“أبـ,ـوس إيدك… بلاش تحطي أي حاجة في المكان ده يا شيخة، حرام عليكي.”
“بتغير عليا يا حبيبي.”
قالتها بهيام وكسوف، تحت ضحكات “جويريه” التي تمسك نفسها بالعافية.
أمسك يديها وهو يبتسم، وكاد أن يرد عليها، ولكن امرأة كبيرة في أواخر الخمسينات اقتربت منهم وهي تقاطع حديثه:
“أخص عليكِ يا نوسة، كده تمشي من غير ما تقوليلي؟”
مطت الخالة “نوسة” شفايفها وأردفت:
“شوفت قصي، قولت يا بت يا نوسة قابلي جوزك جاي من سفر.”
“ماتعمليش كده تاني… وقعتي قلبي.”
ثم وجهت كلامها لـ”قصي” وهي تأخذه في أحضانها، وتمتمت بمعاتبة:
“طال غيابك المرادي يا قصي.”
“حقك عليا يا طنط منال… إنتِ عارفة الشغل بقى قد إيه صعب.”
“عارفة يا روح قلبي.”
عندما ابتعدت عنه، رأت “جويريه” تبتسم لهم، فوجهت الحديث لها:
“مش هتعرفني بالعسولة؟”
كاد أن يعرفها، ولكن شهقت “نوسة” شهقة وهي تلطم بيديها:
“آه يا خاين! جايبلي واحدة الشقة؟ طلقني يا خاين، يا واطي، يا بتاع النسوان. صحيح الضـ,ـربة بتيجي من جوزك!”
لم يعيرها أحد انتباهًا، تحت ضحكات “جويريه”، فعرفها “قصي” على “منال”:
“دي جويريه يا طنط منال.”
ثم أكمل حديثه وهو يحدث “جويريه”:
“ودي طنط منال يا جويرية.”
“تشرفت بحضرتك.”
“وأنا أكتر يا روحي… تعالي يا حبيبتي، دِنتي من طرف الغالي.”
أخذتها داخل حضـ,ـنها وهي تضمها بحب، ثم ابتعدت عنها وقبلت وجنتها تحت ضحكاتها المستمعة.
اقتربت “نوسة” من “قصي” بكسوف، ونغزته نغزة بسيطة في كتفه:
“إنت خنتني يا قصي.”
ضحك “قصي” وأخذها في أحضانه:
“تعالي يا خالتي، والله وحشتيني.”
“هنفضل كده في الشارع؟ تعالوا جوه يلا.”
ثم أكملت حديثها وهي تنظر إلى “نوسة”:
“وإنتِ يا خالتي، بلاش تطلعي بره من غير ما تقوليلي.”
هزت رأسها بحماس وهي تدخل من بوابة العمارة حيث توجد الحديقة الصغيرة.
حملت “جويريه” حقائبها، وكذلك “قصي”، إلى الداخل، وتبعهم طنط منال.
اقترب قصي من طنط منال وأردف بهمس:
“جويرية هتسكن هنا بسبب ظرف… هبقى أقولك عليه بعدين، فإنتِ مشي الدنيا.”
هزت طنط منال رأسها وأردفت بنفس النبرة:
“متخافش يا حبيبي، شكلها بنت حلال وغلبانة… متخافش.”
اقتربت جويرية منهم وأردفت بانبهار:
“الحديقة شكلها حلو أوي.”
ابتسم قصي وأردف:
“طنط منال بتحب الأزهار والورود أكتر مننا على فكرة.”
“سيد متقولش كده، دحنا أهل يا راجل.”
اقتربت طنط منال من جويرية، أمسكت يديها وقالت بابتسامة:
“دِنتي اللي عيونك جميلة… تعالي أطلعك شقتك يا حبيبتي.”
مشت خلفها حتى ركبوا الأسانسير، ضغطت على الطابق الثالث، وعند وقوفه خرجوا.
جويرية كانت منبهرة بالمكان وإطلالته، ليست عمارة عادية، تشبه الفنادق الفاخرة.
أخرجت منال مفتاح الشقة من بين مفاتيح تحملها، عليه رقم الغرفة حتى لا تنسى.
فتحت الباب، سمت بالله ودخلت، وخلفها جويرية، ثم قصي وهو يسند خالته نوسة التي أصرت أن تذهب معهم لترى بيت ضرتها.
عندما دخلت جويرية الشقة، أخذت نفسًا عميقًا وكأن المنزل يضمها إلى أحضانه.
شعور دفا غريب ولذيذ اجتاحها.
“بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.”
أطلقت تلك الكلمات الخالة نوسة بعدما دخلت الشقة، ورغم كبر سنها ومرضها، الشيء الوحيد الذي لم تنساه هو دينها.
ابتسموا جميعًا وردوا السلام عليها.
أردفت جويرية بلطف:
“بسم الله ما شاء الله…
حلوة أوي يا طنط. مكنتش متخيلة إنها بالحلاوة دي.”
ضحكت طنط منال وأردفت بابتسامة:
“إحنا لسه يا جوري في الصالة، هنطلع إحنا ونسيبك تاخدي راحتك في بيتك. لو احتاجتي أي حاجة، رقمي هتلاقيه على السفرة… رني عليا في أي وقت.”
“مش عارفة أشكرك إزاي بجد.”
اقتربت منها وضمتها تحت صدمة طنط منال، لكنها سرعان ما ضمتها هي الأخرى بحنان:
“مافيش بينا شكر يا حبيبي… وإنتِ خلاص بقيتي بنتي.”
ابتعدت جويرية عنها بلطف وأكملت:
“يلا يا خالتي… يلا يا قصي يا ابني.”
أمسكت طنط منال يد نوسة وخرجت.
اقترب قصي من جويرية وابتسم ابتسامة صغيرة:
“الشقة نورت بوجودك، أنا جمبك في الشقة اللي قصادك… لو احتاجتي حاجة، أنا موجود.”
«جويرية»
هزيت راسي بابتسامة واسعة… عارفين شعور إن في ناس جنبك ومش مطالب تعمل قصاد الاهتمام ده حاجة؟
هما حسسوني في نص ساعة بالشكل ده. شعور الأمان والانتماء… إن المكان مكاني.
خرج قصي، وأنا قفلت الشقة.
بصيت حواليّ، كانت صغنونة بس كبيرة بالنسبالي.
رميت نفسي على السرير ونمت كأني أول مرة أنام في حياتي… نومة مطمئنة بعد ليلة كلها قلق وخوف.
ميغركوش إني نمت في المترو.
حياتي عمرها ما كانت هادية، فهستغرب لو لقيتها في يوم من الأيام هادية.
صحيت بعد عدد من الساعات، لم أعلم مدتها، لكن الشمس كانت قد غابت.
الساعة كانت التاسعة مساءً. “نمت كل ده إمتى؟”
فتحت التلاجة وأنا عندي يقين إني مش هلاقي فيها حاجة… لكن ما شاء الله، كانت مليانة من كل شيء.
طلعت أكل كان جاهز، سخنته وقعدت على السفرة.
أكلت وكنت قاعدة زهقانة، مش عارفة أعمل إيه.
حاسّة إن في حاجة خنقاني، عاوزة أعيط… مع إني لا عيطت ولا اتوجعت.
أنا كده… معدومة المشاعر!
لقيتني واقفة قدام المراية اللي في الأوضة.
لقيتني متغيرة بكتير.
مش دي البنت اللي كان كل الشبان عاوزين يرتبطوا بيها.
مش تكبّر… بس دي الحقيقة.
كبرت وبقيت ضعف سني وأنا لسه صغيرة.
ملامحي بهتانه لأبعد حد.
مش عارفة جبت منين الجرأة إني أعمل كده في الشقة.
أنا زي العصفور بجناح مكسور.
عيطت… عيطت كتير لحد ما روحي قالت بس.
وفجأة، لقيت باب الشقة بيخبط.
مسحت دموعي وروحت فتحت.
كانت طنط منال.
بصّتلي، ومن غير أي إنذار فتحت دراعتها:
“تعالي يا حبيبي… تعالي.”
اترميت في حضـ,ـنها وأنا بعيط بحرقة… بعيط من أعماق قلبي.
وهي بتطبطب عليا، دخلتني جوه، مسكت إيديا، وقعدتني على الركنة.
كانت ماسكة إيديا وأنا متبتة فيها… مش عاوزة أسيبها.
“مين بس اللي مزعلك يا نور عيني؟”
عيطت أكتر وأكتر… فقدت والدتي من ثلاث سنوات.
مكنش بيخليني أروحها غير مرة كل شهرين… وخمس دقايق بس.
حتى مبشبعش من حضـ,ـنها.
معرفتش أحزن، مأخدتش كفايتي من الحزن والبكا عليها بسبب حماتي.
“جوزي اتجوز عليا، وقالي كلام زي السم.
بس كنت صالبة نفسي علشان ميقولش ملهاش ضهر.
كنت ضهر لنفسي يا خالتي… استحملت كتير منهم… كتير يا خالتي.”
ضمتها طنط منال لحضـ,ـنها وربّت على ظهرها بحب:
“لعله خير يا جويرية… لعله خير.
يمكن لو مكنش ده حصل، كان حصل الأسوأ.
ربنا بيختبر صبرنا… وإنتِ صبرتي كتير.
وجيه الوقت اللي تنولي الخير ليكي.”
كانت جويرية مع كل كلمة تشهق… ودموعها تغلبت على صوتها.
“ونعم بالله يا خالتي.”
“وإنتِ عملتي إيه بقى؟”
حكت لها جميع ما فعلته.
طنط منال انفجرت من الضحك.
“والله برافو عليكي يا جوري.”
ابتسمت جويرية على ضحكاتها، وشدت من احتضانها.
♡꒱.°⑅ 🎀
في مكان آخر… قبل ساعات، كانت “زينب” والدة مازن تولول وهي تلطم على وجهها:
“منها لله، ربنا ينتقم منها!
هي السبب في إن ابني يدخل السجن… هي السبب!
الهي يا رب ما تشوف يوم عدل في حياتها.
ابني عاملها إيه؟ كان شايلها من الأرض شيل.
آه لو أُطولها… آه!
سرقت الدهب وفلوسه واللي حيلته كله… منها لله!”
كانت زوجته الثانية “ريم” تقلب عينيها بضجر، وهي تأكل من طبق الفشار وتتفرج على أحد الأفلام الأجنبية التي تحبها.
“بقولك إيه يا حماتي… ما تقفلي على السيرة دي؟ صدعتيني.”
كادت أن ترد عليها، لكن قاطعها صوت اتصال هاتفها.
عندما رأت المتصل، كانت ابنتها.
ردت عليها، وجاءها الصوت من الجهة الأخرى:
“الحقيني يا ماما…” يتبع…. البارت الاخير
“الحقيني يا ماما.”
“في إيه يا دنيا؟”
“جوزي يا ماما…”
صرخت زينب فيها وأردفت:
“حصل إيه؟ وقعتي قلبي! انطقي يا بت.”
“المحروس جوزي طلع متجوز عليا ومخبي، وعنده عيال يا ماما.”
قامت والدتها منفزعة وأردفت بعصبية شديدة:
“إزاي يتجوز عليكِ؟ هو اتهبّل في عقله ولا إيه؟”
ضحكت “ريم” بسخرية، نظرت لها زينب بغضب، لكنها أشارت على التلفاز بسخرية:
“المسرحية حلوة بشكل يا حماتي… عسل.”
لم تهتم زينب لها وأكملت حديثها مع ابنتها:
“لمي هدومك وحاجتك وتعالي، وإحنا هنعرفه مقامه كويس. مش دنيا الشافعي جوزها يتجوز عليها!”
ضحكت “ريم” هذه المرة بقوة وهي تترك لها الصالة بعدما انتهت من الفشار الذي تأكل منه.
“حاضر يا ماما هعمل كدا… منه لله وربنا ينتقم منه ويكسره زي ما كسر بخاطري كدا.”
_