_ إزدحم المرر أمام غرفة العمليات، كل من يعلم بتلك الحا/دثة البشعة لا يتردد في القدوم، فهلال إبناً للجميع، تمر الدقائق على الجميع كالأعوام العجاف لا خير يطمئنهم فيها _ فُتح باب الغرفة تلقائياً عند مرور أحد الأطباء قاصداً الخروج، كانت خطوات مصطفى أسرع من الجميع إليه كما تبعه خليل بمساعدة عسران حينما رأي صعوبة حركته
_ حالة سكون عمت المكان بعد أن كان يصعب سماع بعضهم البعض من خلف ضجتهم، الجميع منتظرين ما يسر قلوبهم على صغيرهم، وزع الطبيب أنظار بينهم ثم أردف بملامح جامدة:-
المريض إتعرض لطلج نا*ري عمله نازيف داخلي في الرئة وللأسف الحالة إدهورت لأنه بجاله وجت طويل إبينزف وهو داخل المستوصف منتهي، البقاء لله شدو حيلكم _ سكون مريب ساد للحظات يستوعب فيها الجميع حجم المصيبة التي حلت على روؤسهم، ألجمت الصدمة ألسنتهم كما أعتلت الحسرة وجوهم وقلوبهم
_ ”ولدي”
صرخت بها “نادرة” متحسرة على فراق رفيق روحها الصغير، تخطت ذلك الحشد من الرجال بصعوبة بالغة مستندة عل صفية، وصلت إلى حيث يقف مصطفة ورددت بنبرة انخلع القلب لها:-
الراچل ديه يجصد مين يا مصطفى يجصد خوك يا ولدي؟ هو جال شدو حيلكم في خوك يا ولدي؟ _ رفعت “نا*ردة” يدها على صدر مصطفى الذي تلقي ض/رباتها عليه مضيفة بإنهيار:-
رد يا مصطفي، جولي لا مش أخويا ياما جولي هلال كيف الجبل ما يهزه ريح إنطج وجول
_ لقد فقد صوابه من خلف بكائها وكلم\اتها التي أثبتت له هول المصيبة الواقع بها، حاوطها بذراعه ضامم إياها لصدره محاولاً تهدئتها لكنه لم يقدر على النطق، فكيف سيوايها في شئ لم يستوعبه بعد!! _ خارت قوة خليل وإنكس\ر عموده الذي يساعده على الوقوف ووقع أرضاً، هرول الجميع نحوه مذعورين خشية مكروه قد أصابه، نظر “مصطفى” إلى حيث تقف صفية وردد بنبرة أمرة:-
سندي أمي _ أعطاها إلى صفية وركض إلى والده، إنحني أمامه وفتح أزرار جلبابه محاولاً إيفاقته، مرت دقايق معدودة إستعاد بها خليل وعيه بالكامل، لعن تلك الذاكرة التي مازالت محتفظة بتلك الذكري المؤلمة التي تزيده تحسراً
_ تنحي جميع الواقفين جانباً مشكلين ممراً يمر منه هلال ومرافقيه من التمريض، إقترب مصطفي منهم ووقف أمام الناقلة يرمق هذا الغطاء اللعين الذي يفصل بينه وبين شقيقه، مد يده وبهدوء حذِر سحب الغطاء من على وجهه.. _ خفق القلب قهراً على تلك العينين الموصدة التي لن يراهم مرة أخري، مال على أخيه ووضع قُبلة الوداع أعلى جبينه، شعر برجفة قوية في أوصاله حينما لمس جبينه وشعر ببرودته، خارت قوة تحمله وفرت دمعة من عينيه هامساً بنبرة مهزوزة:-
يا خوي….
_ مسح دموعه سريعاً ما إن شعر بإقتراب أحدهم، إقتربت نادرة بخطي ثقيلة تجر خيباتها وقهرتها خلفها بعد أن كانت مترددة كثيراً في الإقتراب منه، مالت عليه مقبلة إياه بعدة قُبلات على ثائر وجهه، جهشت باكية وهي تندب متحسرة:-
يا وجع جلبي عليك يا ولدي، أنت عتحب أمك متهملهاش لوحديها يا حبة عيني لسه بدري عليك جوي يا هلال لساتك عريس متهنتش بشبابك يا حبيبي، جوم روح لعروستك لساتكم معيشتوش يا نن عيني، مع السلامة يا حتة من روحي مع السلامة..
_ لم يتحلي خليل بالقدرة الكافية لينظر النظرة الأخيرة التي يودع بها ولده، إكتفي برمقه من بعيد حتى لا يجن جنونه إذا إقترب منه حتماً سيندب مثل النساء متحسراً على فراقه. _ أعادت الممرضة الغطاء على وجه هلال وتحركت به مبتعدة عنهم وهي تبكي حزناً على حديثهم الذي أثر بها، بدأ الجميع في الإنسحاب خارج المشفي منتظرين إنهاء إجراءات خروج هلال الذي يقوم بها مصطفي برفقة عسران.. ***
”الواد م\ات”
_ رددت بهم “ثريا” بعد أن أغلقت المكالمة التي قامت بها لتعلم وضع هلال، نظرت في الفراغ أمامها بصدمة جلية إعتلتها، صدرت شهقة قوية من “سنية” وض/ربت على صدرها بمرارة متحسرة عليطى أصاب زوج أبنتها:-
م\ات كيف، وبتي؟ الحزن بدري عليها جوي _رمقته بنظرات إحتقارته وهي تقترب بخطاها منه، ظلت تض/رب صدره بكل قوتها وصرخت به هادرة:-
منك لله يا حمدان ربنا ينتجم منك، فاكر إن محدش جادر عليك بس ربنا منتقم جبار، مش هتفلت بعملتك ديي أني هبلغ عنك وأشفي غليلي فيك
_ تحركت مبتعدة عنه فلحق بها ممسكاً بذراعها التي غرز أظافره به فآنت سنية بنبرة متألمة، صوب نظراته الثاقبة أمام عينيها وحذرها بنبرته التي خرجت حادة صارمة:-
فكري تعمليها وتبلغي عني وهخلي بتك تحصله، أنتِ لساتك متعرفيش حمدان وشره إتجي شري يا سنية وعاودي أوضتك ولا كانك تعرفي حاجة من أساسه _ دفعها بقوة فإرتطمت بالأرض إثر قوة دفعته لجسدها الهزيل، إنسدلت دموعها على مقلتيها قهراً وحزناً، إتكأت بمعصميها على الارض لكي تنهض فالحركة بدت ثقيلة للغاية من هول الصدمة
_ عادت إلى غرفتها تعيد تهديد حمدان في عقلها بتوجس معانق لقلة الحيلة، ماذا تفعل أتخبر الجميع بحقيقة #حمدان المتعمد لهلال أم تصمت خشية أن ينفذ تهديده ويطيل صغيرتها مكروه؟ _ لا تدري ما عليها فعله فقط تشعر بخلو جوفها، ضعفها وقلة حيلتها، فتحت درج الكومود وأمسكت بالصورة الفوتوجرافية التي تجمعها مع حبيب فؤادها، ملست على الصورة بأناملها فاختفت ملامح زوجها بسبب دموعها التي إنسدلت عليها، تنهدت بإختناق شعرت به في صدرها ولامته بنبرة متقط/عة:-
هملتنا لخوك اللي معيعرفش ربنا ولا بيصون صلة الرحم اللي بينا، ربنا يرحمك ويغفرلك ويجرب الأيام اللي هتجمعني بيك
_ خارج الغرفة تندب “ثريا” بيدها على قدميها مستاءة من تصرف زوجها الأرعن:-
چبت لنا مصيبة فوج روسنا بتهورك يا حمدان، هنعملوا إيه هنطلعوا منيها كيف، جالك جلب تجتل نفس زيها زييك! _ صاح بها هدراً:-
أباه على الندب اللي مهيخلصشي، إجفلي خشمك ديه ووجتها محدش هيعرِف _ وزع “حمدان” أنظاره بين ثريا وصباح ثم إرتفعت نبرته مهدداً بنبرة محتقنة:-
مش هسمي على حد فيكم إن الحديت إترطرط برا فاهمين ولا أعيد حديتي تاني _ لوت “ثريا” شفتيها وردت عليه مستاءة:-
وديي حاجة نرطن بيها بردك!
_ نهضت من مكانها وعادت إلى غرفتها تحاول بلع ما حدث، كذلك عادت صباح إلى غرفتها مذهولة من تلك الدماء التي كانت تسيل من هلال أمامها، لازالت كلم\اته التي يتمتم بها من بين أنينه الموجوع تتردد في عقلها:-
”مش جادر جوفي بيتوجع، ااه”
ااه موجوعة خرجت منه قبل أن يحمله حمدان بمساعدة طاهر ويغادروا المنزل، رجف جسدها كلما تكرر صوت إطلاق النيران في مخيلتها، رمقت المكان من حولها برعب شديد ثم سحبت وسادتها وضمتها بقوة ربما تمتص تلك الوسادة خوفها.
*** جابت الردهة ذهاباً وإياباً فور علمها بما أصاب هلال من قِبل ( هويدا ) إحدي مساعدات صفية، تنتظر على أحر من الجمر أن يطمئنها أحدهم، فقط يومين عاشرت بهما حنتيه وطيب قلبه ناهيك عن لين معاملته وتشهد الله أنها لم تري منه سوءاً _ شعرت ورد بدوار شديد يعتلي رأسها أثر دورانها حول نفسها، جلست على الأريكة التي كانت على بُعد بسيط منها، ماهي إلا لحظات قليلة حتى صدح صوت صافرة الإسعاف على مقربة بسيطة من المنزل إلى أن صفت داخل حديقة السرايا
_ إنتفضت ورد بذعر وهرولت نحو الباب بتوجس شديد، وقفت في صمت تشاهد نزول السيدة نادرة من سيارة مصطفي مستندة على صفية، كذلك خليل الذي يتكأ على عسران لعدم قدرته على إستقامة ظهره بمفرده _ بدت ملامحهم شاحبة للغاية وكأن الدماء فرت هاربة بسبب شيئ ما، حتماً هناك ثمة مصيبة لكي يظهروا بذك الضعف التي لم تراهم عليه من قبل _ شهقت بقوة ولم تستطيع أن تخرج أنفاسها التي إنحشرت داخلها حينما رأت تلك الناقلة المحمل عليها هلال، بالتأكيد هو ليس غيره، إغرورقت عينيها بالدموع مهددة بالنزول وهي تتابع قربه منها..
”هلال م\ات يا ورد”
_ هتفت بهم “نادرة” متحسرة على فراقه، هنا خارت قوة ورد على التحمل وتحولت تلك العبرات إلى بحور من البكاء المرير.. _ بدأ صدرها في العلو والهبوط، تستمع لأنفاسها التي يتردد صداها داخلها محدثة ضجة غطت على الأصوات المجاورة لها، وضعت يدها أعلى صدرها من الجهة اليسري، يعاد شريط ذكرياتها من ليلتها الأولي معه ومنعه من التمكن منها إلى أخر رفض فعلته فتسببت بهروبه خارج المنزل وها هو يعود إليها مرة أخري لكن جـ,ـثة هامدة!
_ رجفة قوية سرت في أوصالها ثم وقعت مغشي عليها من هول المصيبة التي لم يتحملها عقلها .. *** _ ظهرت بعد إختفائها لبعض الوقت كانت تستعيد بعضاً من قوتها التي تبخرت بمجرد ما رأت زوج إبنتها غارق في دمائه يلفظ أنفاسه الأخيرة، أوقفها “حمدان” متسائلاً بحدة:-
على فين؟ _ أجابته بحنق مختصرة الحديث معه:-
على بيت بتي
_ إقترب منها ووقف قبالتها فأجبرها على النظر إليه فتفاجئت بالوعيد الذي يشع من سودتاه التي إخترقتها وخفق قلبها خوفاً بسبب نظراته، مال برأسه بقرب أذنها وهمس مهدداً:-
إوعاكي تفكري تجولي لبتك عن اللي حوصل، صدجيني اللي وصله جوز بتك ديه بسبب عناده ووجوفه جصادي يعني أني مههفلطش بالحديت أني بنفذه طوالي _ إرتعبت من وعيده وحدقت به مبدية إشمئزازها من جبروته:-
ربنا على الظالم والمفتري _ تحركت مبتعدة عنه لكنه أمسك بذراعها وأعادها إليه مردداً بحزم:-
هعديها عشان الظرف اللي أنتِ فيه، لكن إبجي حاسبي على حديتك معايا بعد أكده
_ حاولت سحب ذراعها من بين قبضتيه المتينة لكنه أبى، داعب شاربه بسبابته سامح لعينيه التمتع بوجهها الذي يحفظ معالمه جيداً، رجفت سنية بشدة لذاك الوضع المريب فشعر هو برجفتها التي هزت كيان ذكورته وتمنى لو يعاد الزمن من جديد ويكون أول رجل بحياتها وليس أخيه.. _ حرر قبضته سريعاً حينما ظهرت ثريا وحاول إلهاء الأخرى أمراً:-
غيري خلجاتك وروحي معاها إعملوا الواجب وأجفوا مع نسايبنا في الشدة اللي هما فيها ديي
_ أي واجب يتحدث عنه، لقد #الشاب على يديه فأي هراء ذاك الذي يأمرهم به، صاحت به ثريا مندفعة به وهي لازالت أسفل تأثير الصدمة:-
واجب!! أنت بتتحدت عن الواجب؟ أنت تعرف يعني إيه واجب يا جتال الجتلة أنت؟ _ شعرت ثريا بحرارة الصف/عه التي دوت علي وجنتها ، نهرها “حمدان” بإنفعال :-
إجفلي خشمك يا ولية، تتحدتي معايا بأدب بعد أكده وإلا مش هسمي عليكي أنتِ فاهمة
_ إنسدلت دموع ثريا وهي تطالعه ببغض وكُره لم تشعر بهما من قبل، رمقت ثريا سنية بإنكسار وإبتعدت عنهم وهي منكسة الرأس، ناداها حمدان بتجهم:-
أني جولت روحي وياها إعملوا الواجب مش هعيد حديتي تالت _ هان كرامتها لطالما كانت تعززها طيلة الوقت لكن جبروته سيمحيها إن اعترضت، قالت بعد أن تنهدت لتخرج نبرتها غير متأثرة بفعلته لكي لا تُشمِت بها سنية:-
هغير هدمتي ونمشوا
_ إختفت خلف باب غرفتها بينما لم تتحمل سنية الوقوف معه في نفس المكان وهرولت مسرعة إلى الخارج تنتظر مجئ ثريا، عاد طاهر إلى المنزل بأمر من والده الذي تحدث فور وصوله:-
يلا عشان نروحوا نعزي ده ناسيبنا وواجب نكون أول الحاضرين وناخدوا العزا معاهم _ قطب “طاهر” جبينه مردداً بعدم تصديق:-
أنت كيف جامد أكده كانك مش السبب في مـ,ـوته، جتلنا الجتيل وهنمشوا في جنازته كيف ما بيجولوا
_ نفخ حمدان بضجر بائن، إحتقن وجهه وبدي كالبركان الثائر الذي يود الإنفجار من كثرة هرائتهم لكنه تحلى بالصبر لبضعة لحظات وشرح له الربح العائد الذي سيحل عليهم من خلف تلك الحا/دثة:-
يواد متجفلش مخك عاد وفتحه، أنت رايد تتجوز بت عمك وأهي الفرصة جت لك أهي على الطبطاب ومش أي فرصة ديي فرصة العمر يولا هتجيلك شايلة شئ وشويات من ورثها لأبن العمدة يعني جوازة ربحانة
_ حرك “طاهر” رأسه مستنكراً لما يصغي إليه، حتماً يحلم هذا ليس بوالده الذي عاش معه تلك الأعوام الماضية، أخذ زفيراً وأخرجه ببطئ وردد بنبرة محتقنة:-
ميتي بجيت بالجسوة دي؟ جبت جحود الجلب ديه منين؟ أني حاسس إني معرفكش واصل أنت مين؟ لا يمكن تكون أبوي كدوتي اللي بض/رب بيه المثل في كل حديتي!! _ صعق “حمدان” من حديث ولده الذي وصفه به، توجه نحوه وأشار على عقله مستاءً منه:-
جرب تبجي زيي والدنيا كلاتها هتكون في يدك
_ أجابه بإنفعال شديد مبدي رفضه التام أن يشبه:-
أني معايزش أكون شبهك واصل أني بخاف ربنا كيف ما علمتني وأني صغير فاكر ربنا يا بوي؟ ولا شكلك نسيته ونسيت عقابه اللي عشت تخوفني منه لو صدر مني غلطة!! _ إستطاع طاهر النجاح في تأنيب ضمير والده الذي إنفجر به بصوت عالٍ يمحي أي صراع سيعيشه من خلف حديثه بصراخه عليه:-
إنكشح من جدامي داهية تجرفك أنت واللي عيتحدت معاك بعد إكده
_ تقوس ثغر طاهر بإستحقار بائن على تقاسيم وجهه، أولاه ظهره وأنسحب خارج المنزل مهرولاً لا يطيق المكوث معه في المكان نفسه، لابد أن يقف بجوار حبيبته بالتأكيد قد تبدد الحزن في قلبها، هو تمني أن تكون حلاله يوماً بأي طريقة لكنه لم يرضي تلك الطريقة، سلك أقصر طريق يوصله إلى السرايا، عقله منشغل بعشرات الأسئلة التي تدور حول لقائه مع عائلة الجبلاوي ووالده نفسه #ولدهم _ هل سيصمد أمام دموعهم؟
ستستمر مواساته وهو الجاني؟
سيقف معهم يأخذ العزاء دون شعور بتأنيب الضمير؟
كان يقدم خطوة ويؤخر خطوات ليس بتلك الشجاعة حتى يقف أمامهم بثبات بينما يعلم من الجاني..