منوعات

سم الحرير بقلم نورهان العشري

كان العطر في الهواء مزيجًا ثقيلًا من العطور الفاخرة، والنبيذ المعتّق، .
كان المطعم اسمه “في القمر “، أشهر وأفخم مطعم في المدينة. ذلك النوع من الأماكن التي يكون فيها الصمت جزءًا من الفخامة، لدرجة أن سقوط شوكة على الأرض قد يجعل النُدُل يركضون مذعورين.
على الطاولة رقم خمسة، أفضل طاولة في المطعم، كان يجلس جاسر سيف الدين.
رجل في الخامسة والخمسين من عمره، يملك شركة إنشاءات ضخمة، وثروة تقدر بخمسين مليون دولار. كان مثالًا للنجاح في نظر الجميع.

أمامه جلست زوجته لمار، ذات الثمانية والعشرين عامًا، ترتدي فستانًا حريريًا أحمر ثمنه يساوي دخل عائلة كاملة لعام كامل.
كانت تبتسم وهي تمرر أصابعها برقة فوق يد زوجها. من بعيد، بدا المشهد وكأنه حب خالص.
لكن تلك الليلة المثالية كانت على وشك أن تتحطم.
فجأة، بدأ همس مستنكر ينتشر بين الزبائن.
لم يكن بسبب الطعام…
بل بسبب الرجل الذي يقف عند الباب الزجاجي وهو يتشاجر مع حارسين ضخمين.
كان مظهره صادمًا وسط كل هذا الرفاه.
ملابسه ممزقة ومغطاة بالغبار والزيوت، شعره أشعث رمادي، وحذاؤه ملصوق بشريط لاصق.
متشرد.

تجعدت أنوف الزبائن في اشمئزاز.
صرخ الرجل بصوت أجش:
— سيبوني! أنا بس عايز أكلمه! الموضوع حياة أو مــ,,ـــــوت!
لوّح مدير المطعم بيده بعصبية وقال:
— طلعوه بره حالًا! ولو لزم الأمر اتصلوا بالشرطة!
نجح الرجل للحظة في الإفلات من الحراس.
لكنه لم يتجه نحو الطعام…
بل ركض مباشرة إلى الطاولة رقم خمسة.
رفع جاسر حاجبيه في دهشة، ووضع كأس العصير على الطاولة.
أما لمار فغطت أنفها بمنديلها قائلة باشمئزاز:
— جاسر حبيبي! اعمل حاجة! خليه يمشي من هنا! المنظر ده هيبوّظ العشا كله!

أمسك الحراس بالرجل قبل أن يصل للطاولة، لكن الرجل رفع هاتفًا قديمًا مكسور الشاشة بيد مرتجفة وقال:
— يا باشا! بالله عليك… متاكلش من الطبق ده! اوعى تاكل ولا لقمة قبل ما تشوف اللي على الموبايل ده!
كان هناك خوف حقيقي. في نبرته و عينيه
رفع جاسر يده للحراس وقال بهدوء حازم:
— استنوا.
اعترض رئيس الأمن:
— بس يا فندم الراجل شكله..

قاطعه جاسر بصرامة:
— قلت استنوا.
ثم نظر إلى المتشرد وقال:
— عندك عشر ثواني تشرحلي اللي عندك و ليه مش جيت هنا و عملت الشو دا؟
فتح الرجل الهاتف بصعوبة وقال:
— أنا مش عايز فلوسك يا باشا… أنا كنت قاعد في الشارع اللي ورا المطعم جنب شباك المطبخ… وشفت حاجة غريبة. فسجلت الفيديو ده من حوالي عشرين دقيقة. و لازم تشوفه
مدّ الهاتف نحوه. فامسكه جاسر ليقول المتشرد
— شوفه مش هتخسر حاجة. بالعكس دي حياتك ممكن تبقى معتمدة عليه.

نظر جاسر إلى لمار زوجته التي لم تعد تبتسم كالسابق بل كان وجهها شاحبًا، وعيناها تتحركان بتوتر.
ضغط جاسر زر التشغيل.
في الفيديو ظهرت لمار جالسة وحدها على الطاولة قبل وصوله بدقائق.
لكنها لم تكن المرأة الرقيقة التي يعرفها.
كانت امرأة باردة، حذرة.
نظرت حولها لتتأكد أن النُدُل مشغولون.
ثم أخرجت زجاجة صغيرة من حقيبتها… وسكبت مسحوقًا أبيض في صلصة الفطر فوق شريحة اللحم الخاصة بجاسر.
ثم بدأت تقلب الصلصة بالشوكة حتى يختفي المسحوق تمامًا.
لكن الصدمة الحقيقية كانت الصوت.
كان الهاتف قد سجل مكالمتها.
صوت لمار خرج واضحًا وباردًا:

— خلاص يا حبيبي… حطيت الجرعة كلها.
— لا متقلقش… هيبان كأنه جلطة قلبية.
— الطبيب الشرعي أخد فلوسه… مفيش تشريح ولا وجع دماغ
— بكرة هبقى أغنى أرملة في البلد… و هنسافر باريس زي ما اتفقنا.
— بس أستحمل العشا الأخير مع العجوز الغبي ده.
انتهى الفيديو. وساد الطاولة صمت ثقيل.
ليرفع جاسر عينيه ببطء. و على عكس المتوقع لم يكن في عينيه غضب… فقط برودة قاتلة.
قال بصوت خافت:
— جلطة قلبية؟ والطبيب الشرعي اتدفعله؟
قفزت لمار واقفة وصرخت بعنــ,,ـــــف:
— كدب! الفيديو دا متفبرك!

جاسر بالله عليك يا حبيبي ! دلوقتي الذكاء الاصطناعي بيعمل أي حاجة! هتصدق شحات على مراتك حبيبتك؟!
لكن المتشرد وقف مستقيمًا فجأة، وكأن انحناءه اختفى. وقال بهدوء:
— يا مدام… أنا أعرف النصب لما أشوفه. واعرف الكذاب من عينه
ثم نظر إلى جاسر وقال:
— يمكن حضرتك شايف دلوقتي راجل هدومه مقطوعة… لكن من 15 سنة كنت بلبس بدل إيطالي زيك.
— اسمي عمار الزيدي وكنت صاحب شركة استثمارات كبيرة. و كالعادة في سوق العمل في الوحش و الحلو
كان بعض رجال الأعمال في المطعم يتهامسون بدهشة.
ليكمل عمار بصوت حزين:

— مراتي وعشـ.يقها… اللي كان شريكي… لفّقولي قضية سرقة. خسرّت شركتي… فلوسي… سمعتي… وكل حاجة. ثم قال وهو ينظر إلى لمار باحتقار:
— لما شفتها بتعمل اللي عملته… عرفت إن لازم أتكلم. محدش يستاهل يمــ,,ـــــوت بالطريقة دي.
صرخ جاسر فجأة:
— الأمن!
تقدم الحراس فورًا.
قال بصرامة:
— محدش يقرب من الراجل ده. اقفلوا كل الأبواب… واتصلوا بالشرطة. وخليكم مراقبين مراتي… أو المفروض أقول الخاينة.

حاولت لمار الهرب وهي تصرخ:
— أنتوا متقدروش تعملوا كده! أنا لامار النجار
لكن الحراس أمسكوا بها. وفي أثناء مقاومتها سقطت حقيبتها وخرجت منها الزجاجة الفارغة. وصلت الشرطة بعد دقائق، وكان كل شيء واضحًا: الفيديو… الزجاجة… والشهادة.
تم القبــ,,ـــــض على لمار. وقبل أن يأخذوها قال لها جاسر بهدوء:
— إنتِ عمرك ما حبيتيني… إنتِ بس كنتِ بتحبي الفلوس اللي بديهالك. و العز اللي معيشك فيه.
بعد أن غادرت الشرطة، جلس جاسر مرهقًا.
اقترب عمار وقال:
— الحمد لله إنك بخير… أنا همشي بقى.
لكن جاسر أوقفه. وأخرج دفتر الشيكات وكتب رقمًا.

— خد… مليون جنية مكافئتك على اللي عملته معايا. دي أقل حاجة عشان أنقذت حياتي.
نظر عمار إلى الشيك ثم أعاده إليه قائلًا باعتزاز
— لا يا باشا. أنا مش عايز صدقة. أنا عايز فرصة شغل بس… أرجع أعيش بكرامة.
ابتسم جاسر لأول مرة في هذه الليلة المشؤومة وقال:
— منصب رئيس التدقيق الداخلي في شركتي فاضي… وأعتقد إني لقيت الشخص المناسب.
ثم أشار إلى الكرسي أمامه وقال:
— اقعد… أنا مبحبش أتعشى لوحدي.
ونادى النادل:
— لو سمحت… هات القائمة من جديد والمرّة دي بدون سم.

في تلك الليلة، رأى زبائن المطعم الفاخر مشهدًا غريبًا:
مليونير ومتشرد يجلسان معًا كصديقين قديمين.
لاحقًا:
تم الحكم على لمار بالسجــ,,ـــــن 25 سنة لمحاولة ال..
وتم القبــ,,ـــــض على عشيقها بعد أيام.
أما عمار، فقد عاد للحياة من جديد…
وأصبح اليد اليمنى لجاسر وصديقه الأقرب.
وبعد فترة أسسا معًا مؤسسة تساعد الأشخاص الذين فقدوا كل شيء… ليمنحوهم فرصة ثانية.
لأن الحقيقة أحيانًا تكون بسيطة:
أحيانًا من يرتدي الحرير يحمل السم…
ومن تبدو يده متسخة هو من ينقذ حياتك.
لو حابة كمان ❤️

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى