وكانت تلك الصدمة الثانية التي تتلقاها منه منذ وصوله, فل هذا فقط هو ما لاحظه؟ فأين تلك الكلمات الرقيقة والحنونة التي منت نفسها بسماعها طوال اليوم وهي تختار تلك الثياب بعناية فائقة بعد أن أخرجت كل الثياب تقريبا من خزانتها, ولكنها لم تفقد كل الأمل فردت عليه: يعني على حسب.
فقال يوسف وهو يحاول تجنب النظر اليها وهي لم تكن المرة الأولى التي يفعل فيها ذلك منذ عودته كما لاحظت مريم ولاحظت أيضا مدى التوتر الذي يتخلل صوته على غير المعتاد كما انه ما زال واقفا مكانه لم يبد أي رغبة للجلوس: مش فاهم يعني ايه؟
مريم:
يعني على حسب الكلام اللي هنقوله دلوقت.
ونهضت من مكانها كي تستجمع القليل من شجاعتها وهي تقول: يوسف احنا لازم نتكلم مع بعض شوية.
يوسف موافقا دون أن يبدي أي حماس لذلك بعكس ما كانت تشعر هي به: عندك حق, احنا فعلا لازم نتكلم مع بعض, انا حقيقي في كلام كتير عاوز اقولهولك بس لأول مرة في حياتي أحس إني مش عارف أبدأ ازاي؟
هل ما تسمعه الآن هو حقيقي؟ فهل في نيته أن يبدأ هو ويعترف بحبه لها؟ ليتها تكون الحقيقة, فهذا بالفعل ما تتمناه فهو بذلك سيوفر عليها الكثير من الخجل الذي بدأ يورد خديها.
: مريم! أنا آسف!
لم تدر مريم إن كانت كلمة الاعتذار تلك قد خرجت عن يوسف أو عن أي شخص آخر مما جعلها تتلفت حولها لتحقق من ذلك, وحين لم تجد أحد غيرهما بالمكان أيقنت بأنه هو من تفوه بتلك الكلمة فرددت بدون وعي: آسف!
بالطبع لم يمكنها استيعاب الأمر, فلقد أهبت نفسها لسماع الكثير من الكلمات منه ولكن لم يكن من ضمنها تلك الكلمة, وبينما ظلت واقفة في مكانها لا تقو على الحراك أو حتى التفوه بأي كلمة أخرى, سمعته يسترسل في كلامه قائلا:
انا فعلا اتسرعت امبارح, كنت شارب كتير وتقريبا ما كنتش في وعيي الكامل علاوة على ان كلامك استفذني لدرجة خليتني اتهورت وما قدرتش اتحكم في تصرفاتي, مريم كل اللي بطلبه منك انك تقدري تسامحيني, وأنا مستعد لأي تعويض.
و كالعادة رددت مريم خلفه دون وعي: تعويض!
وبدا انه قد لاحظ أخيرا أنه قد استخدم كلمة غير مناسبة تماما, لذا حاول معالجة الأمر سريعا فقال: آسف, انا قصدي اني مستعد أنفذلك أي طلب تطلبيه مهما كان في سبيل انك تغفريلي الغلطة دي.
مابه؟
فهل سيستمر في إهانتها هكذا بينما هي تقف جامدة لا تستطيع الرد عليه أو ايذاؤه بأي كلمة؟ وبدا أنه ينتظر قرارها, أو بالأحرى ينتظر طلبها الذي يرى بأنه سيكون التعويض المناسب عن خطأه كما يسميه: طلقني يا يوسف.
خرجت الكلمة من فمها كالطلقة النارية بعد أن طنت بأنها عاجزة عن إخراج صوتها, فنظر اليها يوسف وبدا ان طلبها ذلك لم يدهشه كثيرا, وعلى عكس مااد توقت من أنه سيصر على رفضه إلا أنها وجدته يقول بإذعان: حاضر, لو هو دة اللي انتي عاوزاه , انا هعمله. بس ممكن نأجله شوية؟
مريم باصرار:
النهاردة يا يوسف, انا مش هقدر أعيش معاك ولا لحظة تانية وأنا في عصمتك. انا هطلع ألم هدومي عشان خلاص ما بقاليش مكان هنا.
وانطلقت مريم صاعدة الدرج وهي تجر أذيال الخيبة, فلم تكن هذه هي النهاية التي تتوقعها لتلك الليلة, بل لم يكن في حسبانها على الإطلاق بأنها ستكون الليلة الأخيرة لزواجهما.