Uncategorized

نوسين ٢

فكاد يقنعها هو حين تلفظ بصوت أجش:
-حتى لو ماكنتيش تعرفي فـ أنتي شريكة فيه. كررت من جديد سؤالها المستنكر مدافعة عن نفسها:
-أنا ما أذيتكش قولي حاجة أنا أذيتك فيها. ردد بنبرة مغلقة:
-أذيتيني لما كذبتي عليا ولعبتي بيا ايًا كانت الاسباب. تكلمت بصوت أبرز الإرهاق الذي أصاب روحها الملكومة من كل الجهات:
-تاني هقولهالك هي خدعتني وأنا اتعاطفت معاها. -أمشي.
نطقها بصوت خافت جامد راغبًا في إنهاء كل شيء هذه اللحظة، فتابعت نوسين:
-عمر أنت لازم تسمعني وتفهمني آآ…

قاطعها حين جذبها بغتةً من ذراعيها ضاغطًا عليهما بقوة، هادرًا في وجهها بزئير عالي شابه الإعصار جعلها تنكمش أمامه كورقة في مهب ذلك الإعصار:
-مش عايز أسمع ولا أفهم حاجة، كل اللي فاهمه إنك واحدة مش سالكة وبتكذبي بسهولة، ومش عايز أشوف وش واحدة زيك تاني. ثم تركها نافضًا إياها بعيدًا عنه كما لفظها من حياته للتو، واستدار ليغادر دون اضافة المزيد، تاركًا إياها تقف مكانها كالشريدة ودموعها تتسرب ببطء من وجنتيها، تعاني بشاعة النبذ والخذلان من جميع المحيطين بها.

**** بعد مرور يومين… نوسين التي ظنت أن حياتها ستعود كما كانت، رتيبة ولكنها مغمورة بالرضا والسلام النفسي، وجدت نفسها فجأة تتلظى على جمر تأنيب الضمير اللاسع، ولا زالت كلمات عمر التي حكت عن بشاعة فجوة الصدمة والخداع داخله، تتردد بأذنيها، لا تدري تأنيب الضمير ذاك انساني فقط، ام أن قلبها هو مَن يُضفي هذا الشعور بالعذاب المُهلك لروحها.. قامت لتدور حول نفسها في الغرفة، وعقلها يدور في فلك سؤال واحد، ماذا عساها تفعل لتخفف من ثقل ما حدث؟ أو بمعنى أصح لتنل غفرانه الذي تعلم أنها بينها وبينه أميال كثيرة..

وبالنسبة لعقل متهور كعقلها لم تقفز فيه سوى فكرة متهورة مثله، ألا وهي الذهاب له في عقر داره وانتشال غفرانه بطريقتها ! نهضت بالفعل وبدأت تُعد أطباق من الارز باللبن بمهارة، لتأخذها معها له، ثم ارتدت ملابسها على عجلة من أمرها، وخرجت من منزلها وهي تتصل بتلك السيدة “نوران” التي كانت أصل كل شيء وسببه، فأتاها صوتها بهدوء:
-ايوه يا نوسين. قالت مباشرةً دون التطرق لإلقاء التحية حتى:
-عايزه عنوان بيت عمر.
-حاضر، هبعتهولك في رسالة دلوقتي.

اومأت نوسين برأسها وكأنها تراها، ثم تمتمت:
-تمام مع السلامة. لم تنطق حتى بكلمة شكر؛ لأنها ببساطة تشعر أن هذا حق مفروض عليها، خاصةً بعد ما فعلته. **** بينما على الطرف الاخر، كان عمر يعاني من تشتت تام.. ممزق ما بين عقله الصلد الذي يرفض العفو عن كذبها بمحض ارادتها، مبددًا تمامًا الثقة فيها، وشيء اخر ينهره على رد المعروف لها بهذه الطريقة القاسية! ولكن كيف له أن يمرر لها تلاعبها به كل هذه الفترة مرور الكرام، وكيف له أن يرمم الصدع الذي أصاب ثقته التي بنتها الأيام بينهما، وأن يدرأ عنه شعور الخذلان الذي ينهش دواخله ويُصيبه بألم مفرط.

وصلت بعد قليل لمنزل “عمر” الذي لم يكن بعيد كثيرًا عن منزلها، بدأت تطرق باب المنزل بهدوء، فمرت دقيقة تقريبًا قبل أن يفتح عمر الباب، معلنًا عن وجه نوسين المبتسم رغم الجزع الذي يشوبه، والذي أحس لجزء من الثانية أنه افتقد رؤيته، وهذا طبيعي بسبب الاعتياد.. أليس كذلك؟ تجاهل ما يدور بخلده وهو يسألها بفظاظة:
-إيه اللي جابك هنا ؟ بُهتت من هجومه السريع الذي شنه عليها، ولكنها لم تتراجع بل أصرت على التقدم حين قالت بابتسامة شقية ذكرته بنوسين السابقة؛ التي لم تخدعه:
-جبتلك رز بلبن، قولت أنت أكيد ماعطفتش على معدتك بأكل عدل وأنت لوحدك.

للحظة إهتزت ذاكرته بذاك الحلم المُلبد بعواطف لم ولن يعترف بها، ولكنه حَجَّم سيطرته على ذاكرته بقوة يُحسد عليها، ثم تفوه بصوتٍ مقتضب كملامحه في تلك اللحظات:
-مش عايز منك حاجة. ضيقت عينيها وما بين حاجبيها كقطة وديعة، وهي تغمغم بخفوت:
-عمر، لو سمحت. نهرها بحدة خفيضة مراعيًا ألا يصل صوته للجيران حولهما:
-لو سمحت إيه، ماتطلبيش مني حاجة فوق طاقتي أنتي ماعملتيهاش أصلًا، تقدري تقوليلي إيه شعورك لما عرفتي إن هي كانت بتكذب عليكي زي ما بتقولي ولعبت بيكي؟

نكست رأسها أرضًا وهي تُخرج حروفها مجبرة باجابة خذلتها فخرجت لتكون في الصف المُعَادي لها:
-إتعصبت منها وحسيت إني مش عايزه أكلمها تاني. أضاف بابتسامة صلفة:
-وهو دا بالظبط اللي عملته واللي أنتي بتلوميني عليه. نفت برأسها محاولة إقناعه:
-أنا مش بلومك على كدا، أنا بس عايزاك تبقى أحسن مني وتفوتلي الغلطة دي، وتقدر إن نيتي كانت خير. لمحت الرفض وعدم الاقتناع يلوحا لها من قمم عينيه، فواصلت مسرعة تحاول الضغط على وتر ضميره:
-على الأقل عشان أقدر أسامح نفسي أنا وأرتاح من تأنيب الضمير اللي بقيت عايشة فيه.

سرد لها الواقع الذي تعلمه أصلًا، بلهجة دبلوماسية لم تتوقع أنها سيكون لها هذا الوقع المؤلم على قلبها:
-لو كدا فـ ريحي ضميرك خلاص حصل خير، كدا كدا أحنا مش هنشوف بعض تاني. أحست بالفشل التام، وأن أي محاولة اخرى ستكون إهدار لكرامتها التي لن تقبل المساس بها رغم كل شيء، فتراجعت خطوتين مهمهمة بأمل في الأيام علها تُصلح ما أفسدته هي دون عمد:
-ماشي يا عمر، اللي تشوفه. ثم استدارت وغادرت جارة اذيال الخيبة خلفها، تحت أنظار عمر الذي عَلى صوت رقيق داخله معلنًا سعادته لمحاولتها في استرضاؤه، ولكنه سرعان ما إضمحل ذلك الصوت بغلظة صوت أفكاره العنيدة.

**** بعد يومين آخرين… كانت نوسين مُمدة على الفراش تُريح جسدها بعد ارهاق العمل طوال اليوم لتعويض غيابها السابق، إلى أن قطع قيلولتها صوت طرقات حادة نوعًا ما على الباب، نهضت تعدل من ملابسها وهي ترد بصوت متعجب هادئ:
-ايوه جايه ثواني. ثم فتحت الباب لتتفاجأ بأخر شخص توقعت أن يأتي لزيارتها، ليس بعد كل هذا الانقطاع!
لم يكن ذلك الشخص سوى عمها، الفظ غليظ القلب والذي لطالما كان خيط الود بين قلبيهما مقطوع.. صدح صوته الأجش قاطعًا حبل أفكارها:
-إيه مش هتقوليلي اتفضل ولا إيه يا بنت اخويا؟

للحظة ترددت، ولكنها لم تكن تملك خيار الرفض اصلًا، لذا أفسحت له الطريق على مضض وقالت مُرحبة:
-لا ازاي، اتفضل طبعًا يا عمي. دخل يتبختر في مشيته وعيناه تتولى مهمة تفحص كل إنش من ذلك المنزل الصغير الذي لم يزره منذ وقت طويل، ثم جلس على الكرسي الموضوع في جانب صالة المنزل، فقاطعت نوسين وصلة تأمله حين أردفت:
-ازيك يا عمو عامل إيه؟ ومرات عمي وعيالك كله تمام؟

اومأ برأسه مؤكدًا بهدوء:
-الحمدلله كلهم كويسين.
-يارب دايمًا بخير.
تمتمت بها نوسين، وداخلها يتساءل في توجس عن سبب هذه الزيارة المُفاجئة، ولكنها لم تفشي سؤالها الداخلي، منتظرة مبدارته هو التي كانت متأكدة أنها لن تتأخر! وبالفعل أجلى عمها صوته وهو يقول:
-بصي يا نوسين، أنتي أكيد عارفة إن أبوكي الله يرحمه قبل ما يموت، كان مديون ليا بعشر الاف جنية. تجمدت لوهله والصدمة تصفعها، قبل أن تنفي بصدق:
-لا ماكنتش أعرف. ولكنها لن تُكذبه بالطبع، ليس بعد أن اكتشفت سابقًا أن والدها كان مديون لأناس آخرين ايضًا وهربت من براثنهم بصعوبة، فلا تستبعد أن يكون عمها أولهم.

تابـع بجدية:
-أنا لولا ما محتاجهم دلوقتي ماكنتش جيت قولتلك عليهم. هزت رأسها متفهمة، وتشدقت ببساطة:
-أنا فاهمة، بس أنا طبعًا مش معايا العشر الاف يا عمي، اديك شايف أنا مش قاعدة في ڤيلا في التجمع الخامس يعني. قالت اخر كلماتها مشيرة بيدها للمنزل الصغير الذي به أثاث شبه متهالك، فبدأ الاخر يُكشر عن أنيابه متلفظًا بجمود:
-وأنا أعمل إيه يعني! ما تتصرفي ما أنتي بتشتغلي في الورشة. إلتوت شفتاها بابتسامة ساخرة بمرارة:
-الورشة أساسًا مديونة يا عمي.

صاح فيها بانفعال بدأ يُطرق أبوابه:
-وأنا مالي، هو أنا هجوع عيالي وأحرمهم عشان غيرهم يستريح. هنا شعرت باليُتم يعود ليغزو أطرافها بقوة، مُرسلًا لها مرارة جعلت جوفها يتلوى ببكاء مكتوم بصعوبة وهي ترد:
-لا طبعًا تجوعني أنا، بس أحب أطمنك إن أنا أصلًا محرومة، مش عايشة عيشة مُرفهة. نهض من جلسته، وهدر بصرامة قاسية خالية كل الخلو من الشفقة الإنسانية:
-مايخصنيش، فلوسي تبقى جاهزة خلال اسبوعين، استلفيهم، بيعي أي حاجة، اتصرفي مليش فيه.

نهضت “نوسين” هي الاخرى، وقد عاودها قناع الشراسة والقوة الذي أنزلته قليلًا احترامًا له ولصلة القرابة بينهما:
-وأنا كمان مليش فيه، أنا ما أخدتش منك أي فلوس، روح خدهم منه في القبر بقا. لم تحسب حساب الصفعة التي هوت على وجهها بعنف جعلتها ترتد خطوتان للخلف ساقطة على الأريكة الصغيرة تشهق بألم وصدمة! ثم زمجرته بحروف نارية ضارية:
-أنتي بتقوليلي أنا الكلام دا يا بنت ال*** دا أنا هاخدهم من عنيكي. صرخت بقهر فيه:
-وأنا مش هاديك حاجة وأعلى ما في خيلك إركبه.

وركضت مسرعة نحو غرفتها تحتمي بها، مغلقة عليها الباب الذي شعرته سينكسر بأي لحظة بسبب طرقات عمها العنيفة المهتاجة عليه وهو يصيح:
-افتحي، افتحي الباب يا بت ال**** جلست كالقط المذعور على الفراش، لا تدري ماذا تفعل او كيف ستهرب من براثنه حتى! لم يجول بخاطرها سوى أسم واحد وهو “عمر” الذي بمجرد أن تذكرته شعرت بالأمان يقترب ببطء من رحابها المذعورة، فلم تفكر كثيرًا او تردد في امساك هاتفها والاتصال به، لم يجيب اتصالها في المرة الأولى، ولكن في الثانية أجاب بصوت أجش:
-عايزة إيه يا نوسين؟

توسلته بصوت مرتجف كحالها، بالاضافة لاختراق تلك الطرقات سمعه:
-إلحقني يا عمر بالله عليك. سألها بقلق لم ينتبه لاجتياحه كلماته وجوارحه:
-مالك؟ أنتي فين؟ اجابته مسرعة:
-في البيت، عمي هيموتني أنا حابسة نفسي في اوضتي وهو هيكسر الباب عليا. لم يتردد في طمئنتها بحنانه الفطري العفوي:
-متخافيش أنا جاي على طول اهوه. جلست تنتظره على أحر من الجمر، والخوف ينهشها، ولكن لحسن الحظ بعد قليل استكانت ضربات عمها على الباب وخفت صوته، فاقتربت من الباب محاولة سماع الذي يحدث بالخارج، فسمعت أصوات بعض جيرانها الذين يبدو أنهم أتوا بعد سماعهم للأصوات العالية في منزلها، وبدأوا في محاولة إقناعه بتركها وتهدئته.

بعد فترة ليست كبيرة.. سمعت صوت “عمر” وسط الأصوات بالخارج، وميزته بسهولة، فتهللت أساريرها فرحًا بوصوله، وشعرت أن حضوره يحيط قلبها بقوقعة من الدفء والاطمئنان، سمعت جداله مع عمها الذي لم يبخل عليه بالطبع بوابل من الإهانات المُبطنة والصريحة..
بينما عمر يهدر فيه:
-مش من حقك تتعامل معاها بالعنف دا وتمد إيدك عليها. فقال الاخر بتبجح:
-لما هو مش من حقي أنا، عمها، من حق مين؟ من حقك أنت؟ أنت مين أصلًا عشان تتدخل في حاجة عائلية؟

-مش من حق أي حد، هي مش طفلة عندها خمس سنين هتربيها بالضرب، دي أنسة كبيرة بقت طولك.
تشدق بها عمر بانفعال، وأيده باقي الرجال المجتمعين، إلا أن ذلك لم يؤثر في ذلك الرجل غريب الأطوار، حيث تابع:
-لا من حقي، وأنا بقا مش هاسيبها غير لما أخد حقي. حينها لم يجد عمر بدًا من استخدام أسلوب التهديد الذي يلجأ له أحيانًا في عمله:
-طب أعمل حسابك لو إتعرضتلها تاني بأي شكل من الأشكال، هعملك محضر وهحبسك.

اهتز صدر عمها بالغضب، ولكن هذه المرة أثارت قلقه كلمات عمر، لذا قرر المغادرة، مع التحفظ على مطلبه:
-أنا ماشي، بس يكون في علمك برضو مش هاسيب حقي. ثم غادر بالفعل، وبدأوا الجيران يغادرون هم ايضًا واحد تلو الاخر وهم يضربون كف فوق كف بعدم تصديق، فخرجت نوسين أخيرًا، تنهل من تواجد عمر وحضوره الطاغي على قلبها، الدفء الذي تنشده..

ولكن عمر لم يقل سوى جملة وحيدة مقتضبة شبه آمرة، متجاهلًا الإحمرار الذي عَلى وجهها نتيجة صفعته، وجعل غصة تُصيب قلبه الذي تَحرَّق بالغضب متوعدًا لذاك الفظ:
-لمي هدومك هتيجي تقعدي معايا يومين، لحد ما اتأكد إن حوار عمك دا اتقفل ومش هيتجنن في عقله ويتعرضلك تاني، وهنعمله محضر عدم تعرض. استنكرت نوسين كلماته بشدة:
-أجي أقعد معاك ازاي يعني! أنت مفكر إننا في أمريكا ولا إيه؟! حكى لها بجدية:
-مش هتقعدي معايا في نفس الشقة، هتقعدي في الشقة اللي في وشي بتاعت أمي الله يرحمها.

هزت رأسها نافية برفض تام:
-لأ مش هينفع، أنا مش هعيش حياتي هربانة من دا شوية ودا شوية، احيانًا بنبقى لازم نواجه. اخشوشنت نبرته وهو يُنهيها:
-قولتلك بطلي تعيشي دور السبع رجالة في بعض دا، مش كل مرة الجيران هيتلموا وأنا هاجي ألحقك، ممكن المرة الجايه يفتح دماغك ولا حاجة ومحدش يحس، وبعدين بطلي عِند دا مش هروب، دا هما يومين هظبط كل حاجة ونخلص من قرفه، اعتبري نفسك في زيارة سريعة لأي حد.

صمتت لدقيقتين تقريبًا استغرقتهم في التفكير، تود الرفض فعلًا، ولكن كل ما قاله مُقنع ومنطقي، وبما فعله عمها اليوم تيقنت أنه لن يتوانَ عن اثارة البلبلة والفضائح لها يوميًا، وربما كسر دماغها وعظامها ايضًا كما قال عمر، لذا اتخذت قرارها واومأت برأسها موافقة على مضض:
-ماشي. وبالفعل بعد فترة كانت قد وصلت مع عمر للبناية التي يسكن بها، طوال الطريق لم يوجه لها أي كلمة اخرى، وكأنه يرسل لها رسالة مُبطنة عبر ذلك الصمت؛ فحواها أن غضبه واعراضه عنها لم ينتهي..

فتح لها شقة والدته، مع إعلامه لها ببعض الأمور لتتكيف على المنزل في اليومين القادمين، ثم غادر هكذا دون المزيد.. تنهدت “نوسين” ولتقضي على وقت الفراغ الذي ينتظرها بدأت بتنضيف المنزل الذي لم يكن مهجورًا في الأصل، فقد كان عمر يفتحه كل بضعة أيام لتهوئته..

فتحت الباب وخرجت ترمي القمامة في سلة المهملات التي كانت أمام الباب، وتركت الباب مفتوح وعادت تحضر باقيها من الداخل، في تلك الاثناء تقدمت سيدة ذات ملابس أنيقة مُهندمة في عقدها الخامس تقريبًا، تغطي خصلات شعرها بحجابها الذي يحوي قسمات وجهها التي بدأت تميل لتجاعيد خفيفة، ترافقها فتاة شابة ممشوقة القوام تحمل ملامح شرقية سمراء جميلة، ما أن رأوا الباب مفتوح حتى ظنوا أن عمر بالمنزل يطل عليه كما يفعل كل فترة.. خرجت نوسين في تلك اللحظة ليتصادموا ثلاثتهم ببعضهم، كانت أسرع في قطع خيط الصمت نوسين التي سألتهم بتلقائية:
-أنتوا مين؟

أجابت السيدة بملامح تحمل شيء من التحدي والترقب:
-فين عمر؟ أنا عمته ودي خطيبته، أنتي مين؟ تجمدت “نوسين” مكانها وصدى كلمة خطيبته يتردد باذنيها مسببًا لها طنين مزعج….. الفصل الثامن : بوغتت نوسين بتواجدهما والخبر الصادم الذي ألقوه بوجهها… بل بقلبها كفتيل مشتعل، وظلت تبحث بين طيات عقلها عن اجابة مناسبة لسؤال عمته الذي بقيَ مُعلق بالهواء، ولكنها عجزت عن ذلك؛ وكأنها تبحث عن إبرة في كومة قش. وفي عناية إلهية خرج “عمر” من شقته ليتفاجأ بوجودهما، وأمام نوسين المتصنمة أمامهما !

اقترب منهم بخطى سريعة نوعًا ما، ثم احتضن عمته قائلًا بود:
-ازيك يا حبيبتي عاملة إيه؟ بادلته بالمثل وتمتمت بخفوت بينما عيناها لازالت مُعلقة بـ نوسين:
-الحمدلله يا عمر أنت كويس؟ -الحمدلله، ازيك يا هند؟
ألقى نظرة سريعة نحو “هند” مصحوبة بإبتسامة متعرجة على خطوط شفتيه، قبل أن يتنحنح مشيرًا نحو نوسين، ليُعرفها ويُعرفهم لها بالمثل:
-دي نوسين، ودي عمتي سلمى، وهند. سألته “سلمى” مستفسرة بحروف حاولت أن تُغطيها بثوب اللباقة الذي بدا مُرقع مع خروج حروفها:
-بس غريبة يعني قاعدة في شقة والدتك الله يرحمها ليه؟!

تأخرت اجابته لثانيتين فقط قبل أن تخرج بسلاسة كادت تُصيب قلب “نوسين” بذبحة صدرية:
-نوسين معرفة قديمة، وعندها شوية ظروف صعبة فـ اضطرينا لكدا. هزت عمته “سلمى” رأسها موافقة على مضض، ولكن عمر قرأ في عينيها ما لم يفصح به لسانها، وفضل تجاهله. اما نوسين فقد كانت تشتاط غضبًا من اجابته السخيفة! أشار عمر لعمته وتلك المدعوة “هند” نحو باب شقته وأردف بهدوء:
-تعالوا طب ندخل. وبالفعل تحركا ثلاثتهم صوب باب الشقة، تاركين نوسين تكز على أسنانها، تحاول منع لسانها السليط من الإنخراط في معركة كلامية حادة سيكسبها بالتأكيد، ولكنها ستخسر اشياء اخرى كثيرة في مقابلها.

دلف عمر معهما للمنزل، فقطعت “سلمى” الصمت مبررة سبب وجودهما الذي تعلم جيدًا أن عمر يكبح زمام السؤال عنه تقديرًا لها، ولكنه فشل في إرساؤه أرضًا فارتفع مخالطًا أمواج عينيه الزرقاء:
-أحنا كنا بنشتري شوية حاجات من مول قريب هنا، وقولت لهند لازم نعدي على عمر نشوفه. يرى عمر ركاكة خيط الصدق في حروفها، ويعلم أنها جاءت بـ هند مخصوص لتفتح بينها وبين عمر بابًا مغلقًا، ولكنه رسم ابتسامة خفيفة توازي كلماته الودودة:
-نورتوا يا عمتي.

وبعد وقت قصير استهلكته تلك الجلسة بلا فائدة بالنسبة لعمر، على عكس “هند” التي كانت تحاول التقرب منه، تحاول اختراق الحدود التي وضعها لنفسه، وكالعادة فشلت في ذلك، ولكنها لم تيأس! نهضت مع “سلمى” حين حان وقت الرحيل، وقالت بلهجة عاتبة تحمل تخبطها بين القنوط والأمل الطفيف:
-كان نفسي نقضي مع بعض وقت أكبر من كدا يا عمر، لكن للأسف لازم نمشي، أتمنى إننا نتقابل أي وقت تاني. رده كان متكلف سياسي:
-إن شاء الله يا هند.

تنحنحت “هند” وهي تلتقط حقيبتها مرددة بهدوء:
-طب أنا هسبقك على العربية يا طنط سلمى.
-ماشي يا حبيبتي. ردت بها سلمى التي كانت مصوبة بصرها نحو “عمر” الذي تأهب لنقاش جديد يحفظ بدايته ونهايته، وبالفعل ما أن غادرت “هند” حتى تكلمت سلمى بحنق عاتب:
-مش هتبطل تعامل البنت بالأسلوب الناشف دا يا عمر؟ واجهها بما ردده لها مرارًا:
-أنتي اللي بتعرضيها للموقف دا في كل مرة تجيبيها مكان أنا فيه. هدرت فيه ببوادر إنفعال تطرقت لها كلماتها:
-يعني هي مش طايق تقعد معاها ساعتين على بعض، لكن غيرها بتجيبها تقعد في شقة والدتك وتبقى في وشك ٢٤ ساعة عادي.

تنهد عمر بصوت مسموع، وغامت عيناه بسُحب ماضيه المُظلم وكأنها توثق قوله وهو يخبرها بتروٍ بدأ يغادره:
-لا هي ولا غيرها، وفهمتك إن نوسين وضع مؤقت، أنا مش عايز أي واحدة قريبة مني، صعبة دي يا عمتي؟ سألته بقلبٍ قلق على حاله الذي لا يسر:
-امال عايز إيه يا عمر؟ عايز تفضل وحيد دايمًا كدا لحد ما وحدتك دي هتقتلك. أكد دون تردد بصوتٍ خاوٍ:
-بالظبط، عايز كدا. تجهمت ملامحها ولم تقدر على كبح الغضب الذي تشعب داخلها وجعلها تطرق حروفها كمطرقة لاهبة:
-براحتك يا عمر، براحتك أنا تعبت منك ومن دماغك الناشفة دي.

ثم تحركت لتغادر هي الاخرى بغضب صار يلازمها كلما دارت مع عمر في حديث حول نقطة الماضي التي يرفض النزوح عنها. في نفس الوقت كانت نوسين تقف خلف باب الشقة التي تقطن بها، اذنيها ملتصقة بالباب مترصدة لأي صوت يصدر عن شقة عمر، فسمعت صوت الباب يُفتح وصوت خطى يبدو أنها لعمته التي تغادر، وأكد ظنونها قول عمر الآسف على شيء لم تعرفه:
-متزعليش يا عمتي، حقك عليا، وياريت مانفتحش الموضوع دا تاني بعد اذنك.

وبعد مغادرتها مباشرةً، فتحت “نوسين” باب الشقة، بعد أن وضعت على وجهها قناع الجمود، وفي يدها حقيبة صغيرة بها أشياء قليلة تخصها، عقد عمر ما بين حاجبيه متعجبًا وسألها:
-أنتي رايحة فين؟ ردها التالي كان جاهز في عقلها مُحمل بأعلام الغضب التي ارتفعت داخلها بسببه:
-أنا همشي عشان ماسببلكش احراج ولا تضطر تقول دي واحدة ظروفها صعبة ولا أي حاجة.

-وبعدين استنى إيه ظروفها صعبة دي؟! هو أنا بشحت منك، دا أنت اللي اتحايلت عليا على فكرة عشان أجي.
تابعت بأنفٍ مرفوعة بغرور غطى على سخطها، وأحسه لا يعلو فوق قمم وجهها إلا في حضرته؛ فانتابته رغبة ساخرة في جذبها من أنفها المرفوعة المتغطرسة تلك! استعاد جموده سريعًا حين تابع بلامبالاة:
-بعيدًا عن الهبد اللي بتقوليه دا، بس كنتي عايزاني أرد اقولها إيه يعني! أعرب حنقها عن وجوده علنًا حين صاحت فيه بعصبية:
-كان في ٣٠٠ رد ممكن ترده غير دا.

اقترب منها خطوتين، ثم أشار لها بإصبعه نحو الشقة لتدخل، فتحركت أقدامها بتلقائية مستجيبة لأمره المُبطن في إشارته ونظراته المُهيبة، دخل هو الاخر فأصبحا كلاهما داخل الشقة ولكن لا يزالا أمام الباب، فقال بخشونة حازمة:
-اولًا ماتعليش صوتك وأنتي بتكلميني، ثانيًا أنا بقا من ال٣٠٠ دول رديت الرد دا، وبعدين خلاص هرجع الزمن لـ ورا يعني؟! -دا أنت…..
كاد لسانها ينفلت من جديد بسباب احتُجز في حلقها بسبب نظرته القوية المتأهبة، وقوله المتحدي الذي مرت عليه السخرية سريعًا فأصابته بجزءًا منها:
-أنا إيه بقا كملي كملي متخافيش؟

هزت كتفاها بلامبالاة وشجاعة زائفة أنكرت حدقتيها المهتزتين وجودها:
-أنا مابخافش على فكره وهخاف منك ليه هو أنت بُعبُع؟! لم يُجاريها في سخريتها، بل أضاف بصلافة ملتزمًا بالوقوف على خط الجمود الذي يقيه من الانسياق خلف مشاعر حمقاء تهدده:
-ادخلي جوه. نفت برأسها بعناد وإباء:
-لا مش هدخل أنا هامشي، لاعملك مشاكل مع عمتك وبنت عمتك اللي هي خطيبتك يعني. نفى عمر ببساطة وتلقائية:
-دي مش بنت عمتي اصلًا. فاعتقدت بسذاجتها أنه ابتلع طُعم الكلمة التي رمتها عمدًا ليُلقيها هو بتلقائية في سلة الخيال، وانتظرته يتابع قوله ويخبرها أنها ليست خطيبته ايضًا.

انت في الصفحة 2 من 6 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى