الإثم الثامن عشر ذنـ,ـوب على طاولة الغفران نورهان العشري
غزى الارتباك معالمها، ولكنها الآن أصبحت مجبرة على مواصله خطتها، و التي تعتبر بوابة النجاة أمامها من هذا المأذق لتهتف بثبات
ـ طب تفتكري هو لو في حاجه هيقولك؟ يعني لو كلامي صح وهو بيكذب عليكي تفتكري هيصارحك دلوقتي ؟
نصبت عودها هي الأخرى، و قالت بأسى من بين عبرات انهمرت دفعة واحدة حد اندهاش غنى
ـ طب بما انك مش مصدقة، فخدي التقيلة بقى. انا حامل من ياسر، وهو عايزني انزل اللي في بطني و كل دا بسببك.
برقت عينيها و كُتِمت الحروف بفمها جراء هذه الصاعقة التي هبطت عليها من السماء لتسترسل مها في تمثيليتها بأداء أكثر من رائع حين قالت بانهيار
ـ عايز يمـ,ـوتني انا وابني عشان انتِ تعيشي.
جف حلقها و سقطت على المقعد خلفها وهي تقول كمن مسه الجنون
ـ لا . لا ياسر مش كدا . ياسر لا ميعملش. كدا. هو زي ؟ هو في راجل في الدنيا زيه؟ لا. انا واثقة لا. محصلش. فجأة هبت من مكانها، وهي تقول بانفعال
ـ امشي اطلعي بره. مها بذُعر، فنتيجة فشلها الآن ضياع حياتها القادمة، و خسارة كل شيء تملكه لذا هتفت بانهيار
ـ اسمعيني. انا مبكذبش، ولو مش مصدقاني. انا هثبتلك. بصي هو المفروض هياخدني بكرة المستشفى عشان انزل اللي في بطني. تعالي بكرة وانا هخليكي تشوفيني وانا في حض*نه.
فقدت قدرتها على الثبات لتقوم بلطم خديها وهي تقول بنبرة مقهورة و سيل من العبرات ينهال فوق وجنتيها
ـ بتقولي ايه؟ اسكتي. حرام عليكي. حرام عليكي اسكتي. تثبتيلي ايه؟ دا اكتر انسان وثقت فيه في حياتي. قوليلي انك كدابه و غيرانه أنه بيحبني. ابو*س ايدك قوليلي كدا. ياسر مش وحش مش مجرم . انا عارفة…
مها بتلعثُم
ـ لا . هو مش وحش. بس الموضوع جه غصب. يعني هو كان عندنا، و ماما. ماما كانت نايمة. اقصد هو جه وهي نايمة، و أنا طول عمري بشوف ياسر دا حاجه كبيرة اوي. حتى من قبل ما عادل الله يرحمه يمـ,ـوت، وهو كمان، والدليل أنه لما جن فرصه يقربلي مترددش. شعرت بالأرض تميد بها من هول ما سمعت، ولكن القلب ما زال صامدًا يؤازر حبيبه بقوة جعلتها تقول
ـ مش مصدقاكي. مها بثبات
ـ و لو اثبتلك ؟
غنى بقلب ينتفض كطير جريح داخلها
ـ مش هتعرفي. ـ هعرف، و هتشوفيني بعينك في حض*نه. بس وقتها ارجوكي ابعدي، واعرفي أن في روح بريئة ملهاش ذنب هتروح هدر بسببك. غادرت مها تاركة غنى في طريقها للجنون، و لسوأ حظها، فقد سمعت صابرين كل شيء لتتوجه الأخيرة إلى ابنتها التي كانت حالتها مُذريه من يراها يقسم بأنها على وشك مغادرة الحياة لتهتف صابرين بصدمة
ـ هو دا اللي أنتِ عايزة تتجوزيه؟ هو دا اللي بتحاربيني انا وابوكي عشانه؟ هو دا يا بت بطني ياللي طلعت بيكي من الدنيا!
سقطت فوق المقعد خلفها وهي تقول بصوت جريح من بين عبراتها
ـ محصلش. دي بتكذب. ياسر لا يمكن يعمل كدا. انا أراهن عليه بعمري. لطمت صابرين خديها وهي تقول بنبرة أشبه بالجنون
ـ أنتِ ايه يا بت انتِ؟ عايزة تمـ,ـوتيني! أشق هدومي منك! عايزة ايه اكتر من سمعتيه عشان تعرفي أنه فلاتي و ميستهلكيش. صرخت بنبرة مشحونه بالوجع
ـ بقولك معملش كدا. انا واثقه دي بتتبلى عليه!
صابرين باستنكار
ـ انتِ عبيطة يا بت ولا بتستعبطي! في واحدة هتفضح نفسها كدا الا لو كان دا حصل؟ هو انتِ فاكرة نفسك عايشة فين يا روح امك! فوقي، وإلا وديني و ما أعبد لا هفضحه في الحارة و اعرف الناس كلها حقيقته، و تبقي توريني بقى هتعملي ايه وقتها!
هبت من مقعدها بلهفة شابت نبرتها المتوسلة حين قالت
ـ ابو*س ايدك يا ماما لا. عشان خاطري. لو فعلًا بتحبيني بلاش تعملي كدا. انا عارفة ياسر والله وهو استحالة يعمل كدا. دا عمره حتى ما فكر يمسك ايدي.
صابرين بحدة
ـ دا عشان مدتيلوش المجال يا عنين امك، و بعدين هنروح بعيد ليه المية تكدب الغطاس. هي مش المخفية دي قالتلك أنها هتثبتلك! يبقى رجلي على رجلك نروح و نشوف. لم تحتمل هذه الفكرة لذا هتفت بتوسل
ـ يا ماما ابو*س ايدك بلاش. بقولك ياسر ميعملش كدا. صابرين بصراخ
ـ يبقى تثبتيلي يا عين امك، وانا ورحمة أمي لو طلع واد جدع لأنا اللي هروح اخطبهولك، و اجوزهولك حتى لو غصب عن عين ابوكي. أما لو طلع واطي، و لعب عالبت يبقى تنسيه يا اما هد*فنك بايدي صاحية. سامعة؟
لم تجد أمامها مفر من الموافقة بصمت تنافى مع الألم الذي يتناثر من عينيها على ما تمارسه عليها الحياة من قهر. صباحاً في الموعد المُحدد الذي بعثته لها مها في رسالة نصية استقلت غنى وسيلة المواصلات المتعارف عليها في منطقتهم، و بجانبها صابرين التي صُدِمت حين رأت ملامح ابنتها الذي لم تذُق طعم النوم الليلة الماضية التي شهدت على أسوأ لحظات حياتها، فقد قضتها باكية وكأن عينيها بحر لا ينضب ولا تنفذ مياهه، والآن بدا و كأنها تُساق إلى هلاكها، فالتفتت تنظر إلى والدتها قائلة بنبرة مُتحشرجة
ـ ممكن تديني تليفوني ؟
صابرين بجفاء
ـ مش هتاخديه أما اعرف ايه العبارة؟ و دا اخر كلامي.
صمتت بينما عينيها لم تصمت أبدًا إلى أن وصلوا إلى المكان المنشود، فكانت عبارة عن مشفى كبير في أحد المُدن التابعة لها قريتهم، و ماهي إلى دقائق حتى انتفض قلبها ذُعرًا كمن أصا*به ماس كهربائي حين شاهدت الفتاة تهرول من باب المشفى وهو خلفها إلى أن جذبها من ذراعها لتتوقف و تحادثه وهي تبكي وهو يحاول تهدئتها إلى أن وضعت يدها فوق بطنها وهي تناظره ثم اندفعت إلى أحضانه التي لم تلفظها فقد أخذ يهدهدها و كأنها ابنته، وهنا كانت الصدمة التي جعلت جسدها يرتجف و كأن الجو في منتصف شباط و ليس حزيران.
لتشعر بأن أقدامها لم تعُد قادرة على حملها، و حين كادت أن تسقط اسندتها يد صابرين التي قالت بغل
ـ ما عاش ولا كان اللي يخليكي تقعي. اسندي نفسك. محدش يستحق كسرتك دي. غنى بروح تحترق و قلب تنزف نبضاته من فرط الألم
ـ لا اللي انا شيفاه دا مش حقيقي. اكيد في حاجه غلط. انا هروح اواجهه، وهو هيفهمني الحقيقة.
عند هذه الحد استشاطت صابرين غضبًا جعلها تُدير إليها جسد غنى الذي كان كالهلام لتهتف بتحذير
ـ دا أنتِ اتجننتي بقى ؟ تتأكدي من ايه يا بت انتِ؟ دي البت مرميه في حض*نه! و رحمة أمي لو ما مشيتي قدامي دلوقتي عالبيت، و قفلتي عالموضوع دا بزفت لهكون فضحاهم و مجرساه في كل حته. سامعه ؟ يالا قدامي.
التفتت عينيها تناظره من خلف هذه الشجرة وهي تتطلع بأمل كان الأخير في أن تجد منه أي رد فعل قد ينفي هذه التهمة البشعة، ولكنها وجدت رجل يحتوي أكتاف أنثى، وهو يمدها بالقوة التي كان هي في أمس الحاجة إليها لذا لم تمانع والدتها من جذبها الى ال ” توك توك” الذي كان في انتظارهم لتغادر ذلك المكان الذي د*فنت به روحها مع قصة حبها التي ذُبِحت بخنجر الخـ,ـيانة. عودة للوقت الحالي
اخفضت رأسها وهي تقول بأسى
ـ والله يا ابني صدقتها، و متخيلتش أن في بنت ممكن تكذب و تلبس نفسها تهمة زي دي كذب، غنى مكنتش مصدقاها لحد آخر لحظة. بس..
رفعت رأسها تناظره لتتفاجيء بعينيه التي كان مظهرها مروعًا من فرط ما تحمله من مشاعر و بكاء كبح جماعه بصعوبه حد تفشي الدماء في عينيه، فبدت كنافذة لبركان ثائر لا تعلم بأي لحظة سينفجر بينما كان هو في عالم آخر يتسيده الخذلان و يُخيم عليه غضب مُظلم يوازيه ألم هائل، فقد انهالت كلماتها عليه كالرصاص، و هو يتخيل حالها بعد ما حدث، و ضعفها أمام دناءة البشر، و حقارتهم. كيف تلاعبوا بها و به بأكثر الطُرق بشاعه؟
ـ ياسر يا ابني انت كويس؟ هكذا استفهمت صابرين بقلق من مظهره و ملامحه التي امتقعت، و كأن المرض تفشى بها، ولكنه استنكر هذا اللقب كثيرًا، فهو يتذكر جيدًا كم من المرات التي أخبرته أن يبتعد عن حبيبته، و أنها لن تُعطيها لرجل مثله، والآن تناديه ابني! بشق الأنفس استطاع اقتناص بعض الأنفاس ليُسعف رأتيه التي تتألم هي الأخرى قبل أن يقول بصوت قاسي
ـ جايه تقوليلي الكلام دا ليه دلوقتي ؟
تفاجئت كثيرًا من حديثه فقالت بتلعثُم
ـ اصل. يعني. غنى. غنى مقطعاني، و محملاني الذنب، وانا قلبي بيتقطع من خصامها.
كانت صادقة في جملتها الأخيرة، ولكن لم يكُن هذا هو السبب من مجيئها له الآن فكم المرات خاصمتها ابنتها لأجله ولم تهتم! و الآن هو يتفهم جيدًا المغزى وراء مجيئها اليوم لذا قال بنبرة جافة
ـ دي مشاكل خاصة يا حاجه. تحلوها سوى، واللي حصل دا قسمة و نصيب. صمت يحاول التحايل على قلبه حين قال بنبرة أحرقتها لوعة الفراق
ـ و غنى مش نصيبي.