Uncategorized

غريبه في عالمك ٥ بقلم رحاب حلمي

دخلت مريم حجرة المكتب لتجد عبدالرءوف جالسا خلف مكتبه يطالع أحد الكتب وقد كانت تلك هوايته المفضلة والتي يبدو أنه قد علمها ليوسف, وعندما رآها عبدالرءوف أغلق الكتاب الذي في يدو ووضعه على المكتب وهو يقول لها بابتسامة حنونة: تعالي يا مريم.
فاقتربت مريم منه بخطوات مترددة وهي تقول: مش هعطلك عن القراية يا جدو؟
عبدالرءوف: تلاتة بس مسموح ليهم انهم يعطلوني عن أي حاجة بعملها حتى لو كانت القراية وهما عمتك وانتي ويوسف.

أجفلت مريم لسماع اسمه ولكنها لن تدع ذلك يثنيها عما عزمت على إخبار جدها به, فاقتربت مريم أكثر من المكتب وجلست على أحد الكراسي في مواجهة جدها وهي تفرك يدها محاولة استجماع شجاعتها لتخبره بقرارها وقد لاحظ عبدالرءوف ذلك فسألها باهتمام: فيه ايه يا مريم؟ مالك؟
مريم: الحقيقة يا جدو أنا كنت فكرت في اني اعمل حاجة كدة وكنت عاوزاك تساعدني.
عبدالرءوف: أكيد لو شفت انها فيها مصلحة ليكي مش هقول لا, ياترى ايه هي بقا الحاجة دي؟
مريم: فاكر يا جدو لما قولتلك اني عاوزة أفتح محل ملابس؟

عبدالرءوف بحذر وهو يتوقع ماهي مقدمة على إخباره به: فاكر انك قولتي انك هتعملي المشروع دة بعد ما تخلصي دراستك.
مريم: صحيح انا كنت ناوية على كدة, بس انا غيرت رأيي و عاوزة أعمل المشروع دة دلوقت.
عبدالرءوف: طيب ممكن أعرف السبب اللي خلاكي تغيري رأيك.
مريم: عاوزة أكبر يا جدو.
تفاجأ عبدالرءوف من ردها وبدا أنه لم يستوعب تماما ما تعنيه بتلك الجملة, فسألها: يعني ايه؟
مريم موضحة: هما مش بيقولوا ان عمر الانسان الحقيقي بيتقاس بالخبرات والتجارب اللي بيعيشها؟

وأكتر حاجة ممكن تكسبني خبرة هو الشغل اللي هيسمحلي اني اتعامل مع كل الناس بمختلف مستوياتهم الاجتماعية والثقافية, ودة هيساعدني اني أفهم الدنيا أكتر.
سرح عبدالرءوف قليلا وهو يفكر في الكلام الذي قالته حفيدته للتو, ثم قال لها: طيب ودراستك هتعملي فيها ايه؟
مريم: هحاول أوفق ما بينهم وبخصوص الكلية فأنا هروح المحاضرات المهمة بس والمحاضرات التانية هبقا انقلها من أصحابي.
عبدالرءوف وهو ينظر إليها بإعجاب وقد بدا أنه عليه الاقتناع: طيب انتي شايفة ان واحدة في سنك وعديمة الخبرة تقريبا تقدر تدير مشروع زي دة لوحدها؟

مريم بسعادة وحماس زائد جعلا جدها على استعداد لأن ينفذ لها أي طلب شرط أن يراها دائما في تلك الحالة: ماهو أنا الأول هاخد كورس مضغوط في ادارة الأعمال دة غير اني أعرف واحدة صاحبة بوتيك ممكن أروحلها كذا مرة كدة وأفهم منها بعض الأمور الغامضة بالنسبالي ومفتكرش انها هتمانع, بس دة كله يكون أثناء التجهيز للمحل عشان ما اضيعش وقت.
عبدالرءوف بنبرة إعجاب واضحة: ما شاء الله, دة انتي تقريبا مجهزة لكل حاجة أهو, امال عاوزة مني انا ايه بقا؟
مريم: كنت عاوزاك تشوفلي حد كويس يعملي داسة جدوى للمشروع عشان أعرف التكاليف بالظبط قبل ما أبدأ.

عبدالرءوف: يا ستي ابدأي انتي والتكاليف دي ملكيش دعوة بيها خليها عليا أنا.
حاولت مريم أن يكون في اعتراضها بعض اللطف وهي تقول: لا, معلش بقا يا جدو, انا عاوزة أعمل المشروع دة من مالي الخاص, عشان أحس بقيمة الحاجة اللي بعملها, انت بس شوفلي الشخص اللي انا قولتلك عليه وكتر خيرك على كدة.
وفي تلك اللحظة ظهر ماهر وهو يطرق على باب المكتب الذي لم يكن مغلقا تماما, فقال الله عبدالرءوف مداعبا بلهجة مرحة: ادخل يا ماهر, دي أول مرة في حياتك تيجي في الوقت المناسب.

_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
كانت حياة تمشي في ذلك الممر الطويل بخطوات تكاد تكون متعثرة, فتلك هي المرة الأولى التي تدخل فيها هذا المكان, ولكن لم يكن ذلك هو السبب الحقيقي لقلقها الذي كان في الحقيقة أساسه هو خوفها من ردة الفعل التي ستواجهها بسبب تلك الزيارة الغير متوقعة, وصلت حياة بالنهاية إلى باب أحد الغرف المكتوب عليه سكرتيرة المدير العام, فطرقت الباب ثم دخلت مباشرة, واقتربت من تلك الفتاة التي تجلس خلف المكتب وترمقها بنظرات متفحصة

وقد بادرتها بسؤالها: خير يا فندم؟
حياة: لو سمحتي, انا عاوزة أقابل الاستاذ عماد.
السكرتيرة مستوضحة: قصدك عماد بيه المدير العام؟
حياة: ايوة.
السكرتيرة وهي تتفحصها مجددا باستغراب: وياترى فيه ميعاد سابق؟
حياة: لا.
السكرتيرة: يبقا أنا اسفة اني أبلغ حضرتك ان عماد بيه صعب يقابل حضرتك في الوقت الحالي, تقدري يافندم تتصل بينا في التليفون واحنا نحددلك ميعاد مناسب.
شعرت حياة باليأس يتخلل كيانها, ولكنها قالت بلهجة واثقة: انا متأكدة انه لما يعرف اني موجودة هنا مش هيرفض انه يقابلني, ياريت بس لو سمحتي تقوليله حياة محمود حرم الباشمهندس وليد جلال.

فنظرت اليها السكرتيرة في شك ولكنها وبعد أن دونت بعض الملحوظات في مفكرتها قامت بتنفيذ ما طلبته منها حيث رفعت سماعة هاتفها الداخي وضغطت أحد أزراراه ثم قالت: فيه واحدة عندي هنا يا فندم عاوزة تقابل سيادتك وبتقول ان اسمها حياة محمود وبتقول كمان انها حرم الباشمهندس وليد جلال……… حاضر يا فندم, تحت أمرك.
ثم أعادت السماعة مكانها, ونهضت وهي تقول ل حياة وقد زادت لهجة الاحترام في صوتها وهي ترشدها إلى باب أخر بمكتبها: اتفضلي يا مدام.

وتوجهت حياة لتدخل من الباب الذي كانت قد فتحته لها تلك الشابة ثم أغلقته خلفها, فجالت حياة بنظرها في ذلك المكتب ليس لتفقد محتوياته بل لتبحث عن ذلك الشخص الذي وجدته يجلس خلف مكتبه بكل تعالي وغرور, وما ان وقعت عينيها عليه حتى رأته ينهض من مكانه وهو يقول لها مرحبا: اهلا أهلا مدام حياة. نورتي المكتب اتفضلي.
وبالفعل تقدمت حياة من المكتب وجلست أمامه حيث أشار لها, ثم جل هو على كرسيه و هو يسألها: تحبي تشربي ايه؟
حياة بجمود: انا مش جاية هنا عشان أشرب, انا جيت بس عشان أقولك كلمتين وهمشي على طول.
عماد:

خير يا مدام؟
ولأنها كانت تعلم جيدا أن رجلا كعماد هو خبير في أمور التحايل واللف والدوران, لذلك قررت أن تدخل في الموضوع مباشرة: انا جيت هنا عشان أقولك ابعد عن هدى. انا عارفة انكم بتخرجوا مع بعض زي مانا متأكدة اوي انك بتضحك عليها, عشان كدة جاية أحذرك وأقولك مليكش دعوة بيها نهائي.
عماد بمراوغة: طب طالما انتي عارفة كدة كويس, أكيد كمان عارفة اني ما ضربتهاش على ايدها وكل اللي بتعمله دة بمزاجها. يبقا ليه بقا ما قولتيش الكلام دة ليها هي وكنتي وفرتي على نفسك المشوار؟
حياة:

هدى مش قابلة أي كلام مني في الموضوع دة.
فقال عماد وكأنه يكمل لها جملتها: ولا في أي موضوع تاني, مش كدة. اصلها يا حرام متضايقة منك أوي لانك خطفتي خطيبها منها وخلتيه يسيبها ويتجوزك انتي, مش هو دة اللي حصل؟
ان كان غرضه مما قاله هو استفذاذها فقد نجح مائة بالمائة في ذلك الأمر لدرجة أن حياة لم تعد بمقدورها أن تتفوه بكلمة أخرى مما سمح له أن يستمر ليزيد آلامها أكثر: وأنا بصراحة من ساعة ما عرفت انك مراة وليد وانا همـ,ـوت وأعرف انتي قدرتي تضحكي عليه ازاي؟

الحقيقة انا لحد دلوقت مش قادر أصدق ان واحد زي الباشمهندس وليد اللي كل الناس بتتكلم عن رجولته وذكاؤه يطلع مغفل بالشكل دة.
لو كانت في ظروف أخرى لقامت من مكانها وصفعته بكل قوة ردا على اهانته لزوجها, ولكنها لم تنسى هدفها الرئيسي من تلك الزيارة, لذلك تجاهلت كلامه, وقالت له بلهجة قوية مهددة: عماد, ابعد عن هدى أحسنلك وإلا هقول لوليد ويوسف.
لم يبد أن تهديدها قد لاقى أي اهتمام من قبل عماد الذي قال لها ساخرا: ياترى بقا هتقوليلهم عن علاقتي بهدى دلوقت ولا علاقتي بيكي زمان؟

وعندما لمح التردد باديا على وجهها أكمل وقد استلم هو دفة الحديث وأصبح هو من يقوم بتهديدها: اسمعي يا شاطرة, ياريت تخليكي في حالك أحسن, لانك مش أد المشاكل اللي ممكن أعملهالك لو حسيت في لحظة انك واقفة في طريقي, وياللا بقا الزيارة انتهت.
ثم أدار كرسيه ليصبح ظهره هو المواجه لها معبرا عن رغبته في انهاء الحديث, فنهضت حياة وخرجت من المكتب بخطى بطيئة وهي تلوم نفسها على تلك الزيارة وعلى غبائها الذي خيل إليها بأنها قد تجد في عماد بعض اللين, ولكن هيهات للنذل أن يبدي بعض الشهامة!

_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
مر اسبوعان ببطء شديد لم يحدث فيهما أي جديد إلا عودة يوسف من السفر وتجهيز مريم لمحل الملابس بمساعدة ماهر الذي استطاع أن يقنعها بأن تقبل مشاركته لها بهذا المشروع والذي قد أوشك على النهاء حيث كان العمل به قائم على قدم وساق, ومريم كما أخبرت جدها قد التحقت بأحد الدورات التدريبية الخاصة بادارة الاعمال وجدها وعمتها يشجعانها على ذلك حيث لاحظا بأن هذا المشروع قد أعادها إلى الحياة من جديد

بعد أن فشلت كل وسائلهما في إخراجها من جو الاكتئاب الذي كانت قد سجنت نفسها فيه, أما حياة وهدى فلم تتغير علاقتهما, حيث كانت هدى تتجنب الحديث مع حياة في مختلف المواقف بينما كانت حياة حريصة على ألا تدع تلك الصغيرة تلاقي نفس مصيرها, وفي إحدى الليالي وقف يوسف يصيح في حضور كل من وليد وحياة : يعني ايه تتأخر لحد دلوقت وما نعرفش مكانها؟ ولا حتىنعرفلها أي أصحاب ممكن نكلمهم عشان نطمن عليها؟ دة يبقا اسمه تسيب واستهتار. البنت دي مسئوليتنا كلنا ولو جرالها حاجة هيبقا ذنبها في رقبتنا.
فقال له وليد مهدئا:

طيب بالراحة بس يا يوسف عشان نعرف نفكر ممكن نعمل ايه؟
وبدلا من أن يهدئه كلامه الا أنه قد زاد من انفعاله: احنا لسة هنفكر, الساعة تسعة يا بيه وكل لحظة بتعدي وهي لسة برة فيها خطورة عليها والله أعلم هيكون نوعها ايه.
ثم وجه غضبه الى حياة: وانتي يا حياة, ازاي تسيبيها وتيجي, مش نبهت عليكم انكم تروحوا مع بعض وتيجوا مع بعض؟
حياة والقلق يمزق فؤادها أكثر منهما:

انا ما سيبتهاش, انا بعد ما خلصت محاضراتي روحت ع المكان اللي احنا متفقين اننا نتقابل فيه, والمفروض اني كنت الاقيها مستنياني هناك لان محاضراتها النهاردة بتخلص قبلي, بس روحت ما لقيتهاش واستنيتها اكتر من ساعة وبردو ما كنتش جات, دة انا حتى دورت عليها في كل مكان بالجامعة ممكن تكون فيه بس ما لقيتهاش ولما اتصلت بيها تليفونها بيدي مغلق.
يوسف: يعني ايه؟ هتكون راحت فين يعني؟

كان هناك صراع بداخلها بين أن تخبرهما بكل ما تعرفه علهما يستطيعان نجدتها قبل فوات الأوان, وبين أن قلقها مما سيحدث ان كان قد فات الاوان بالفعل ولن تكون قد ربحت شيئا في النهاية الا كشف السر الذي عملت على إخفائه لمدة طويلة.

ودعت ربها بصمت أن أن يحمي هدى من شر عماد ويرجعها إلى البيت سالمة, كما دعت أن يلهما الصواب في حسن التصرف في تلك المشكلة, حتى واتتها فكرة لم تكن قد خطرت على بالها من قبل, فاستأذنت منهما لتخرج الى حديقة المنزل بينما كان يوسف يستعد لإبلاغ الشرطة و وليد يبحث في سجل الهاتف عن أسماء بعض المستشفيات ليسأل عن هدى علها تكون قد أصيبت في حادث ما وتم نقلها إلى المستشفى, لذلك لم يبال أحد بها
وفور خروج حياة إلى الحديقة ضغطت على بعض أزرار هاتفها, وانتظرت قليلا حتى تلقت ردا فقالت:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته, ايوة يا مريم…………

انت في الصفحة 3 من 9 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى