لتبادر الحديث بلهفة واضحة، فاطمة : بجد يعني في أمل يكون عرف هما مين، الحمد لله، طب كلمه دلوقتي شوفه عمل ايه
ليجيبها بتأكيد وهو يرفع الهاتف صوب عينيه، حتى يهاتفه، بأمل قد تجددت خلاياه في المشفى كان الجميع ملتف حولها عقب معرفتهم بإفاقتها…. كانت ترى اللهفة الواضحة في عيون الجميع…. حبا صادقا جعلها تحمد الله على مصابها…. مصاب جعلها ترى المحبة الصادقة في عيون أحبتها…. جعلها ترى مدى عشق زوجها إليها….وعلمت قدر محبتها عند والديها…. ومحبة صادقة اكتسبتها من أخوان صنعهما لها القدير… ووالدة ثانية أعطتها محبة صادقة تمنت أن تحدها من زمن بعيد….
كانت تتأمل وجوه الجميع بمحبة صادقة… ورغم ما بها ظلت تحمد الله على ما أعطاها… وهنا يرى الله عباده الشاكرين لنعمته النابعة من قلب الألم… تذكرت لحظة إفاقتها وحالة الهلع التي أصابتها ….خوفا من فقدان صفيريها….لترى زوجها يحاول تهدئتها من حالتها تلك عبر إخبارها أن كلا الصغيرين على قيد الحياة….ولم يصبهما مكروه…. ولكن كونهما ولدا قبل وقتهما; تم وضعهما في الحضانة الخاصة بالأطفال…. كانت في حالة عدم التصديق… لتطلب رؤيتهما… رغم خطورة وضعها ساعدها زوجها وأخذها لرؤيتهما حتى يطمئن قلبها…. وعند رؤيتها لهم أدركت أن في شدة أزمتها كان الله معها ونجى لها صغيريها من الهلاك….
ظلت تنظر لهما طويلا حتى وجهدت لسانها ينطق باسميهما، رحيم، وريان… حمدت الله كثيرا وعادت لغرفتها بقلب مطمئن….
تفق من شرودها على صوت والدتها تحثها على تناول الطعام حتى تتمكن من المغادرة قريبا…. وكذلك والدة زوجها تقف من الطرف الآخر بصحن كبير به الكثير من الفواكه…. يحاولان إطعامها نظرا لإصابة يدها…. وكان والدها وزوجها يقفون بابتسامة لما يحدث …. وهي تحاول إثنائهم عن الأمر…
الأم : يلا يا نوجة انتي لازم تكلي كل الأكل ده عشان تخرجي من هنا
ناهد :
أيوة لازم تخلصي كل الأكل اللي في الصحن ده، عشان تقدري تقومي بالسلامة
لتقول بنبرة راجية، نجلاء : والله العظيم شبعت يا ماما، انتوا من ساعت ما فوقت وانتوا بتزغطوني زي البطة، وانا خلاص والله حاسة إني هنفجر
لتقول حياة بنبرة مرحة : بعد الشر عليكي يا نوجتي، وبعدين انتي طايلة الدلع ده كله، ده الواحدة نفسها في شوية دلع بس، اقول لك على سر بس ميلي شوية كدة خديني جنبك، أصل القاعدة دي بتفكرني بيوم ولادتي
لتمثل التذكر، ياااه كانت ليلة زي ال ….
ليقطع حديثها زوجها، مروان :
العسل، فرجت علينا امة لا إله إلا الله، ولا اللي حصل، دي داخلة تولد وتقولي إياك تبص للدكتورة أصلها حلوة وعنيها ملونة
لينفجر الجميع ضحكا، ليقول حسام : لا وكله كوم وهي بتقول لك طلقني يا مروان، انت السبب،
مروان : اه والله زي مكون واخدها غصب
لتنظر نظرة نارية ، حياة : بقي كدة يا حضرة الضابط، مش عجباك دلوقتي، على العموم الكنبة نومها مريح جدا
مروان :
إحم إحم لا بس والله كانت ليلة حلوة، يعني الكنبة مش حلوة خالص يا عمي للنوم، ولا ايه رأيك
نظر له ياسين بصدمة وقد اتسعت حدقتيه على أقصى درجة، ليذهب تجاه أخته الكبرى مائلا نحو أذنها متحدثا بخفوت،
ياسين : نوجا اللي يشوف جوز اختك مروان في الشغل يقول أسد الداخلية، واللي يشوفه في البيت مع اختك يقول توتو
لتنفلت ضحكتها يرافقها الألم، ليتجه إليه ممسكا إياه من ياقته كاللص،
مروان : بتقول إيه يا ياسين، سمعني كدة يا حبيبي، أصلي مقدرتكش من زمان إيه رأيك
ياسين :
والله ده انا بمدح فيك وبقول عليك أسد الداخلية، بس لااا تقدير تاني لا
مروان يتركه وهو يهندم من ياقته :اه إذا كان كدا ماشي
لينظر حماه تجاهه، يعلم جيدا أنهم يحاولون إخراجها من حالتها تلك
لتتجه رفيقتها نحوها تطمئن عليها،
إيمان : حمدلله على السلامة يا نوجتي، قولي لي بقي انتي ليه سميتيهم رحيم، وريان
حياة : اه نفسي اعرف والنبي يا نوجا ايه السبب
تبتسم لهما بابتسامة صغيرة وتلتقي عينيها بعيني زوجها الحبيب، وتخبرهم بسبب التسمية
نجلاء :
سبب تسميتهم اني ربنا سبحانه وتعالى كان رحيم معايا في شدة أزمتي، ورحمني أكتر لما نجاهم ليا، وعشان كدة سميت الكبير رحيم، والصغير كنت حاسة انه تعبان لكن ربنا رواه من رحمته وعطفه، فسميته ريان
كان الجميع ينظر لها نظرات جمعت بين الحب والاحترام والتقدير
تنظر لأختها بفخر كبير، حياة : قد ايه انا فخورة بيكي، كلامك بسيط لدرجة عمري متخيلتها، انتي ازاي بتخلي كل الأمور تمشي بالبساطة دي، نجلاء انتي كل حاجة بتقوليها بتخلي لربنا الفضل فيها، حتي اختيارك لأسماء ولادك
نجلاء :
ربنا بالفعل له الفضل في كل حاجة في حيتنا يا حياة، ربنا بيعطف علينا ورحيم بينا لأقصى درجة، ازاي عيزاني مراعيهوش في كل تفصيلة في حياتي
هنا قطع حديثهم صوت رنين هاتف حسام، ليجده رقم والد رفيقه سليم، ليجيب بعد ثوان قليلة
حسام : السلام عليكم يا عمي، ازي حضرتك
على الجانب الآخر مصطفى: وعليكم السلام، الحمد لله احنا بخير يا ابني، أنا كنت عاوز اسألك على الموضوع اللي سليم كان كلمك فيه، انت لقيت حاجة يا ابني
حسام بعد صمت دام لدقيقة:
صراحة أيوة يا عمي بس لسة شاكك، انا كنت هكلم سليم لكن حصلت حادثة لمرات أحمد اخويا واتلبخنا لكن لسة مش متأكد، بأمر الله بكرة بالكثير وجيب لحضرتك كل المعلومات الأكيدة
مصطفي: أنا اسف يا ابني مكنتش اعرف، ألف سلامة عليها وانا بانتظارك
ليغلق الهاتف وينظر لصديقه ليحدثه
أحمد : ده والد سليم!
يومئ برأسه بمعنى نعم حسام: أيوة كان بيسألني على الأخبار بالنسبة للموضوع بتاع ولاد اخوه
أحمد : اه فهمت، طيب كنت قلت له يا حسام وخلاص، ليه تستني سليم !
حسام :
مش عارف بس حسيت ان كدة الأفضل، لما سليم يرجع هعرف اكلمه بالراحة، وافهمه، لكن دلوقتي قلقان،
المهم سيبك من الموضوع ده وسيبه لوقته، الزفتة اللي اسمها نيهال دي لقتها ولا لسة الرجالة ملقيتهاش
أحمد : مروان لقاها وعرف مكانها، بس بيديها الأمان، عشان اللي انا هعمله فيها محدش هيقدر يوقفني
حسام بقلق من نبرة العداء التي ظهرت في صوت رفيقه: احمد انت ناوي على ايه!
النبرة اللي في صوتك دي مخوفان عليك يا صاحبي
أحمد : متخفش انا مش ناوي غير إني اخد القصَاص
حسام بعدم فهم : يعني ايه مش فاهم!
أحمد : القرآن بيقول ” ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون” وانا بس هاخد حق مراتي
هنا اقترب منهم الباقي من الرجال ليتحدث مروان قائلا : احمد انا عارف وحاسس بالنار اللي جواك، بس ده ميمنعش ان اقول لك اللي عندي، اللي انت عاوز تعمله يتحسب ضدك، لكن سيب كل الأمور تمشي بالقانون، واوعدك انها مش هتخرج منها، لأن ده تحريض بالقتل، و….
يقطع حديثه أحمد :
اه تأخذ كام سنة وتطلع تاني عشان المرة دي تقتلها بجد، صح يا مروان، لكن لا لازم اعمل لها رعب لدرجة انها متقربش منها تاني
لينظر له الجميع بقلق، فمن نبرته هذه لا يبدوا أنه يمزح أبدا،
فتحي بقلق : انت ناوي على ايه يا ابني!
أحمد بابتسامة صغيرة : متقلقش يا عمي انا مش هاضربها ولا همد ايدي عليها عشان ده مش طبعي، لكن هاخد حق مراتي الأول
يقطع حديثهم دخول الطبيب التابع لحالتها الغرفة بابتسامة عملية، ينظر للتقرير الطبي الموضوع على السرير الخاص بها، وبعد مدة يتحدث بعملية
الطبيب :
لا الحمد لله كدة الأمور ماشية كويس جدا، والأهم إن نفسيتك اتحسنت عن الأول، بس حضرتك إنسانة مؤمنة، وتقبلتي فكرة شيل الرحم بسهولة…..
صدمة جعلت بؤبؤ عينيها يتسع، نجلاء : ايه شيل الرحم !
بل صدمة شلت حواس الجميع ليصيروا كالأصنام…. صدمة شلت حواس الجميع….. كان الجميع يحسب حساب هذه اللحظة التي توقف فيها الزمن… كانت عينيها تدور في الفراغ بلا هدىً… هل أصبحت عاقراً…. هل فقدت جزء من أنوثتها التي خلقها الله عليها…. ما أشد الألام فتكاً بالمرأة…. ألا وهو ألم فقدانها جزء مهما من أنوثتها….
رفعت عيناها التي ملأها الدمع…. لتلتقي بعيني زوجها الحبيب…. تجد الألم الذي يسكن حدقتيه والتي علمت السبب خلفه…. كم تمنت في هذه اللحظة أن ترتمي بين أحضانه…. تريد أن تعلم ما بداخل عقله الآن….
هل سيتركها أم ….
يقطع هذا السكون تقدمه نحوها وأخذها بأحضانه كما لو كان يستطيع قراء ة أفكارها …ليتركهم الجميع ويغادرون الغرفة تاركين لهم بعض الحرية…. فهما في أمس الحاجة إليها
أما الأخوان كانا بالخارج يسيرون باتجاه أحد المحال لشراء هدية قيمة تناسب رفيقتها…. بعد ما استطاعت إقناع أخيها بالذهاب لرفيقتها مبكرا حتى تساعدها في الترتيب للحفل….. لم يشأ أن يرى الحزن بعينيها ….لذا أذعن للأمر…وهاهم قد استقروا على سلسال من الفضة الخالصة لتقديمها….. ولكن يجب تغليفها حيدا حتى تتناسب مع صاحبة الهدية….. دقائق قليلة مرت حتى انتهى البائع من إتمام المطلوب ….
لتتسع ابتسامتها فهذه المرة الأولى التي تشعر فيها بمثل هذه السعادة… للحظة بداخلها تمنت أن يصبح حديث هنا معها حقيقة….وتصبح هي زوجة أخيها ولا يفترقان أبدا…
محمد :
ارتحتي كدة يا أنسة رؤى، ايه اللي خدناه من صاحبتك، الغرامة وبس
رؤى بسعادة : معلش يا أبيه، ربنا يخليك ليا يا أبيه، وبعدين هو حضرتك زعلان ولا إيه
محمد : لا يا ستي مش زعلان، بس كل ما في الموضوع إن دي أول مرة تتعلقي كدة بحد وخايف تسافر تاني وتسيبك، وحالتك ترجع زي الأول
رؤى وقد ظهرت لمعة من الحزن على عينيها، تحكمت فيها سريعا: متقلقش يا أبيه، هنا قالت لي إنهم مش هيسافروا تاني
محمد : اه يعني اطلع انا منها
رؤى بابتسامة خبيثة:
لا متتطلعش منها، هو ممكن حضرتك تتجوز هنا وتخليهاش تبعد عني خالص
صدمة ألجمته، منذ متى وصغيرته تتحدث بهذا الخبث، محمد : رؤى انتي فلتت منك على الآخر، يلا امشبي قدامي يا قردة
ليغادرا عائدين لمنزلهم الصغير، غافلين عن العيون الحزينة التي تراقبهم بلمحة من التمني
لفصل السابع عشر
كانت تجلس تضم ركبتيها إلي صدرها، تلتمع عينيها بالدموع، تنظر للفراغ، لا تعي ما يحدث، تريد الهروب من هذه الحياة، كرهت حياتها، كانت تظن أن الثياب الباهظة الثمن هي من تعطي السعادة، لكنها أدركت جيدا أن كثرة المال، ومثرة المجوهرات لا تجلب السعادة إطلاقا، تذكرت كيف كانت هذه الفتاة البسيطة التي كانت دوما تنتقضها، كيف كانت سعادتها الحقيقية بوجودها لجوار أخيها، وهدية بسيطة كتلك سبب في سعادة نقية، كانت تراقبهم حتى ترى ما الذي يوجد بحياة هذه الفتاة يجعلها مميزة هكذا، هفي لديها المال وليست سعيدة; والأخرى ليس لديها المال ولكنها سعيدة، هي لديها أصدقائها، تحدثهم وتخرج
معهم، ويقضون معا أوقاتهم; أما هي ليس لديها أحد سوى رفيقة واحدة، ولم تتعرف عليها سوى من مدة قريبة، ما ذا يوجد لديها مميز عنها حتى يحبها الجميع، حتى من أحبته لم يبادلها هذا يوما، بل كانت له تسلية فقط، لتنهار من البكاء على حالها….. مرت دقائق قليلة لتدخل عليها والدتها وتراها على حالتها تلك….. اقتربت منها وحالة من التعجب ظاهرة عليها…. اقتربت منها في محاولة يائسة للتقرب منها…..
اقتربت منها ببطء وهي تضع يدها على كتفها : مالك يا جنى ! بتعيطي بالشكل ده ليه!
ترفع رأسها بعيون حمراء من شدة البكاء، جنى :
ماما، أنا …
لكنها تصمت عندما تجدها بكامل ثيابها….وزينتها، تستعد للخروج…..
هو انتي خارجة يا ماما، حتى النهاردة خارجة وسايباني
تتحدث بنزق… فقد سأمت تغير ابنتها في هذه الفترة…. وأصبحت كالأطفال…
شمس : يوووه يا جنى في ايه انتي بقيتي مستفزة، انت عارفة إن دي حياتي من زمان، ايه اللي جرالك كل شوية تفضلي تعيطي زي الأطفال، ايه اللي حصل لك
تنظر لها بدموع قد تزايدت من شدة الصدمة…. للحظة تمنت أن تصبح مكان رؤى …
جنى : بقيت زي الأطفال، ده رأيك يا ماما
تتحدث بملل… شمس :
جني في ايه، بقلك قومي البسي وتعالي معايا، الحفلة النهاردة عند والد نادر، واهو بالمرة تتقابلوا وتقعدوا مع بعض شوية، بدل النكد اللي انتي عاملاه ده
هل هي أم أم ماذا…توسعت عينيها من شدة هول الصدمة…. هل هكذا تحتويها والدتها…
جنى : في ايه!
في اني عاوزة أمي عاوزة اللي يضمني ويطبطب عليا، عاوزة أمي اترمي في حضنها وتنصحني، عاوزاها تبني وتخاف عليا، عاوزة أمي تضمني لما تلاقيني حزينة وببكي، مش تقولي بقيتي زي الأطفال، ايه يعني عندي 19 سنة كدة كبرت ومبقتش محتاجة أمي، لأ يا ماما أنا لسة صغيرة وطفلة، ومحتاجة لك جنبي، محتاجة تنصحيني وتفهميني، وتدليني على الطريق الصح، محتاجة اسمع منك ازاي اتصرف لما اتعرض لموقف في حياتي، في كليتي، محتاجة احكي لك عن اللي مضايقني، لكن لا حضرتك مش فاضية ليا
تجيب بسأم … شمس:
جنى حبيبتي أنا خارجة ومش فاضية أوك، لما ارجع هسمع كل اللي انتي عاوزة تقوليه
تضحك ضحكة مليئة بالسخرية…. ضحكة غلفها الوجع، والألم الشديد… فكيف تطلب الرعاية من والدة فقدت معنى الرعاية…. ألم يفتك بقلبها ولم تستطيع التحمل….
جنى : لما ترجعي! لا اتفضلي حضرتك اخرجي، واسهري، براحتك متشغليش بالك بيا، أصل انا طفلة
لتتركها وتتجه للفراش ممثلة النوم…. لتغادر هي بعدها ولم تبالي بحال هذه الصغيرة التي هي أمس الحاجة لرعاية والدتها…لتظل تبكي ولم تدري أن النوم رأف بحالها
” شمس: والدة جنى.. تبلغ من العمر 45 عاما.. توفي زوجها منذ ما يقارب الثلاث سنوات..
لاتهتم سوى بجمالها.. وأناقتها.. وحفلاتها.. ابنتها هي آخر اهتماماتها” (من قال أن الخطأ دائما خطأ الصغار… أحيانا كثيرة يكون خطأ الكبار أشد خطرا من الصغار… وفي النهاية ما يكون سوى تباعا لأخطاء وخطى ظننا يوما أنها صحيحة…. نحن من بأيدينا صلاح أطفالنا وطلاحهم… والهداية من عند الله جل وعلى ولكننا أسبابه… وأطفالنا أمانة…راعوا أمانتكم)
انتهي يوم يحمل أحداثا منها الجيد ومنها السيء… وهاقد أتى يوم يحمل في طياته الكثير والكثير من الأحداث منها ما سيغير حياة الجميع…ومنها ما سيقلب حياة الجميع رأسا على عقب….
كانت تتحرك سريعا حتى تتمكن من إنجاز مهامها المنزلية… حتى تتمكن من الذهاب لرفيقتها…كانت تشعر بسعادة عارمة تتملكها….
كما وكانت تسير لتكريم ما… ظلت ترسم ألاف السيناريوهات للقاء والدي رفيقتها…كيف سيستقبلونها… لم تخبت بسمتها إطلاقا… كالصغير بانتظار صباح يوم العيد ليرتدي الثياب الجديدة… انتهت من كافة أعمالها … واستعدت للمغادرة بعد ما تأكدت من وضع الهدية الخاصة برفيقتها…
كانت تسير تجاه أخيها… فكان قد انتهى من تناول طعام الإفطار… وأعدت له صغيرته كوب من الشاي..
رؤى : يلا عشان توصلني يا أبيه أنا جاهزة، وبعدين عشان مش عاوزة اتأخر
كان ينظر لها نظرة تعجب يملأها القلق… فهذه المرة الأولى التي يرى فيها صغيرته بمثل هذه السعادة ..
منذ زمن كبير…كان بداخله قلقاً من القادم … لا يدري لماذا…
محمد : يا سلام مستعجلة اوي حضرتك يا ست رؤى، ومش عاوزة تتأخري على صاحبتك، وبعدين خدي هنا يا قردة، ايه سر السعادة دي! لا والضحكة من الودن دي للودن دي! مش عارف ليه قلقان منك انتي وعيون القطط الثانية
على ما يبدوا أنها قد تصيدت فرصة للعب مع أخيها… لتنظر له بابتسامة خبيثة اكتسبتها مؤخرا…
رؤى :
ليه بس يا أبيه والله دي هنا عسوله، وبعدين هو حضرتك ليه مركز على عيون القطط
لا يدري ما أصابه… فهو يبدوا كمن ضبط بالجرم المشهود…
محمد : مش مركز ولا حاجة، بس انتي اللي كل شوية تقولي ام عيون ملونة، وبعدين يلا غيري السيرة، ويلا عشان يدوب الحق اوصلك وارجع
لا يدري كيف نجى من هذا الموقف… لم تصدق حديثه مطلقا… ولكن ما أنقذه هو رنين جرس الباب… لتتساءل باستغراب
رؤى : مين جاي لنا دلوقتي يا أبيه! هو حضرتك مستني حد!
يجيبها سريعا ..محمد :
لأ مش مستني حد، عموما هروح اشوف مين
يتركها ويتحرك تجاه باب المنزل… يجد صديقه ” شريف” هو الطارق… يتعجب من قدومه في الصباح الباكر… ليبادر بسؤاله
محمد: شريف ! في حاجة ولا إيه!
ينظر له بابتسامة صغيرة… شريف : يعني يا صاحبي، كنت عاوزك في حاجة مهمة، وقلت الحقك قبل ما تمشي
محمد : وقد ازداد تعجبا من الأمر… فأي حديث هذا .. حاجة ايه !
شريف : ممكن بس ادخل الأول ولا نتكلم على السلم
يتدارك الإحراج قائلا وهو يتنحى عن الباب فاسحا له المجال …
محمد :
لا طبعا اتفضل ادخل
لحظة تمنى أن يقف به الزمن عندها… رؤية محياها الجميل … كانت كافية له ليتشجع فيما قد أتى إليه
كانوا قد جلسوا على إحدى الأرائك … لتتعجب من مجيء أخو خطيبة أخيها السابقة في مثل هذا الوقت.. خشيت كثيرا أن يعود أخيها لهذه الفتاة مرة أخرى ….صدمة احتلتها وتمنت عدم حدوث هذا الأمر… لم تكن تكرهها لكنها كانت تشعر أنها هي من تكرهها….تفق من أفكارها على صوت أخيها يخبرها بإعداد واجب الضيافة…لكنه يرفض بتهذيب ..
شريف :مفيش داعي انا لسة شارب، انا عاوزك بس في كلمتين وهمشي على طول
محمد :
لا طبعا براحتك يا شريف
هنا تخدثت سريعا تريد الانتهاء ختى لا تتيح الفرصة لهم للرجوع
رؤى : يا أبيه كدة هنتأخر و…
تقطع حديثها بنظرة من أخيها…. وتغادر للداخل
محمد : معلش يا شريف هي بس مستعجلة عاوزة تروح عيد ميلاد واخدة صاخبتها ومش عاوزة تتأخر
يتحدث بعد ما تفهم الأمر… شريف : لا ولا يهمك متقلقش انا هقول اللي عندي وامشي على طول
محمد : اتفضل
يتنهد تنهيدة قبل أن يبدأ بالحديث:
بص يا محمد أنا من غير لف ودوران جاي اكلمك في موضوع جميلة، وكمان في موضوع رؤى
صدمة تعجب تشكلت على ملامحه تداركها سريعا .. محمد : شريف اخنا اتكلمنا في الموضوعين دول قبل كدة ونهيناهم ليه جاي تفتح الملام فيهم تاني
شريف : بص أنا عارف الملام ده بس جميلة لسة عندها أمل ترجع لها تاني، وهي عندها استعداد تستناك، أما موضوع رؤى انا بجدد طلبي فيه، ومن قبل ما تتكلم انا هستنها للآخر بس كلمها واعرف رأيها، وأيا كان رأيها فأنا هرضى بيه
يتنهد ببكء محاولا تهدئة نفسه قبيل الرد… محمد :
بص يا شريف انت صاحبي وانا مش عاوز اخسرك، موضوعي مع جميلة منتهي، لكن بالنسبة للرؤى أنا هسألها واللي فيه الخير يقدمه ربنا
انتهي الحديث الدائر بينهم… ليغادر بعد ما يقارب النصف ساعة… وبعدها يغادرون المنزل متجهين للقاء طال انتظاره
كانت تجلس على الأرضية الصلبة…مكبلة اليدين، والقدمين، … تنظر بخوف شديد للرحال ضخام الجثة الملتفون حولها… خوف اعتمل قلبها مما هو آت … فهي لا زالت لا تعلم ماذا يريدون منها… كانت تجلس بوكرها الجحيمي… منتظرة أخبار فعلتها الشنيعة … بخق فتاة لم تتعرض لها بسوء… سعادتها تزايدت عندما علمت بما حدث… وهؤلاء المحرمون نفذوا ما طلبته منهم… لكن فرحتها لم تتدم ..
وتحولت لقلق… عندما علمت بأن الشرطة قد تمكنت من الإمساك بكل من عاونها… لتختبأ في جحرها كالأفعى… تخشى الظهور … ولمنها الآن قد تم الإمساك بها … وهاهي مرمية على الأرض الصلبة… كالبلية الخارقة
صدمة جعلت عينيها تتسع على مصرعيها … عندما وجدته يدخل بهيبته تلك ..
بجواره صديقيه ولم تنسي صديقه الضابط… وهنا علمت أنها هالكة لا محالة
تقدم منها بهدوء مريب… جعلها تنكمش كالفأر المذعور…تمنت الهرب في هذه اللحظة…
جلس أمامها بهدوء ما قبل العاصفة… بعد ما حلب له أحد الرحال كرسيا خشبيا… ثوان معدودة ومانت تصرخ ألما عندما أزاح أحدهم عنها الشريط اللاصق…
ليتخدث ساخرا ..أحمد : أهلا مدام نيهال، منورة المكان، يا رب تكون الضيافة عجبتك
لم يسعفها لسانها بالحديث… ليكمل حديثه :
تفتكري انا ممكن اعمل ايه في واحدة زبالة تتفق مع شوية حسالة عشان يدخلوا بيتي، ويحاولوا يموتوا مراتي، لا والبحاحة انهم يحاولوا يجهضوها عشان متقدرش تخلف تاني، تأذي أجنة في بطن أمهم لسة حتى مشفوش الدنيا عشان وسختها، تفتكري يا مدام يتعمل فيها ايه
يترك كرسيه متحركا حولها كالأسد الذي ينتظر الفريسة…
– تفتكري عقاب واخدة زبالة تحاول تقتل الأم اللي بتربي لها بنتها اللي هي حتى متعرفهاش، لا وحاولت تخطفها، وكمان حاولت تقتلها كذا مرة، وهي بطيبتها تتنازل عشان خاطر بنت الزبالة اللي عاوزة تموتها
– دي يتعمل فيها إيييييه ردي
تحاول الحديث .. نيهال :
أنا انا معملت تش حاجة، مفيش عندك دليل يثبت اللي انت بتقوله
أحمد : بعد ما وصلت لقمة غضبه… دليل صح!
ليناري بصوت عال جعل المكان يتصدع… مرواااان دخل للمدام الدليل عشان انا مش هسامح، لو نجلاء طيبة وبتسامح فأنا لأ مش بسامح في حقها، ولا هسامح أي كلب مس شعرة منها
تنظر بصدمة تجاه المدخل تجد ” حودة ” زراعها الأيمن، والمجرمتان اللتان نفذا الجريمة… لتبتلع ريقها بخوف شديد … تمنت الموت وقتها لفصل الثامن عشر
كانت نائمة على فراشها والألم يكاد يمزق قلبها… تعلم أن هذا قضاء الله وقدره… لكن جزء الأنثى بداخلها يشعر بأنه تجرد من منبع أنوثته…تحاول التماسك أمام الجميع لكن بداخلها تحترق كالنار تأكل ما بداخلها… تظهر متماسكة من أجل عائلتها… ومن أجل صغارها… تنظر للفراغ بدموع متحجرة… تخشى خروجها من محجرها … ترى الجميع ملتفون حولها…يحاولون مواساتها … لكن بقلبها شيء آخر… قلق من نوع آخر..
تعلم أن زوجها يعشقها كما هي تعشقه… لكنها بالنهاية أنثى كانت تحاول إخراج هذه الفكرة من عقلها… تحاول طرد وساوس الشيطان عن ربط الصغيرة نور بما تسمى والدتها… بمن تسببت بأذيتها بل وحرمانها من أغلى ما تملكه الأنثى… يقطع سيل أفكارها دخول الصغار عليها تباعا…إلى أن وقعت عينيها على الصغيرة نور… ظلت تنظر لها نظرات ثابتة… تعجب الجميع منها… ظلت تدور الأعين حول بعضها; إلى أن اقتربت الصغيرة من فراش والدتها التي لم تعرف والدة سواها… ولم ترى حب وحنان الأم إلا من والدة واحدة… اقتربت من الفراش تمسح دمعاتها التي لم تكن تدري أنها قد سالت تباعا كالشلال… ظلت الصغيرة
تمسح دمعاتها بيديها الصغيرتين وهي تقول
نور : خلاص يا مانا مش تعيطي… حقك عليا يا رب انا وانتي لأ
لم تدري سوي وهي تحتضنها بشدة متناسية ألمها الجسدي والنفسي… تحاول تطهير جراحها بالبراءة النابعة من براءة طفلتها…نعم طفلتها حتى لو لم تلدها; فهي صغيرتها التي رزقها الله حبها…لتتحدث بدموع منهمرة جعلت الجميع تسيل دموعهم
نجلاء: بعد الشر عليكي يا روح ماما… اوعي تقولي كدة يا نور.. انتي بنتي اللي بحبها ومقدرش استغنى عنها… وبعدين انتي بتحبي ماما اوي كدة !
تجيب ببراء …نور :
أيوة والله يا ماما بحبك اوي اوي انتي وبابا واخواتي سما، ونوران، وملك، وكمان رحيم، وريان
نجلاء : تجيب وهي تشدد من احتضانها متغاضية عن ألامها .. واحنا كلنا بنحبك
تتحدث وهي تشير لباقي الصغيرات بالقدوم لأحضانها… لم تكن تدري أنها هي من تريد هذه الأحضان البريئة… ثوان قليلة قبيل إدراكها لألم شديد يصاحبه وخذات شديدة تنبع من جرحها … لتأن بألم جعلت الجميع يلتفون حولها يبعدون الصغار… وطلب الطبيب لمعاينة حالتها …دقائق مرت وأخبرهم الطبيب أن هذا من الحركة المفاجئة… ليتقدم منها والدها متحدثا بعقلانية كبيرة…
فتحي :
انا عارف كل الحرب الدايرة اللي جواكي، عارف انتي حاسة بإيه، لكن كان لازم اسيبك تعرفي لوحدك، انتي حبيتي نور من غير متعرفي أمها مين، ودلوقتي تخيلي الأذي اللي هي بتسببه للكل هل هتعطف على بنت ببراءة نور، ربنا اختارك أم ليها عشان عارف انك هتعوضيها، وعمرك ماهتظلميها
تنطر لوالدها بدموع تحمل ذنب مجرد التفكير فقط…
نجلاء :
انا اسفة يا بابا… بس غصب عني إحساسي إني اتحرمت من أهم جزء جوايا… على ايد إبليس الإنس ادى الفرصة لإبليس الحن ثغرة يدخل لتفكيري منها… بس ربنا فوقني قبل ما أندم على حاجة عمري مكنت هاعرف اصلحها… نور بنتي انا وانا عمري ما هسمح لحد يإذيها أو يمس بس شعرة واحدة منها…أنا يمكن ربنا نجالي ولادي عشان يعوضني عن فقدان الرحم صح