الفصل السابع والعشرون
*بين براثن الثعلب*
كانت تلك هي إحدى المرات القلائل التي يخرج فيها عبدالرءوف الكامل عن هدوئه وهو يقول والغضب يتأجج في عينيه وهو يقف مستندا على عكازه: وهو احنا من امتى يا يوسف وعندنا بنات بتتطلق؟
كان يوسف يجلس أمامه في حالة من السكينة والاستسلام كما لم يره عبدالرءوف من قبل وهو يرد بصوت يسمعه بالكاد كل من عبدالرءوف و ابنته وردة التي كانت تجلس على كرسي في مواجهة يوسف حزين على مصير ابنة أخيها من جهة ووقلقة على والدها من الانفعال الزائد الذي حذره منه الأطباء من جهة أخرى:
مريم مصرة وما كنش ينفع اني أجبرها انها تعيش معايا غصب عنها.
فانفعل عبدالرءوف أكثر وهو يقول: يعني ايه مصرة؟ وانت اصلا من امتى وانت بيهمك رأي حد تاني؟ جرى ايه يا يوسف؟ هو اي ست بتطلب الطلاق من جوزها بيطلقها؟ بالشكل دة ما كنش فيه أي جواز استمر لحد دلوقت.
يوسف: بس المرادي مختلفة, وصعب اوي ان مريم تتراجع عن قرارها.
عبدلرءوف بشك: ليه يعني؟ وهو حصل ايه بينكم لكل دة؟
وعندما لم يتلق أي رد من يوسف فلم يصر على سؤاله بل قال وقد خرج صوته رزينا:
ع العموم خلاص, وكويس انك ما اتسرعتش وطلقتها قبل ما تيجو, فسيبها قاعدة معانا شوية لحد ما تهدى وبعدين هيبقا لينا كلام تاني.
يوسف: اللي تشوفه.
ثم نهض مستعدا للرحيل: طيب عن اذنكم انا بقا.
عبدالرءوف: مع السلامة
وبالفعل رحل يوسف, فنظر عبدالرءوف الى ابنته يسأله باهتمام: هي مريم لسة صاحية؟
وردة بنبرة حزينة: انا سيبتها كانت لسة صاحية ويا حبة عيني وشها بقا زي الليمونة من كتر العياط ورافضة انها تتكلم مع أي حد.
عبدالرءوف: طيب انا طالعلها.
فنهضت وردة عارضة مساعدتها: طيب تحب أطلع معاك يا بابا؟
عبدالرءوف رافضا:
لا , خليكي انتي, انا عاوز اتكلم ماها لوحدنا, ولما نشوف أخرة العناد دة ايه؟
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
جلس وهي تغطي وجهها بين ركبتيها وقد جفت دموعها من كثرت مريم في حجرتها القديمة بفيللا عبدالرءوف الكامل التي لم تكن تتخيل أنها ستعود إليها بتلك السرعة بعد ثلاثة شهور فقط من زواجها الذي رغم تنبؤها بفشله منذ البداية إلا أنها لم تكن تتوقع له تلك النهاية, كانت مريم تستعيد في ذاكرتها كل ما سمعته من يوسف في لقائهما الأخير وكلمة آسف التي رددها على مسامعها وقد جرحتها أكثر مما تداويها
على عكس ما كان يظن, ثم أخذت تفكر ما الذي جعله يتغير إلى هذا الحد بين ليلة وضحاها؟ وكان الجواب في كلمات علياء التي كانت قد حذرتها منه, فهل ما حدث يعني بأنها كانت على حق؟ وأن يوسف قد اعتذر منها فقط لأنه لم يرد لعلاقتهما أن تتطور إلى تلك الدرجة التي يصعب عندها الانفصال؟ هل كان هذا سبب اعتذاره لها؟
سمعت مريم طرقا على الباب فمسحت وجهها بيديها سريعا من أثر الدموع وهي تسأل: مين؟
فرد الطارق: أنا جدك يا مريم افتحي.
مريم: اتفضل يا جدو.
فدخل عبدالرءوف وأغلق الباب خلفه, ثم اقترب من حفيدته وجلس بجوارها وهو يتأمل وجهها الحزين بدقة وقلبه يتفطر من الألم بسببها, ولكنه لم يدعها تشعر بذلك فسألها وهو يبتسم: عاملة ايه دلوقت يا مريم؟ مش أحسن؟
فقالت مريم دون أن تشعر بأي تحسن فعلي بداخلها: اه, الحمد لله. خلصتوا إجراءات الطلاق؟
عبدالرءوف مشككا: انتي لسة مصرة ع الموضوع دة.
مريم: طبعا يا جدو, انا مش هقدر أعيش يوم تاني بعد النهاردة وانا لسة في عصمته.
عبدالرءوف بحكمة و لطف: شوفي يا مريم, انا مش هتدخل في خصوصياتكم واسألك ايه اللي حصل؟
بس كل اللي أحب اقولهولك يا بنتي ان الطلاق دة مش حاجة سهلة كدة زي مانتي متصورة, دة بيت بحاله بيتخرب يا بنتي, وكمان انتو لسة ما كملتوش تلات اشهر ويمكن تكونوا لسة معرفتوش بعض كويس واللي حصل بينكم دة أيا كان كان مجرد سوء تفاهم, عشان كدة لازم تدي نفسك فرصة توزني الامور بعقلك أد عواطفك وأنا واثق انك هتغيري رأيك.
نظرت مريم إلى جدها وهي في حيرة من أمرها, أستخبره بما اكتشفته وسمعته من علياء الآن؟ وهل سيصدقها؟ أم أن ثقته بيوسف ستحول بين أن يصدق أي كلمة سيئة عن هذا الرجل الذي يضعه في منزلة ولده؟
ثم انتبهت مجددا على صوت جدها وهو يقول: قولتي ايه يا مريم؟
لم ترد مريم أن ترى نظرة الأمل التي تملأ عينيه تتحطم فجأة بكلمة منها, ولكنها لا تستطيع أن تتعلق بمزيدا من الأوهام, أو أن تسمح لرجل كيوسف أن يخدعها مجددا, لذا خرجت كلمتها الفاصلة تقول: لا يا جدو, انا عاوزة أطلق و النهاردة مش بكرة.
بدا أن عبدالرءوف قد استنفذ كل أسلحته لاقناعها, لذلك قرر استخدام سلاحا جديدا قلما يستخدمه مع مريم, فقال لها بصوت قاطع ونبرة لا تقبل النقاش وهو ينهض من على السرير:
وانا هخليه يطلقك يا مريم, بس مش دلوقت, لان لو خبر طلاقك وصل للبلد الايام دي هتبقا فضيحة احنا مش أدها.
ثم تركها دون ان يسمع منها اي كلمة اعتراض واحدة على قراره.