نهضت بنشاطٍ و إرتدت ثيابها، صففت خصلاتها و قررت تركها حُرة اليوم و ساعدها على ذلك نعومتها، ثم خرجت من الشقة بعدما أخذت مفاتيحها و هاتفها، أغلقت الباب جيدًا و إلتفتت لتصُدم به جالسًا في سيارتُه عائدًا بالمقعد للخلف و نائم، إعتلى الضيق مِحياها لكن أكملت طريقها تتظاهر بأنها لم تراه، أوقفتها السيدة فتحية .. تلك التي أخذتها ببيتها عندما رفضت أمها أن تفتح لها الباب و تُدخلها، تقول بأعين تلومها:
– كدا يا نور يا بنتي .. تسيبي جوزك نايم في العربية كدا من إمبارح يا حبة عيني على الوضع ده!!!
هتفت نور بضيق:
– ده مبقاش جوزي يا حجّة فتحية، إحنا إطلّقنا خلاص!!! غمغمت فتحية بحزن:
– م أنا عرفت يا بنتي .. بس و ماله إنتِ في فترة العدة يعني ترجعوا في أي وقت بالمأذون بردو!! صدح صوت نور الهجومي:
– و مين قالك أصلًا إني هوافق أرجعلُه!! تنهدت فتحية تربت على كتفها قائلة:
– طيب خلاص يا حبيبتي روحي شغلك عشان متتأخريش، و لما ترجعي لينا كلام مع بعض!!
تنهدت و ذهبت من أمامها لتخرج للشارع الرئيسي تنتظر سيارة أجرة تمُر، لتمُر أمامها آخر سيارة كانت تنتظرها، سيارته، و فتح زجاج النافذة يميل برأسه لكي يراها قائلًا بنبرة هادئة:
– إركبي!! تأففت بنزقٍ و قالت بحدة:
– إمشي من هنا عشان مصوّتش و ألم الناس عليك!!! – لو مركبتيش هنزل أجيبك من شعرك و أركبك بالعافية!!
قالها بتحذير حقيقي و قد فُلتت أعصابُه، فـ ضربت السيارة بقدمها بجُرها تقول بعنفٍ:
– يلا إنزل وريني .. عشان أخلي اللي ما يشتري يتفرج عليك!!!
رفع حاجبيه من طريقتها الجديدة عليه، حاول التحلي بالصبر فـ قرر أن يهاودها قائلًا برفق:
– مش هتلاقي مواصلات دلوقتي الدنيا زحمة!!! – حاجه متخُصش حضرتك!!!
هتفت ساخرة ثم أشارت إلى سيارة أجرة مرت من جوار سيارته فوقف السائق، أخبرته بالمكان فهزّ رأسه لها موافقًا، صعدت معه دون أن تعاير فريد إهتمام، ضرب الأخير المقود بعصبية شديدة، لكنه توقف للحظة مُدركًا بأنه فالتة خُصلاتها تحررهم على ظهرها، فـ ردد مع نفسه مصدومًا:
– دي مسيبة شعرها!!! دي نازلة و مسيبة شعرها!!! ده أنا هطلع عين أمها دلوقتي!!!
سار خلف السائق بسُرعة جنونية و قد إنتفخت أوداجُه، لا يصدق أن غيره سيرى خصلاتها مفرودة على ظهرها، كيف لم يُحجبها، كانت على ذمته و كيف لم يتخذ هذا القرار و يجعلها عنوةً ترتدي الحجاب، أطلق زفيرًا حارًا من شدة لهيب جسدُه الغاضب، حتى وجدها تترجل من السيارة بعدما أعطت للسائق بعض النقود، ترجل هو الآخر من السيارة و سار خلفها طاويًا أسفل قدمُه الأراضي مُدبدبًا عليها بـ حذائه الذي يصرخ بالغِنى،
ثم بقسوة إلتقط ذراعها و جذبها خلفه بعنف وسط صراخها و جسدها الذي يتثاقل عمدًا حتى يعجز عن جذبها و لكن ذهبت محاولاتها هدرًا فهو أقوى بنيةً منها
بمراحلٍ، دفعها إلى السيارة في المقعد الخلفي حتى لا يتسنى لها النزول و إستقل جوارها، ظلت تصرخ به أن يتركها و يبتعد لكنه ضرب على ظهر المقعد الذي أمامُه صارخًا بوجهها:
– إخرسي مش عايز أسمعلك صوت!!! نازلة شغل و قولت ماشي سيبها، قاعدة لوحدك في شقة طويلة عريضة في مكان مبيرحمش و كلُه بيتكلم عليكِ و قولت مالهاش ذنب و أقطع لسان أي حد يجيب سيرتك عشان أنا عارفك!!!، لكن نازلالي بـ قميص هيتفرتك من على صدرك و شعرك مسيباه!!! ده إنتِ نهارك إسود معايا أقسم بالله لهعرفك أنا مين على اللي بتعمليه ده!!!
شهقت من وقاحتُه و همت بالصراخ في وجهه لكنه أشهر بأصبعه في وجهها هادرًا بقسوة لدرحة أن عروق جبينه و عنقه نفرت:
– قـولـت صـوتـك مـسـمـعـوش!!! لم تتوانى عن الحديث و الصراخ به بصوتٍ قد بُحّ:
– لاء هتكلم!!! لو مشيت عريانة في الشارع ملكش الحق تـ!!! بتر عبارتها قابضًا على ذراعها يقربها منه صارخًا بوجهها بصوت جفل له قلبها:
– إخــــرســـي!!! ماليش حق إيه يا أم حق!!!! ده أنا أكسرلك رقبتك و رجلك اللي فرحانة بيها و لابسة بنطلون مفصَّلها دي!!!
– آآآه إبعد عني!
تآوهت تُحاول بإستماتة إبعاد كفُه عن فكها لكنه شدد على فكها أكثر فـ تعالى صوتها من شدة ألمها تضربه على صدرُه حتى تركها تاركًا على وجهها الصافي علامات أناملُه، مالت للأمام تفرك مكان قبضته ثم طالعتُه بنفورٍ، تنطقها للمرة الأولى:
– أنا بكرهك!!!
شقت الكلمة صدرُه، فـ خفّت نبضات قلبُه، متأملًا كلمتها التي تبدّلت بعد أن كانت تنطق له بمعاني العشق بأكملها و كم تُحبه، تخبره الأن أنها تمقتُه، لم تكتفي بجرحُه مرة، فـ تابعت بصوتٍ إمتلئ غصةً جعلته يلعن نفسه على كبمةٍ ألقاها عليه في لحظة شيطانية:
– بكرهك من كُل قلبي، و لو رجع بيا الزمن عُمري ما كُنت هوافق أتجوزك!!! – بس أنا بحبك!!
قالها بضعفٍ، و رفع إنمله بالكاد بعد أن تخدّر جسده من كلماتها، و سار به فوق موضع أناملُه فـ غمغمت بقسوة:
– كفاية كدب!!! إنت مبتعرفش تحب!
– و حبيتك!!
قالها بألم تغلغل نبرة صوته، متابعًا و هو ينظر لعيناها:
– مكُنتش بعرف أحب بس حبيتك، و عشقتك!! ليه بتعملي فيا كدا؟ إبتسمت إبتسامة لم تكُن سوى شامتة، شامتة بذلك الضغف الذي تمكّن منه، بتلك النظرات التي تفترسها دون أن يستطيع الحصول عليها، لمساته التي تطوق أن تغوص بأعماقها، حاولت جذب كلمات أكثر منه تزيد نشوتها في الشماتة به فـ قالت بصوتها الغنج:
– بعمل إيه؟
تنهد غافلًا عن عيناها الشامتة به، قائلًا موجوعًا:
– بتعذبيني .. شايفاني قُدامك و النار قايدة فيا و بتعندي .. بتعاقبيني على غلطة أنا ندمت عليها، كفاية يا نور!! شهر كامل من غير ما أخدك في حُضني و أسمع صوتك و أشوفك، شهر كامل مخلي حد يراقبك و يجبلي أخبارك كلها .. و عشان البنت اللي إسمها دنيا دي كانت معاكِ في كل حاجه سيبتك ..
سيبتك براحتك و مكُنتش عايز أضغط عليكِ، و لما إشتغلتي و عرفت الشركة اللي بتشتغلي فيها و إن محدش فيها هيدايقك بردو سيبتك، كنت بتعذب و بمـ,ـوت و إنتِ بعيدة و كل اللي كان بيهون عليا الكام صورة اللي كانوا بيتبعتولي ليكِ، كنت بقعد بالساعات قُدام الصور أملي عيني منها بس، نور أنا تعبان .. تعبان من غيرك، و حاسس إن حياتي واقفة و إنتِ مش فيها!!!
طالعتُه مصدومة مما قال، كان يجند شخص يراقبها لتصل أخبارها له كل تلك المدة؟ إزدردت ريقها تنظر له و لذلك الضعف المتشكل بعيناه و بلمساتُه و بأنفاسُه، إقترب منها يريح رأسه فوق كتفها مثبتًا جبينه على حرف منكبها، أناملُه تعبث بخصلاتها المفرودة على ظهرها، أغمضت عيناها و قد إمتلئت عيناه بالدمعات و كامل جسدها يرتجف، ليقول كلماتٍ أفاقتها كدلوٍ بارد صُب عليها صبًا:
– يلا نروح للمأذون دلوقتي .. و كإن اللي حصل ده محصلش، هنسيهولك!!!
إنتفض كامل جسدها تبتعد عنه تدفعه من صدرُه قائلة برعب:
– مش هيحصل، مش هرجعلك أبدًا عُمري ما هرجعلك!!! ثم زحفت لآخر الأريكة الخلفية و خرجت من السيارة، صافعة الباب خلفها تسير إلى داخل الشركة، تاركة أياه خلفها مُتدمرًا!! • • • • • • • تحاول التركيز في عملها بالكاد، لا تستطيع لملمة شتاتها بعد تلك المواجهة التي حدثت بينهما، هي لأول مرة تراه بهذا الضعف، نفت برأسها تزجر نفسها هامسة:
– لاء .. مش هرحمُه، زي ما هو مرحمنيش!!!
أنهت عملها بعد إرهاق، لتُغادر الشرطة تقرر أن تمشي على أقدامها قليلًا علها تُسكت إرهاق ذهنها ذلك، ظلت تسير حتى إستوقفتها تكدُس غريب في منطقة مُعينة، فـ قطّبت حاجبيها تسأل أحد المارة:
– هو في إيه .. إيه الزحمة دي؟ قال الرجل بضيق:
– في واحد عربيته إتقلبت بيه هنا على الطريق، و من ساعتها و الشارع واقف!! لا تعلم لمَ إنقبض قلبها، أخذت تزيح في المارّة تحاول الوصول لتلك السيارة، شهقت و كادت أن تسقُط أرضًا عندما وجدتها سيارته، هرعت عليها كالمجنونة لترى الراكب بها، فـ تصنمّت مكانها عندما رأته، وجهه نازف و عيناه مُغمضة كالأموات!!!
يُتبع♥
# ♥
الفصل الثالث عشر .. و الأخير
فـــريـــد!!!! فـريـد!!! نظرت للمارة حولها ترجوهم بصراخ:
– ده جوزي!!! جوزي حد يطلب الإسعاف أبوس إيديكوا!!!! طلعوه من العربية!!! تلملم المرء يحاولون إخراجه من السيارة و أُناس آخرون يهاتفون سيارة الإسعاف و هي واقفة ترتجف واضعة كفيها على فمها، جائت الإسعاف فورًا و نقلتُه أسفل أنظارها و إرتجافة بدنها، صعدت بسيارة الإسعاف معه لا تستطيع السيطرة على شهقاتها و بكاءها و هي ترى ملامحه قد خُفيت الدماء التي عليها، إمسكت بكفُه بأيدٍ ترتعش تضمها لصدرها تناديه ببكاء ينفطر القلب له:
– فريد .. قوم يا فريد!!! حبيبي إيه اللي حصلك!!!
وصلا إلى المشفة فأنزلوه بالفراش و ركضوا به إلى غرفة الطوارىء، ترجتهم أن تدخل معه لكن أحدهم هدر في وجهها:
– مينفعش طبعًا يا مدام، لو سمحتِ إستني هنا!!! أغلق الباب في وجهها فـ لم تعُد قدميها تُحملها، لتسقُط على الأرضية الباردة جوار المقاعد المتراصة، تبكي بقهرٍ تبحث عن هاتفها لا تعلم تُحادث من، وجدتُه لتهاتف دُنيا تخبرها بـ أنفاس متقطعة:
– دنيا .. فريد .. فريد عمل حادثة يا دنيا!!! شهقت الأخير تقول مصدومة:
– يا نهار أزرق، إنتِ فين طيب؟!
– في .. في مُستشفى الحياة .. حاسة إن قلبي هيُقف!!! قالت دُنيا مُسرعة:
– طب أنا هجيب جوزي و جاية يا حبيبتي مسافة السكة!!! أغلقت نور مع و ظلت على حالها تبكي، حتى مرت ساعة لتجد دُنيا تأتي راكضة في الرواق و زوجها خلفها، شهقت فورما رأت حالها فـ مالت عليها تسندها حتى تنهض قائلة بحزُن:
– يا حبيبتي .. قومي .. قاعدة على الأرض يا نور!!!
أجلستها على المقعد و جلست جوارها فإنهارت الأخرى في أحضانها تشدد على ثيابها تقول بحُرقة:
– العربية إتقلبت بيه، أنا السـبـب!!! أنا اللي سيبتُه و هو كان محتاجلي، أنا اللي عملت فيه و في نفسي كدا!!! آآآه يارب .. يارب أنا ماليش غيرُه، يارب متاخدهوش مني!!! – شششش!!!
مسدت على خصلاتها و قد أدمعت عيناها تنظُر لزوجها الذي طالع نور مُشفقًا على حالتها، ثم نظر إلى زوجته التي أخذت عيناها تذرف الدموع هي الأخرى و هي تنظر له، إقترب منها و مسح فوق خصلاتها يميل عليها مُقبلًا خصلاتها هامسًا بهدوء:
– هستنى أنا برا!!
أومأت له بأعين قلقة، فـ خرج من المشفى يقف مُنفثًا دخان سيجارته، ظلت دُنيا تربت على ظهرها و تمسح فوق خصلاتها حتى نامت من شدة تعبها، فـ أخبرت إحدى الممرضات أن تجهز لها غرفة لكي تستريح بها فـ فعلت، و ساعدتها في نقلها إلى الفراش، دثرتها دُنيا بغطاء الفراش و تركتها شاردة و هي تخرج من المشفى، تضع نفسها بـ مكان صديقتها، لتشعر بقلبها يُعتصر و هي تتخيل زوجها في نفس المكان، خرجت فوجدتُه واقفًا ينظر أمامه، إلتفت لها ليحاوط وجهها بخصلاتها المفرودة مبعدًا السيجارة عنها قائلًا بحنان:
– حبيبتي كانت بتدمع ليه؟!
شهقت في بكاء مُفاجئ لتلقي بجسدها بأحضانه تقول بألم:
– للحظة بعد الشر عليك تخيلت إنك مكانُه، ده أنا ممكن يجرالي حاجه يا عز والله أمـ,ـوت فيها!! إبتسم يربت على ظهرها قائلًا بحنو:
– بعد الشر عليكِ يا قلب عز!!! إبتعدت عنه تحاوط وجهه هامسة ببكاء:
– ربنا يخليك ليا يا حبيبي و يباركلي فيك .. و ميحرمنيش من وجودك أبدًا!! إبتسم مُقبلًا باطن راحتها، مُتأملًا وجهها الذي يعشق تكوينُه!! • • • • • •
إستفاقت نور بعد ساعاتٍ غابت بها عن واقعها، واقعها الذي يخلو منه و من صوته و كلماته، نظرت حولها تعي ما حدث، و آلت سوداوية أفكارها أنه .. مات!! و أنها في هذه الغرفة بعد أن إنهارت أعصابها من الخبر، شهقت و صرخت بإسمه و هي تنهض تخرج من الغرفة تسير في الرواق كالمجنونة تُفتش عنه في كل مكان، حتى وجدته خلف الزجاج نائم كـ جُثة هامدة، جسدُه مُصِل بأسلاكٍ ذبحت روحها، وضعت كفها فوق الزجاج تبكي بصمت و هي ترى وجهه مُلِء جروحًا، ملفوفة رأسه بـ شاش طبي، ظلت واقفة حتى إزرقّت قدميها، لتسمع صوت دنيا من خلفها تقول بخضةٍ:
– قومتي إمتى يا نور!!! لم تُجيبها ظلت شاردة تتمتم بإسمه تمسح على الزجاج كأنها تربت عليه هو، فـ وقفت دنيا تربت فوق ظهرها مشفقة على حالها، ثم قالت بحنان:
– تعالي يا حبيبتي أقعدي ريحي رجلك!!! نفت برأسها تغمغم بـ صوت مبحوح:
– مش هقعد غير لما أدخلُه، ده ظُلم إني أبقى قاعدة مرتاحة و هو جوا العناية كل شبر في جسمه بيوجعُه!
حزنت دُنيا علىما قالت فتنهدت و صمتت، ظلت واقفة جوارها حتى خرج الطبيب من الغرفة يزيل حبات العرق من فوق جبينه، إقتربت منه نور تسير بالكاد على قدميها التي تنملت من وقفتها، تسأله برجاء ألا يُخبرها بأمرٍ سيء:
– جوزي .. كويس؟ تنهد الطبيب وقال بأسف:
– يعني .. في رضوض عنيفة في جسمه و مُخه، هنحتاج نتأكد من إشاراته الحيوية لما يفوق بإذن الله!!! – طب .. هيفوق إمتى؟ ينفع أدخلُه طيب؟
قالت مستندة على الزجاج، فـ قال الطبيب بهدوء:
– مش هينفع حضرتك تدخلي غير لما ننقله غرفة عادية الأول .. و مش هنقدر نحدد هيفوق إمتى للأسف..
– طيب!
تركها و ذهب فـ ترجتها دُنيا تقول:
– عشان خاطري يا نور أقعدي إرتاحي لحد ما يفوق، إنتِ مش قادرة تمشي على رجلك يا حبيبتي!! نفت برأسها تقول بوهن:
– مش هقعد لحد ما يفوق .. و أطمن عليه!