ارتدى ملابسه الخاصة بالعمل ، و كان على وشك الخروج إلا أنه سمع طرقات على الباب فتوجه ليرى من بالباب ، و ما إن فتحه وجد جارتهم سميحة ، و التي هتفت بود :- ازيك يا حاتم يا ابني ؟ ابتسم بتكلف قائلاً بصوت أجش :- أهلاً يا خالتي أم سما الحمد لله بخير ازيك إنتي؟ أردفت بود :- الحمد لله رضا يا ابني ، أومال فين أم حاتم و رحيق مش جوة ولا إيه ؟
أردف بنفي وهو يتنحى قليلاً من أمامها لتدلف للداخل :- لا أمي جوة في الصالة إتفضلي . ثم أضاف بغيظ مخفي :- أما رحيق راحت تدور لها على شغل هي و صحبتها . أومأت له بتفهم قائلة :- و ماله يا ابني ربنا يفتحها عليهم قادر يا كريم . أردف بهدوء :- طيب أدخلي انتي يا خالتي أنا نازل الشغل .
دلفت للداخل، تصيح باسمها ، فأتاها صوتها قائلة بتعب :- تعالي يا سميحة أنا هنا .
تقدمت ناحية الصوت ، و هتفت بابتسامة مشرقة ، وهي تصافحها :- إزيك يا أم حاتم ؟ عاملة إيه دلوقتي ؟ العلاج ماشي كويس معاكي ؟ أردفت بوهن ، و تمسك بجانبها :- أهو الحمد لله ماشي لحد ما أقبض آخر الشهر و أروح أغسل . أردفت بأسى :- يا حبيبتي لسة هتستني لآخر الشهر ؟!
ذمت شفتيها بحزن جلي قائلة :- اعمل ايه يا سميحة ما إنتي عارفة البير و غطاه ، أجيب منين ؟ أنا كل اللي هاممني دلوقتي رحيق لو حصلي حاجة هتروح لمين و مين اللي هيبقى جنبها ؟! خايفة عليها أوي دي أمانة أمنتني عليها أختي قبل ما تم..وت ، حاسة إني هم..وت و هسيبها… قاطعتها قائلة بلهفة :- تفي من بوقك يا صفية متقوليش كدة إن شاء الله هتخفي و تبقي زي الفل و أنتي بنفسك اللي هتلبسيها الطرحة ..
نظرت للأعلى و أردفت برجاء :- يا رب ، دي تبقى أمنيتي الوحيدة و بعدها ربنا ياخد عمري علطول مش مشكلة علشان لما أروح لفاطمة أقولها حافظتلك على الأمانة زي ما طلبتي. أومأت بخفوت ، و رسمت خطوط الأسى على وجهها ، وهي تشعر بالشفقة تجاهها ، فجمعت رباط جأشها قائلة بحذر :- طيب يا أختي أنتوا دورتوش على أبوها اللي راح الخليج وما رجعش ده لحد دلوقتي؟! لمع الدمع بعينيها حينما أتتها تلك الذكرى فهتفت بتهكم :- لا يا سميحة ما فيش أخبار عنه من وقت ما سابها هي وبنتها منعرفش عنه حاجة .
هزت رأسها بتعاطف قائلة بغل :- ربنا ياخذه راجل دون ده بدل ما يسأل عن بنته و يقول أربيها كأنه ما صدق و لقاها ! تلاقيه متجوز الواطي وعايش حياته والبنت اليتيمة دي يا عيني طافح الكوتة ، منه لله حسبي الله ونعم الوكيل في كل واحد ظالم بالشكل دة . جففت دموعها بيدها وهي تمسك جانبها الذي أشتد عليه الألم ، فانتبهت لها الأخرى فهتفت بذعر :- مالك يا صفية أروح أنادي حاتم من تحت بسرعة يشوف دكتور؟
هزت رأسها بالنفى قائلة بوهن :- لا ملوش لزوم اقعدي يا سميحة أنا عاوزاكي في موضوع مهم فيه حياة أو م..وت بس فيكي من يكتم السر ؟ شهقت بصدمة قائلة بعتاب :- أخص عليكي يا أم حاتم بقى بتشكي فيا دة إحنا أهل !
أردفت بتوضيح :- أنا مش قصدي كدة ، أنا مش عاوزة أي مخلوق خلقه ربنا يعرف اللي هقولهولك دة لأن محدش يعرف بالسر دة أبداً ، والكلام اللي هاقوله خطير لو طلع الدنيا هتتقلب أنا هحكيلك سر كتماه يجي من خمسة عشر سنة آن الأوان أنه يطلع ، هطلعه بس عشان البنت الغلبانة دي اللي ملهاش ضهر من بعدي . أردفت بحذر ، و دقات قلبها تزداد بقلق :- ماشي يا أختي قولي سرك في بير يا حبيبتي .
نظرت لها مطولاً ، و بدأت تقص عليها ما يجثو فوق صدرها طول تلك السنوات بعيون يسيل منها الدمع كالشلال ، وهي تخبرها بمعاناة شقيقتها الراحلة ، وما عانته من ويلات ، بينما اتسعت أعين ذلك الواقف بصدمة عندما كان في طريقه للعودة لأخذ هاتفه الذي نساه ، و وقف كالتمثال حينما التقطت أذنه ذلك السر الخطير ، وعينيه تزداد اتساعاً كلما قصت والدته بالمزيد ، و لا يصدق ما يسمعه ، أيعقل ما سمع للتو !
انتهت من سردها قائلة برجاء :- أمانة عليكي يا سميحة ما تقولي لحد دي أمانة حافظي عليها من بعدي . مسحت دموعها قائلة بصوت متحشرج :- اطمني يا أختي سرك في بير و رحيق هتفضل أمانة و زي بناتي بالظبط و مش هخلي حد يهوب ناحيتها ولا يأذيها اطمني يا أختي و حطي في بطنك بطيخة صيفي . أومأت لها بخفوت قائلة :- تعيشي يا سميحة بنت أصول بصحيح .
نزل للأسفل و كأن على رأسه الطير ، و عقله في حالة صدمة ، ثم هتف بخبث :- بقى كله دة يطلع من ورا ست الحسن والجمال دي ! لا دة الواحد يقعد على رواقة بقى و يتكتك و يشوف هيعمل إيه ، لازم استفاد من ورا المصلحة دي كويس أوي و أبقى مغفل لو سبت الفرصة تضيع مني .. قابل مدحت الذي هتف بمجرد أن رآه :- صباحو يا عمنا …
ثم جلس قبالته بينما هتف الآخر :- صباحك فل ، إيه مش ناوي تلين راس بنت خالتك دي و تخليها توافق ؟!
أردف بغيظ مكبوت :- أعملك إيه يعني ما هو على يدك دي رفضتك يجي خمس مرات ، و لما أمي بتسألها ليها بتقولها إنك متجوز و هي استحالة تتجوز واحد متجوز . رفع حاجبه الذي يمر به خط طويل نتيجة لإحدى مشاجراته في المنطقة قائلاً باستنكار :- الله ! و فيها إيه أنا راجل مقتدر ، و أقدر أفتح بدل البيتين أربعة ، عمالة تتقنعر عليا ليه مش فاهم ، دة أنا هعيشها ملكة بدل العيشة اللي عيشاها دي .
جعّد وجهه بضيق قائلاً :- أهو العيشة اللي أنت شايفها دي عجباها يا مدحت . غمغم بغضب :- لا بقولك إيه أنا عامل حساب للعيش و الملح اللي بينا ، هتعصلج معايا هوريك وشي التاني إحنا بينا إتفاق نسيت ولا أفكرهولك ! جز على أسنانه بعنف قائلاً بغيظ مكبوت :- لا فاكر يا مدحت ، بس أنت كمان استنى عليا مهلة كدة أكون جبتلك الفلوس كلها . كاد أن يصل حاجبه أعلى رأسه، و هو ينظر له بدهشة قائلاً :- نعم نعم ! قولت إيه ؟! عيد اللي قولته تاني كدة !
أردف بضجر :- بقولك استنى عليا كام يوم و هجبلك الفلوس كلها لحد عندك . نظر له قائلاً بسخرية لاذعة :- و دة منين إن شاء الله ! يكونش يلا سرقتـ,ـلك محل دهب ولا ـ,ـتلتلك قتيل ! ما هو مش بعيد على الحشاشين اللي زيك . أردف بغضب :- حوش أنت اللي شيخ جامع جرا إيه يا مدحت ما إحنا دافنينه سوا بتلبش بالكلام ليه بقى دلوقتي و بتسيحلي في المنطقة ؟ هدر بعنف :- علشان مبقتش حاتم اللي أنا أعرفه فين كلامك ليا اللي اتفقنا عليه ؟
تأفف بضجر قائلاً :- و بعدين معاك يا مدحت ما تهدى و تخلي صباحيتك تعدي الله ! هو المدام عكننتها عليك في البيت جاي تطلعه علينا هنا ! نهض من مكانه بغضب كالمرجل ، ثم جذبه من تلابيب ملابسه قائلاً :- لا دة أنت كمان عاوز تتربى ياض وأنا اللي هعلمك الرباية كويس .
قال ذلك ثم انهال عليه يضـ,ـربه ، و الآخر يسدد و يتلقى ، و سرعان ما تحول الأمر إلى شجار عنيف تجمع أهل المنطقة على أثره ، حيث وقفت السيدات في الشرفات و النوافذ يراقبن الموقف بفضول من الأعلى .
تقدم أحدهم و حاول الفصل بينهما قائلاً بروية :- استهدى بالله كدة يا مدحت أنت و حاتم و أخذوا الشيطان . و حينما لم يستطع الفصل بينهما نظر للملتفين حولهم قائلاً بحدة :- ما تساعدوني بدل ما انتوا واقفين كدة تتفرجوا مش فيلم هو ..
و بالفعل استجاب له البعض ، و تقدموا ناحية ساحة الشجار ، و استطاعوا الفصل بينهما فصاح مدحت بغضب المكبل بواسطة بعض الرجال :- سيبوني عليه أعلمه الأدب . أردف حاتم بنفس الغضب وهو يحاول الوصول له :- تعلم على مين يالا دة أنا أشرحك مكانك .. أردف بغضب :- طب و ديني و ما أعبد لو ما جبت الفلوس يا حاتم لأكون قاتلك بأيدي . صرخ بغضب :- على الجزمة هتاخدها فلوسك أنت هتزلني بيها .
تدخل أحدهم قائلاً :- خلاص يا ابني وحد الله كدة منك ليه ، ويلا كل واحد يشوف مصلحته . أنصرف الجمع الغفير المنتشر ، بينما هتف صاحب الورشة بغلظة :- من النهاردة ملكومش أكل عيش عندي روحوا كلوا عيش في حتة تانية . أخذا يتفرسان ببعضهما البعض بكره شديد ، ثم انصرف كلاً منهما إلى وجهة مختلفة ، و بداخلهم حقد يتصاعد كألسنة اللهب ……………….. الفصل الثاني وقفت أمام الشقة الخاصة بعمها ، فرفع الصغير ذراعيه للأعلى قائلاً بتذمر :- ماما شليني عاوز أرن الجرث .
ضحكت بخفة على مشاغبة الصغير ، و بالفعل امتثلت لطلبه ، و قامت بحمله ، فوضع الصغير أصبعه على زر الجرس ولم يتوقف أبداً عن الضغط . فتحه إسلام ، وما إن رآه حمله بسرعة بين ذراعي والدته بينما كتمت الأخرى انفاسها حينما كان مقترباً منها لأخذ الصغير حتى لا يسلبها منها في كل مرة عندما يهجم بضرواة على أوتار قلبها فتزيد من دقاته الصاخبة .
نظرت أرضاً كي لا تلتقي عيناها بعينيه فيقرأ فيهما سطور العشق المسطرة منذ زمن فيفتضح أمرها ، و عندها سيلومها الجميع أنست زوجها بتلك السرعة لتقع في غرام شقيقه ! و لكنهم لا يعلمون أن عشقه يسكن في ثناياها منذ أن كانت طفلة ، و حاولت الكثير و الكثير أن تمحيه ، و لكن دون جدوى، فمهما هربت تجد طريقها مسدود . فاقت من شرودها على صوته الذي ما زادها إلا عذاباً حينما هتف بمرح و هو يقبل وجنة الصغير :- أهلاً أهلاً بحبيب عمو ، إزيك يا بطل ؟
هتف الصغير بابتسامة مشرقة :- كويث إثلام . ضحك قائلاً :- ياض أنا عمك مش إسلام عيب كدة ، تعال يا بطل سلم على جدو و تيتة .. ثم أضاف بهدوء و هو يوجه حديثه لمريم :- تعالي يا مريم هتفضلي عند الباب كتير !
أومأت له بخفوت ، ثم دلفت خلفهم و ألقت التحية على الموجودين فردوها عليها ببشاشة وجه .
انشغلوا بالطفل فهو عوض الله لهم عن ابنهم الفقيد ، فابتسمت بخفوت و لمع الدمع بعينيها سريعاً ما شكلت طبقة كرستالية محتهم على الفور ، و جاهدت في رسم إبتسامة واسعة على وجهها ، و لا تعلم إلى متى ستصمد ؟ هتف موسى الذي يضع الصغير على قدميه :- فطرت ولا لسة يا أبو حميد ؟ أومأ الصغير بنعم قائلاً :- أيوة يا جدو الحمد لله ، يلا علشان نروح تحت الكوالة .
ضحك الجميع على نطقه الخاطئ فأردف موسى :- اسمها وكالة يا أحمد وكالة ، تمام يا بطل و ماله أهو تتشرب الصنعة من وأنت صغير . قال ذلك ثم نهض قائلاً ممسكاً بيد الصغير :- يلا كمان يا إسلام علشان تحصلنا زمان عمك فتح الوكالة بدري هو و محمود . أردف إسلام بطاعة :- حاضر يا بابا .. غادر بهدوء بصحبة الصغير ، بينما هتفت عواطف بحب :- تعالي يا مريم افطري مع إسلام .
هزت رأسها بنفي قائلة :- تسلمي يا مرات عمي أنا فطرت مع أحمد بالهنا كلوا أنتوا . توجهت و جلست على الأريكة بالقرب منهم ، تقضم أظافرها بتوتر ، شُلّت حواسها ، و جحظت عيناها بصدمة ، و توقفت ضربات قلبها حينما سمعت زوجة عمها تقول :- بقولك إيه يا إسلام يا ابني أنت أهو ما شاء الله خلصت كليتك ليك سبع سنين و شقتك بقت جاهزة من مجاميعه ، ها فاضل إيه تاني يا حبيبي مستني إيه ؟! نفسي أفرح بيك يا ضنايا بعد ما أخوك الغالي فارقنا مبقاش ليا إلا أنت و أختك .
زفر بضيق قائلاً بشبح ابتسامة :- حاضر يا أما أديني وقت أظبط أموري و هبقى أشوف . أردفت بلهفة :- ما تقلقش أنا عندي ليك حتة عروسة إنما إيه جمال و أدب و …. قاطعها قائلاً بضجر :- خلاص يا أما هبقى أشوف أنا نازل الوكالة عند أبويا ..
أنهى كلماته و نزل مسرعاً و تلقائياً وجد عينيه تقع على منزل تلك التي نقضت العهد ، عندما عاهدته بأنها ستكمل معه الطريق ، و لكنها تركته في بدايته حينما أتتها الفرصة للعيش في منطقة أكثر رقياً من هذه المنطقة مع هذا الثرى الذي تشبثت به بقوة لينتشلها من هذه المنطقة الشعبية .
ابتسم بسخرية ، و هز رأسه بندم على ما كنّه من مشاعر لها ، و نزل للأسفل ليتابع عمله بالوكالة ، حيث أنه يدير قسم الحسابات و يشرف على البضاعة بعملهم الخاص .
شعرت بالصقيع يسري في أوصالها فارتجفت بقوة وكأنها في الشتاء رغم حرارة الجو .
دمار تام خيم على مدينة قلبها فأصبحت عبارة عن كوم تراب . ماذا تنتظر ؟! أستظل توهم نفسها بالمزيد من الأحلام التي من المستحيل تحقيقها الآن ! شحب وجهها كالمو..تى ، و تأكدت اليوم أنه لن يكون لها مثل كل مرة كانت تُمني حالها فيها . تحجرت الدموع بعينيها ، و هدأت وتيرة أنفاسها ، و كم تمنت الم..وت في هذه اللحظة لتنال الراحة بدلاً من دوامة العذاب التي تغرق فيها .
اقتربت منها عواطف قائلة بابتسامة عذبة :- إيه رأيك يا مريم في بنت عم صالح أسماء ؟ هزت رأسها بضياع قائلة :- ها …بتقولي إيه ؟ لاحظت حالتها فأردفت بقلق :- مريم مالك يا بنتي ؟ وشك أصفر كدة ليه ؟ نهضت تتحامل على ذاتها قائلة بنفس الحالة :- أنا طالعة فوق ماما عاوزة تغسل السجاد وهساعدها .. و بالفعل تركت المكان بسرعة حتى لا تنهار أمامها ، لم تجد غيرها صديقتها الوحيدة بالشقة المقابلة لهم فطرقت الباب سريعاً ففتحته والدة بثينة التي هتفت بقلق هي الأخرى :- في إيه يا مريم يا بنتي ، حد جرالوا حاجة ؟
هزت رأسها بنفي قائلة بضعف وهي على وشك الصراخ :- لا مفيش …مفيش ..عاوزة بثينة بس.. أومأت بتعجب قائلة :- طيب تعالي هي قاعدة جوة في أوضتها كويس أنها مارحتش الشغل النهاردة . توجهت بسرعة لغرفتها ، بينما أخذت تتطلع لها الأخرى بدهشة ، و لكن هزت رأسها بهدوء فلتعرف ما بها من ابنتها لاحقاً . فتحت الباب على حين غرة ، فقفزت الأخرى في مكانها على أثره و ما إن رأتها هتفت بذعر :- مريم مالك يا حبيبتي ؟
احتضنتها بقوة ، وهنا سمحت لنفسها بالانهيار ، إذ سقطت جميع حصونها التي تتظاهر بالقوة ، و انخرطت في موجة بكاء غير معهودة منها . أتت والدتها على صوت البكاء قائلة بقلق :- في إيه يا بثينة مالها مريم ؟ هتفت بقلق :- والله ما أنا عارفة يا أما ، سيبينا دلوقتي لحد ما تهدى و هعرف مالها . أومأت بموافقة قائلة :- ماشي وأنا هروح اعملها حاجة تشربها تهديها . بعد فترة هدأت وتيرة بكائها فأردفت بثينة بهدوء :- ها يا مريومة مش هتقوليلي مالك بقى ؟
أردفت بصوت متحشرج و قد خيم الحزن على كل خلية بداخلها :- تعبت أوي يا بثينة مبقتش قادرة استحمل خلاص جبت آخري . أردفت بقلق :- ليه بس فيه إيه ؟ ضحكت بمرار قائلة :- أقولك إيه ولا إيه خليني كاتمة أحسن يمكن روحي تطلع و ارتاح بدل الغلب اللي أنا فيه . شهقت بصوت عال و أردفت باستنكار :- بقى هي دي مريم اللي أنا أعرفها ! لا لا مش هي أبداً فين مريم القوية اللي بمية راجل .
أردفت بتعب :- خلاص مريم معادتش قادرة تمثل دور مش دورها أنا بقف قدامهم ساكتة و جوايا خراب . ربتت على ظهرها بحنو قائلة :- أهدي بس و قوليلي في إيه ؟ مسحت عبراتها بعنف قائلة بكذب :- بابا مش راضي يخليني أشتغل ، هو أنا واخدة الشهادة عياقة يعني ! أردفت بحذر :- طيب بس أهدي كدة الأول ، يعني إنتي مش عارفاه هي أول مرة ! لا لا مش دة السبب أنا عارفاكي كويس ، ها في ايه تاني ؟
هتفت بخزي من حالها و وجع :- مرات عمي جابت لإسلام عروسة و شكله هيوافق عليها المرة دي . أردفت بصدمة :- بتقولي إيه؟ طب طب وإنتي؟! إزاي ؟ أجابتها بحرقة :- زي الناس يا بثينة هو من حقه يتجوز ولا هيفضل كدة يعني ! هزت رأسها بنفي قائلة:- لا مش قصدي كدة بس …بس وإنتي ؟ أغلقت عينيها بعنف قائلة بقلب ذبيح تلطخت اعماقها بدمائه :- عادي يا بثينة و إيه الجديد ؟! قلبي أتعود على كدة فمبقتش فارقة خلاص ، أنا هعيش لأحمد وبس كفاية الأنانية اللي أنا فيها دي .
أردفت بشفقة :- خلاص يا حبيبتي متعمليش في نفسك كدة أدي الله و أدي حكمته . هزت رأسها بحزن قائلة :- و نعم بالله خلاص يا بثينة أنا مش هفكر فيه تاني ، أنا كل مرة بيجي في بالي بحس قد إيه إني واحدة خاينة لجوزها اللي ما صدقت يم.وت علشان تلوف على أخوه . زفرت بثينة بحزن قائلة :- خلاص بقى يا مريم كفاية تحملي نفسك فوق طاقتها ما إحنا كلنا عارفين انك اتجوزتيه غصب عنك .
ابتسمت بمرار قائلة :- انتوا مين اللي عارفين يا بثينة ؟! هو إحنا هنضحك على بعض ! محدش يعرف حاجة عن الموضوع دة غيرك بس فمتعمميش و تقولي احنا ، على العموم يلا مجاتش عليه و لا جديد عليا إني أتوجع ، معلش يا بثينة تعباكي معايا علطول. قطبت جبينها بعبوس قائلة :- عيب عليكي إنتي صاحبتي متقوليش كدة . أردفت بود :- ربنا يخليكي يا بسبس والله من غيرك مكنتش هعرف اعمل ايه ، طيب أنا همشي دلوقتي علشان محدش يحس بغيابي أصل ما قولتش لحد .
هتفت بسرعة :- طيب استني أمي بتعمل العصير . – لا معلش أبقي سلميلي عليها أنا مروحة أشوفك بعدين . وما إن همت لترحل عاجلتها بسؤال أعاد الحزن لها مجدداً و كأنها والدته و هو لا يريد تركها :- هي صحيح مين دي اللي أم إسلام عاوزة تجوزهاله؟ ابتسمت بوجع قائلة :- أسماء بنت عم صالح . اتسعت عينيها بدهشة قائلة :- أسماء ! أومأت بموافقة قائلة بتهكم :- أيوة أسماء صغيرة و متجوزتش قبل كدة يعني مناسبة له كتير ، بالإذن يا بثينة .
قالت ذلك ثم غادرت بخطوات أشبه بالسلحفاة عائدة أدراجها بعد أن جففت دموعها ، و جاهدت في رسم إبتسامة باهتة سرقتها خلسة من الزمن ، و طرقت الباب لتفتحه توحيدة ، فدلفت لغرفتها مباشرة بينما وقفت والدتها تطالع أثرها بقلب جريح على حال ابنتها التي تراها كالشاه المذبوحة وهي تقف تشاهدها دون أن تمد لها يد العون . رفعت انظارها للسماء تتضرع إلى الله بأن يخفف عن ابنتها و يرزقها كل الخير .
دلفت لغرفتها بخطوات بطيئة، و ألقت بنفسها بعنف على الفراش ، و أخذت تحدق في سقف الغرفة التي شهدت على الكثير من معاناتها طوال تلك السنوات .
بهتت ملامحها كعجوز في الثمانين تحمل من الهموم مما يفوق الجبال ، و زادت هالاتها السوداء حول عينيها البندقية الواسعة ، و نقص وزنها كثيراً عما كانت عليه سابقاً .
تحملت الكثير دون أن تشكو ، لا تحب أن تشارك غيرها أوجاعها لأنها تخصها وحدها ، ولن يشعر أحد بالحزن لذا لم تتحدث .
ابتسمت بسخرية ، لمن ستتحدث ؟ لوالدها كي يـ,ـتلها إن علم أنها تحب شقيق زوجها الراحل ! ، ام لوالدتها التي تتبع والدها في كل شئ تجنباً لغضبه ! ، واما لشقيقها الذي ورث الطباع الحادة من والده !
أخذت تبحر بذاكرتها للخلف ، تمر عند كل مرسى به حدث أو ذكرى ، زادت من وتيرة بكائها المكتوم الذي لا يدري به أحد من الأساس ، تود أن تصرخ و تثور ولكن إن فعلت ستصبح عاقة لهما ، وهي لا تريد ذلك أبداً ، لا تريد أن تقطع أي حبل يوصلها بطريق الله ، لذلك توافق والدها على أي قرار يتخذه حتى وإن كان هذا سيضر بمصلحتها ، أو يعارض رغبتها . أخذت تنتحب بصمت لتفرغ شحنتها السلبية ، و لتنهار الآن لكي تستطيع أن تقف على قدميها قوية في الأيام المقبلة التي ستشهد على مـ,ـتلها بالبطيئ .
___________________________________ صعد للأعلى بوجه متجهم للغاية ، و اغلق الباب خلفه بقوة ، و جلس بإهمال على أحد المقاعد المتهالكة ، و أخذ يهز قدمه بعصبية شديدة. تحاملت والدته على نفسها و أخذت تسير حتى وصلت لعنده ، و جلست بتعب قبالته قائلة بوهن :- بردو دي عمايل تعملها يا ابني بتقطع عيشك بأيدك ! هتف بانفعال :- يعني كنتي عاوزاني أعمل إيه يا أما ! دا ابن **** عاوز الحرق . هزت رأسها بأسى قائلة :- يعني من كتر الشغل دا الواحد بيتعلق في قشاية في زمان ما يعلم بيه إلا ربنا.
أردف بغضب :- كله من بت أختك لو رضيت تتجوزني مكانش دة حصل . جعّدت أنفها بغرابة قائلة باستنكار :- و إيه دخل دة بدة ؟! انت بتخلط الأمور ببعضها ليه؟ و يعني هي وافقت وأنا قلت لا ، البت مش راضية وأنا مش هغصبها على حاجة يا ابن بطني . نظر لها بخبث قائلاً :- ماشي يا أما براحتها . تأوهت بألم قائلة :- آه ألحقني يا حاتم هم.و.ت مش قادرة جنبي واجعني ..
قالت ذلك ثم فقدت وعيها على الفور …
______________________________________ نزل من طيارته الخاصة ، يحاوطونه الحراس الخاصين به كالحصون الفولاذية المنيعة ، يمشي بخطوات سريعة عندما أتى له اتصالاً أثناء رحلته إلى بلجيكا في صفقة عمل بمرض عمه الشديد الذي يرقد في الفراش لا حول له ولا قوة .
صعد للسيارة بسرعة ، و جلس في المقعد الخلفي، بينما أنطلق السائق حيث مكان عمه بالمشفى الضخم الخاص بهم . بعد وقت توقفت السيارة أمام المشفى ، و نزل السائق يسرع بفتح الباب الخلفي ، فنزل ببرود كحالته ، و مشي بخطوات للداخل حتى ابتلعه المبنى .
استقل المصعد متوجهاً للطابق المتواجد به عمه و البقية وما إن رآهم هتف بجمود و هو يقف بثباته المعتاد :- عمي حالته إيه دلوقتي ؟ هتفت ناريمان زوجة عمه ببكاء :- حالته متأخرة أوي يا مراد مفيش أمل أنه يمشي تاني . قوس حاجبيه بغضب مكبوت قائلاً بحدة :- و البهايم اللي هنا وظيفتهم إيه ؟ لو مش عارفين يعملوا حاجة حالاً نسفره برة . هتف والده بحزن :-يعني هيعملوا إيه اللي برة ؟! المستشفى هنا فيها أحسن الدكاترة كلهم قالوا إن حالته متأخرة .
زفر بضيق و استعاد ثباته قائلاً بجمود :- و جدي فين ؟
ثم نظر لجدته التي ورث منها الغطرسة قائلاً :- جدي فين يا نانا ؟ هتفت بهدوء :- تعبان شوية يا مراد ، قاعد جوة في الأوضة اللي جنب عمك . أردف بهدوء :- طب أنا عاوز أشوفهم . اقتربت ابنة عمه التي تغرق الدموع عينيها ، و هي تقدم على احتضانه، إلا أنه أوقفها بإشارة من يده بأن لا تقترب من تلك المنطقة المحظورة التي لم تقترب منها أي أنثى من قبل .
جزت على أسنانها بغيظ منه ، ودت لو تلكمه ، و لكن هيهات أن تعبث مع ذلك الجامد كالثلج . هتفت بدموع في محاولة منها لكسب عطفه نحوها :- بابا يا مراد خلاص مفيش أمل أنه يمشي تاني . لم يتحدث بكلمة فهو غير جيد في تلك الأمور العاطفية، فهو كالآلة يتحرك بوقت ، و يعمل بوقت ، أو بالأحرى يقدس العمل و الوقت . نظر لوالده قائلاً :- أنا هدخل أشوف جدي على ما يطلع الدكتور و نطمن على عمي .
استدار مولياً إياهم ظهره بينما هتف شادي بخفوت :- يخربيت برودك يا أخي إيه دة ؟! بعد دقائق أتى الطبيب للإطمئنان على صحة مجدي و بعد أن فحص مؤشراته خرج و على وجهه إمارات الأسى فهتف عمران بلهفة :- طمني يا دكتور أخويا حالته إيه ؟ هز رأسه بحزن قائلاً :- للأسف العملية فشلت و فرصة أنه يمشي من تاني ضئيلة دة إن مكانتش مستحيلة مش قدامنا حاجة نعملها دلوقتي. أتاه صوته الحاد قائلاً :- يعني إيه مش قدامك حاجة تعملها أنت بتهزر !
زفر الطبيب بضيق قائلاً :- يا باشمهندس مراد حالة عمك مفهاش أمل ، إحنا عملنا اللي علينا و زيادة ولو عاوز تاخده تسفره برة براحتك . رُسم الأسى على الجميع فأردف الطبيب بهدوء :- هو فايق دلوقتي و طلب مني إنك تدخله لوحدك .
حالة من الدهشة و التعجب خيمت عليهم بما فيهم هو . أومأ بهدوء ثم دلف لغرفة عمه . قطبت ميس جبينها بتعجب قائلة :- غريبة ! يا ترى عاوزه في إيه ؟
هز عمران كتفه بعدم معرفة قائلاً :- ما أعرفش يا ميس علمي علمك . كانت تقف و بداخلها فضول قاتل لمعرفة سبب طلبه له بالداخل بمفرده ، و تمنت أن تقرأ الأفكار الآن لتعلم السبب و ترضي فضولها . بعد وقت قضاه بالداخل ، خرج و وقف بعيداً عنهم قليلاً ، بينما أخذ البقية يتفرسونه بعمق لعلهم يستشفون أي شئ ، و لكن ملامح وجهه الجامدة حالت دون ذلك . تقدمت منه زوجة عمه التي يـ,ـتلها الفضول و هتفت بحذر :- هو …هو مجدي قالك إيه جوة ؟ يعني …يعني طمنا عليه هو كويس ؟
أردف بجمود :- اطمني يا مرات عمي هو كويس ، وهو وصاني عليكم وإني أخد بالي منكم . هزت رأسها بهدوء ، و بداخلها غير مقتنع بما أملاه عليها ، و اشتعلت نيران غاضبة بداخلها نستها منذ زمن بعيد ، و جزت على أسنانها بغل إن كانت ما تفكر به صحيح .