رفع حاجبيه معاً فى استنكار ثم كرر حديثها ببطء كأنه احجيه يقوم بحلها :
-شويه كلام تافه ملهوش لازمه !! وانتى بقى وشك كده عشان كلام تافه ملهوش لازمه ؟!..
اجابته بنبره متهكمه :
-وانت تفتكر انى كده عشان كلامها ؟!!..
علم جيداً ما ترمى إليه بحديثها ، فرعبها وان حاولت إخفاءه مازال واضحاً فى حركتها ونظرتها ، رفع رأسه للاعلى محاولاً الاسترخاء ثم زفر مطولاً بتعب قبل ان يعاود النظر إليها وقد تبدلت ملامحه إلى الرفق ثم حدثها بنبره مليئة بالحنان قائلاً :
-حياة خليكى عارفه حاجه واحدة بس .. انى مش هسمح لحد يأذيكى ايا ان كان هو مين حتى لو كان انا .. عشان كده كنت بسالك وعشان كده بلاش نظره الخوف اللى فى عيونك منى دى .. ده وعد منى .. حياتى قبل آذيتك ..
ارتبكت نظرتها قليلاً وتوترت معها حركه جسدها ولكنها سرعان ما تمالكت واجابته وهى تراه يلتفت بجسده عائداً إلى داخل غرفته قائله بصوت هادئ ولكنه ملئ بالمراره :
-فريد انت ايه مفهومك عن الاذى !!! انت متخيل ان الاذى يكون بالضـ,ـرب بس ؟!!..
توقف عن السير والتفت ينظر إليها مره اخـ,ـرى بمـ,ـلامح وجـ,ـه مصدومـ,ـه نوعاً ما فأضافت هى بعد ان ازدرت ريقها وبدء صوتها فى التحشرج :
-يعنى انت فاكر انى اقعد هنا مقفول عليا باب ورا باب وعلى كل بـ,ـاب حارس مش اذى ؟!.. او انك تهددنى بأخويا الصغير مش اذى ؟!! او انك تقف فى طريق اى حد بيحبنى او يعـ,ـرفنى وتستغله عشان اعملك اللى انت عايزه ده مش قمه الاذى ؟!!!!! .. اللى بيحب حد يا فريد مبيقدرش يأذيه ولا يعذبه !! ..
صمتت بعد ان تغلبت الدموع عليها وتساقطت فوق وجنتيها بكثره ، ام هو فوقف امامها مصدوماً لا يقوى على الحركه من جملتها الاخيره ، لقد اخترقت قلبه مباشرة ، لقد سمع جملتها بصوت والدته وتوسلها مثل توسل والدته له وهى توصيه بها خيراً ، تراجع خطوات للوراء وهو مازال ينظر إليها كالأشباح التى لا روح فيها وهو يحل آزار قميصه كالاله ثم ارتدى بنطاله الرياضى بعد ان تركته هى وأغلقت الباب المشترك بينهم وتوجهه مباشرة نحو صالته الرياضيه فى الطابق الارضى .
دلف إلى الصاله الرياضيه كالانسان الألى ، ارتدى ففازاته وذكريات تلك الليله المشئومه بصورتها الكريهه تومض داخل عقله بوضوح ، توجهه نحو الكيس الرملى المعلق والخاص بالملاكمة ثم صرخ بألم حتى شعر بأحباله الصوتيه على وشك الانقطاع وهو يلكمه بكل ما أوتى من قوه لإفراغ حزنه وغضبه ، ومع كل لكمه يسددها كانت تظهر صوره امام عينيه من الماضى
تذكر وهو ممدد تلك الليله داخل فراشه برعب يترقب عوده والده فتلك الليله هو موعد قضاءها فى منزلهم ، أرهف سمعه عند سماعه وقع خطوات تقترب من امام غرفته ثم ابتعدت مره اخرى متوجهه إلى غرفه والدته فعلم جيداً انها تعود لوالده ، أغمض عينيه بقوه حتى يستطيع طرد تلك الفكره التى تسيطر على عقله منذ الصباح ثم طمأن نفسه داخلياً بعقلين طفل لم يتجاوز الثانيه عشر بعد انها لن يصيبها مكروه ، بعد فتره من الصمت استعاد فيها هدوئه قليلاً بدءت بعض الهمهات الغير مفهومه تصل إليه ولكن لم تلتقط اذنه اى شئ واضح منها ، حدث نفسه مطمئناً ان
تلك الليله من الممكن ان تمضى على خير وخصوصاً ان اثار الضـ,ـرب المبرح من الليله التى تسبق البارحه مازالت تغطى وجهه والدته وعنقها بوضوح إلى جانب النوبه القلبيه التى اصـ,ـابتها فى الصباح فبالتأكيد سوف يشفق والده على حال والدته ويتركها وشأنها ،
بدءت تلك الهمهات تتصاعد حتى اصبحت صياح واضح من والده ، قفز فريد من فراشه ثم توجهه إلى باب غرفته يفتحه بهدوء ويخرج منه ثم أغلقه خلفه مره اخرى وتوجهه إلى حيث غرفه والديه يقف امامها برعب ، رغم ان وجوده لم ولن يفيدها ولكنه كان يشعر هنا حيث وقف بشئ من الحمايه الوهميه ، سمع توسلات والدته
الباكيه تطلب من والده بضعف :
-غريب الله يخليك ادينى علبه الدوا خلينى اخدها مش قادره أتنفس ..
صرخ به والده قائلاً بحنق :
-يا ساهله .. عايزه تاخديها وتخفى عشان تسبينى وتروحى جرى على عشيقك صح ؟!..
هزت رحاب رأسها له عده مرات بفزع وهى تقول من بين توسلاتها وبكائها :
-مفيش حاجه من اللى فى دماغك دى يا غريب .. متصدقيش كلام جيهان .. انا عمرى ما خنتك ولا هخونك ..
ازدردت لعابها فى خوف ثم اضافت من بين شهقاتها المتتالية قائله :
-هخونك ازاى وانا مش بطلع من البيت ومش بشوف حد خالص ..
صرخ بها وقد جحظت عينيه إلى الخارج ثم قال بشراسه وهو يقترب منها :
-مانا عارف عشان كده جبتيه يشتغل هنا مع الحراس بحجه انه قريبك صح !! انطقى !!!!..
شهقت بفزع مصـ,ـدومه من اثر كلماته ثم قالـ,ـت وقد بـ,ـدءت ملامح وجهـ,ـها فى الشـ,ـحوب من تـ,ـوترهـ,ـا وشده نغز قلبها :
-كدب .. والله كدب .. قلتلك المره اللى فاتت ده راجل قريبى غلبان عنده اولاد ومراته طلـ,ـبت منى انى أسـ,ـاعده .. دى كل الحكايه والله .. هز راسه نافياً بشراسه وهو يقترب منها وبقول يتوعد :
-انا هشرب من دمك وبعدين من دمه .. انا غلطت انى اتجوزت واحده زيك ولازم اصلح غلـ,ـطى ده دلوقتى..
ثم انقطعت الأصوات الا من صوت صفع والده لها وبعدها بدءت والدته فى الصراخ بشده ولطـ,ـمات غـ,ـريب تقع فوق جسدها دون رحمه ، ظل فريد واقفاً امام الباب يضع كفيه فوق أذنه محاولاً منع صراخ والدته من الوصـ,ـول إليه حتى اختفى الصوت تماماً وخرج غريب بملامح مرتبكه وهو يلهث من شـ,ـده المجهود والفزع، نظر له فريد بملامح مرتعبه قبل ان يقول له وهو يزدرد ريقه بخوف :
-انا عايز اشوف مامى ..
حدجه غريب بنظره حانقه ارعبته قبل ان يقول له بتهديد واضح :
-مفيش حاجه اسمها مامى .. فاهمممم !!! انتى ايه اللى جابك هنا دلوقتـ,ـى ؟!!!
يلا على اوضتك ومش عايز اسمعلك صوت او اشوفك قدامى قبل الصبح .. يلااااااا ..
لم يطعه فريد بل ركض من خلفه نحو غرفه والدته ثم قفز على فراشها ليطمئن عليها فوجدها نائمه فوقه بلا حراك بوجه ابيض شاحب وشفاه زرقاء ،هتف بأسمها عده مرأت ولكن دون جدوى ، هزها بقوه حتى تستفيق ولكن أيضاً دون جدوى كان جسدها مرتخى تماما بين كفيه ، توسل إليها بصوت باكى ان تجيبه ولم يتلق منها اى رد ، حمله غريب عنوه بتوتر من خصره وذهب به نحوه غرفته وهو يصرخ بِه ان يظل بها والا سوف ينال جزاءه هو الاخر
ادخله إلى غرفته ومنها إلى مخدعه ودثره جيداً بغطاء الفراش حتى اعلى رأسه وظل فريد هناك منتظراً
بجسد مرتجف حلول الصباح حتى يطمئن على والدته التى لم يصدر منها اى صوت منذ وقت ليس بالقليل .
لم يعلم متى غالبه النوم ولكنه استيقظ فى الصباح على هرج ومرج وكثير من الأصوات المتداخلة فقز من فراشه ركضاً إلى الخارج فوجد طبيب العائله يقف مع والده وهناك ٣ أشخاص اخرين يحملون على حماله طبيه والدته التى كانت مغطاه من اعلى راسها إلى اخمص قدميها بغطاء ابيض ويتحركون بها نحو الدرج هبوطاً للطابق الارضى وهم مطأطئين رؤسهـ,ـم وتبدو علـ,ـى ملامحـ,ـهم الاسف فعلم ان اسوء ما يخشاه قد تحقق على يد والده ..
***********&
متى تخضـ,ـعين لقلبى
الفصل السابع
مضت الايام التاليه على كلاً من حياة وفريد على نفـ,ـس المنوال ، تجنبت هى لقائه وتعمد هو الخـ,ـروج باكراً والعوده بعد منتصف الليل ، وبالتالى كانت تتناول هى وجبـ,ـاتها الثلاث يوميـ,ـاً بمفـ,ـردها وتقـ,ـضى ما تبقى من يومها بين البحث عن فرصه سفر مناسبه لأخيها لإخراجه من البلاد وما بين اكتشاف شئ جديد فى المنزل ، وفى احدى الايام عندما لاحظت عفاف حاله الملل التى اصابت حياة نصحتها بالتوجه إلى مكتب السيد فريد اذا كانت من محبى القراءه فغرفه مكتبه تحتوى على كم هائل من الكتب ، ابدت حياة ترحاب شديد بتلك الفكره وقررت اكتشافها على الفور ، دلفت داخل الغـ,ـرفه بتوجس
فمجرد تفكيرها انها ملكيه خاصه لفريد لا يستخدمها احد غيره اربكتها ولكن عفاف شجعتها انه ابداً لن يعارض على استخدامها لها ، ورغم ذلك قررت الدخول فقط للبحث عن شئ ما تقرأه ثم الخروج فوراً
كانت رائحته المميزه تملئ المكان ، هذا اول شئ خطر ببال حياة بمجرد دخولها قبل ان تقع عينيها على محتويات الغرفه ، فتحت عينيها بأنبهار فالغرفه تجسيد حى للكمال والدفء بخشبها باهظ الثمن مع مكتب عصرى ومقعد جلدى مريح ووثير مع الكثير من التحف العتيقه والاكسسورات الثمينة ، اما ما جعل حياة تشهق بأعجاب هى تلك المكتبه التى كانت تحتل أركان الغرفه وتحاوط المكتب بنافذته
وتمتد حتى السقف وتحتوى على مئات بل الالاف من الكتب المنظمه على حسب حقبتها الزمنيه ونوعها وتراثها ، تحركت حياة اول شئ نحو رف الادب العالمي فوجدته يحتوى على كثير من الكتب الفرنسيه ، زمت شفتيها معاً للأمام بتفكير وهى تلتقط احدى الكتب بتغليفها الجلدى العتيق بين يديها وتتأمله ، اذا لقد اتقن الفرنسيه فعلاً ، لقد كانت تتذكر كم تذمر فريد من كرهه لتلك اللغه وعدم قدرته على استيعابها وكم من خلافات نشبت بينه وبين والده بسبب ذلك الامر ولكن غريب كان دائماً يجبره على تلقى الدروس بحجه ان جميع تعاملاتهم مع شركات فرنسية وعلى ولى عهده ان يتقنها تمام
الاتقان حتى يستطيع التعامل معهم فى المستقبل عند توليه اداره الشركات
هل يعلم انها كرهت اللغه والبلد بأكملها من اجله !!
فكم ألمها ان يكون صديقها المفضل مجبراً على فعل شئ ما بالاكراه وبناءاً عليه رفضت هى الاخرى تلك اللغه رغم انها أيضاً اضطرت اسفه بحكم دراستها ان تتعلمها ولكنها أبداً لم تستغيثها فى طفولتها من اجله ، تنهدت بعمق من اثر تلك الذكرى واعادت الكتاب القيم إلى موضعه فوق الرف قبل ان يرن هاتفها داخل جيب ردائها ، التقطته تنظر به اولاً قبل ان تبتسم بفرح فيبدو ان مساعيها خلال الايام الفائتة قد أتى بثماره اخيراً ، أجابت بحماس على الطرف الاخر ثم استمعت له قليلاً قبل ان تجيبه بسعاده قائله:
-ايوه يا فندم تمام ..
بالظبط زى ما بعت لحضرتك كده وان شاء الله الورق هيكون جاهز فى اقرب وقت ..
صمتت قليلاً ثم اجابته بحرص :
-طبعاً طبعاً .. ان شاء هيسافر لحضرتك قريب .. انهت المكالمه وأغلقت هاتفها ثم قفزت عده مرات بسعاده وفرح ، فاخيراً استطاعت التحصل على فرصه خارج البلاد لأخيها بمعاونه صديقتها فى الخارج التى ما ان علمت بالتحول الذى حدث فى حياتها وزواجها من شخص ثرى حتى أسرعت فى مساعدتها على الفور .. ***********
فى تلك الأثناء كان فريد يجلس فى مكتبه بمقرعمله وشئ وحيد يستحوذ على تفكيره ، حياة خاصته ، لقد اشتاق إليها كثيراً فمنذ حديثهم الاخير سوياً وهو يتعمد عدم مواجهتها او الاحتكاك بها حتى يعيد ترتيب اموره ويمهلها بعض الوقت للاعتياد على فكره زواجهم ووجوده بجانبها ، فقد كان يقضى يومه كاملاً فى العمل ويذهب للمنزل فقط فى المساء عندما يتأكد من خلودها للنوم وبعد فتره يتسلل إلى غرفتها بهدوء دون علمها ليتأملها قليلاً قبل ان يخلد هو الاخر إلى نوم متقطع يظهر فى اغلبيته مقتطفات من الماضى الحزين
قاطع تفكيره دخول والده العاصف لغرفته ، لوى فريد فمه متشدقاً قبل ان يقول بسخريه واضحه :
-مادام دخلت عليا دخله المخبرين دى يبقى فى مصيبه .. قول اللى عندك ..
حدقه والده بنظره غيظ قبل ان يقول بحنق واضح :
-نفسى تبطل قله ادب وتحترمنى شويه !!!..
لوى فريد فمه متأففاً قبل ان يجيبه بتهكم مرير :
-معلش اصل محدش ربانى وانت عارف .. امى ماتت وانا صغير ومرات ابويا كان كل همها ازاى احصلها ..
ارتبكت ملامح غريب من تلميحات فريد قبل ان يجيبه بنفاذ صبر هارباً من الصدام مع ابنه الوحيد :
-خلاص خلاص .. مش هى دى مشكلتنا دلوقتى .. انت ايه اللى عملته ده مع عيله الجنيدي ..
اجابه فريد بغرور وهو يعود بجسده إلى ظهر مقعده ليجلس فى تعالى واضح ويضع ساق فوق الاخرى :
-عملت اللى المفروض يتعمل معاهم من زمان ..
هز غريب راسه عده مرات بأسف قبل ان يقول بغضب جلى :
-انت بتستعبببط !!! مش هيسبوك بعد اللى عملته فيهم !! انت مش خايف على نفسك ..
اجابه فريد وهو مازال محافظاً على نبرته الواثقه وهدوئه :
-اعلى ما فى خيلهم يركبوه .. يبقوا يورونى يقدروا على ايه وروحهم فى ايدى دلوقتى .. اجابه غريب متوسلاً :