكن في عيلتي، مجهودي ونجاحي كان دايماً بيتحس كأنه إهانة لتقصيرهم هما.
أمي مشيت ناحية الطرقة وقالت
فرح هتاخد الأوضة التانية.. إنتي كدة كدة مش مستخدماها.
الجملة دي لمست حتة وجع جوايا.
إنتي مش مستخدماها..
ده كان ملخص حياتي معاهم.
لو قرروا إني مش محتاجة حاجة، بياخدوها.
وقتي.. فلوسي.. راحتي.. ودلوقتي بيتي.
مشوا في الطرقة كأن القرار اتنفذ خلاص.
بابا بالكرتونة.. هاني بالشنطة.. وفرح وراهم، محرجة..

بس مش كفاية لدرجة إنها توقفهم.
أمي وصلت لباب الأوضة اللي اختاروها.
قالت هي دي.
وفتحت الباب.. ووقفت مكانها.
الكل اتسمر في مكانه.
لأن ورا الباب ده.. ما كانش فيه سر,,ـــــير.
ولا فيه دولاب.
ولا فيه أوضة فاضية مستنية شنط فرح.
كان فيه حيطة.
حيطة بيضاء، مدهونة ونضيفة، مبنية من الأرض للسقف.. سادة المكان تماماً ومخبية وراها الأوضة التانية خالص.
أمي بربشت بعينيها بذهول إيه ده؟
سندت ضهري على الحيطة في الطرقة، ربعت إيدي، وابتسمت
ده مكتبي الخاص.
بابا بص لي بذهول إنتي بنيتي حيطة وقفلتِ أوضة كاملة؟

أيوه.
وليه عملتي كدة؟
عشان شغلي كله من البيت.. كنت محتاجة مكان منعزل تماماً. من غير ضيوف.. من غير مقاطعة.. ومن غير ناس تدخل وتقرر هتعمل إيه في شقتي.
هاني ضحكبذهول إنتي بتتكلمي جد؟ إنتي بنيتي حيطة عشان فرح ما تسكنش معاكي؟
بصيت في عينه مباشرة وقلت له
لأ.. أنا بنيتها عشان أحمي راحتي.. لكن إنها تمنع مفاجآت نقل العفش دي، فدي ميزة إضافية مكنتش عاملة حسابها.
وش أمي احمر من الغضب إنتي كنتِ عارفة!
قلت بهدوء أيوة.. كنت عارفة إن يوم من الأيام هتحاولوا تعملوا حاجة زي كدة.

الطرقة بقى فيها سكون رهيب.
لأول مرة في حياتي، مكنتش أنا اللي محبوسة في طلباتهم.
هما اللي كانوا محبوسين برا حياتي.
ولما أمي حاولت تستخدم السر الوحيد اللي كانت فاكرة إنه هيكسرني..
ما كانتش تعرف إني كنت مستعدة لده كمان.
حكايات انجي الخطيب
الجزء الثاني السر اللي كان المفروض يكسرني
أمي فضلت باصة للحيطة وهي مش مصدقة، وشها كان بيجيب ألوان، فجأة لفت لي وعينها فيها نظرة التهديد الأخيرة اللي دايمًا بتستعملها عشان تخليني أستسلم.
فاكرة إنك كدة انتصرتي يا تقى؟

أمي قالتها بصوت واطي ومرعب، فاكرة إن الحيطة دي هتحميكي من اللي أنا عارفاه؟
الطرقة رجعت سكتت تاني. بابا نزل الكرتونة من إيده وهاني ساب الشنطة، والكل انتبه.
أمي قربت مني خطوة وقالت بابتسامة خبيثة
يا ترى البنك يعرف إنك اشتريتي الشقة دي بفلوس التمويل العقاري اللي قدمتي فيه على أساس إنك عزباء؟ وإيه اللي هيحصل لو عرفوا إنك لسه متجوزة ياسين في السر؟
كارما فرح شهقت، وبابا بص لي بصدمة ياسين؟ إنتي رجعتي لياسين يا تقى؟
أنا مفضلتش ساكتة، ولا اتوترت زي ما كانت مستنية.

خدت نفس طويل وقلت لها
كنت عارفة إنك هتستخدمي الكارت ده يا ماما.. بس للأسف، الكارت ده محروق.
طلعت موبايلي وفتحت صورة لورقة رسمية ووريتها لها
ياسين مضى على قسيمة الطلاق من تلات شهور.. والطلاق اتوثق. أنا مش بس اشتريت الشقة دي بفلوسي، أنا اشتريتها بحريتي اللي دفعت تمنها غالي أوي عشان أخلص من تحكمه.. ومن تحكمكم.
الجمود حل على الكل. أمي كانت فاكرة إنها لسه ماسكة عليا غلطة تذلني بيها، مكنتش تعرف إن السر اللي كانت مخبياه عن بابا عشان تضغط عليا بيه، أنا خلصت منه من زمان.

قلت لهم وأنا بفتح باب الشقة وبشاور لبره
أنا بنيت الحيطة دي عشان مش عايزة حد يقتحم خصوصيتي تاني.. لا زوج بيتحكم، ولا أهل بيستغلوا. الأوضة اللي ورا الحيطة دي بقيت بدخلها من باب مخفي جوه أوضتي، وبقت مكتبي ومملكتي.
بصيت لهاني وقلت له خد الشنطة يا هاني وساعد بابا في الكرتونة.
ولأول مرة، بابا اتكلم بصوت فيه ندم إحنا آسفين يا بنتي.. مكنتش فاكر إننا ضاغطين عليكي للدرجة دي.
أمي حاولت تتكلم، بس بابا شدها من إيدها خلاص يا مديحة.. كفاية كدة. تقى تعبت وشقيت، ومن حقها ترتاح في بيتها.
خرجوا واحد ورا التاني.

وفرح كانت آخر واحدة، بصت لي وعينها مليانة دموع وقالت أنا أسفة يا تقى.. والله ما كنت أعرف إنهم هيعملوا كدة.
قفلت الباب وراهم.. وسندت ضهري عليه.
لأول مرة أسمع صوت السكوت في بيتي.
مبقاش فيه خناق، ولا طلبات، ولا سر مخبياه وخايفة منه.
دخلت أوضتي، فتحت الباب المستخبي اللي ورا الدولاب، ودخلت مكتبي.. قعدت على كرسيّ، وبصيت من الشباك على أنوار التجمع، وابتسمت.
الحيطة مكنتش بس طوب وإسمنت.. الحيطة كانت حدود أنا رسمتها عشان أعيش.
تمت حكايات انجي الخطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى