دمه الذي يغلي! انهار على الأرض متهالكًا ثانية هاتفًا برجاء، بصوت مذبوح ينحره سكيــ,,ـن الألم:
-مش قـادر، الندم معاكي صعب، ليه دبختيني يا لينـــا بمـ,ـوتك، ليـــــه؟!.. أخذ يضـ,ـرب رأسه برتابة في الحائط خلفه، عدة ضـ,ـربات هادئة ليعقبها بصرخة ألم محملة بكل حــ,,ـرقة العالم.. شقت دياجير الليل، من حنجرته المذبوحة، ولكن هل للألم ذاك علاج؟!.. فتحت شقيقتــــه الباب بقلق تزامنًا مع أنتهاء صرخته لتجده متهالك أرضًا في حالة يرثى لها، يلهث بقوة واضعًا يده على صـ,,ـدره موضع قلبه الهادر، عيناه حمرواوتان كما بركتان من الدماء والأسوأ كانت تلك النظرة فيهما.. نظرة خواء شديد، ضياع وتيه، نظرة رجل مقهور!
دنت منــه بصدمة وهي تضع يدها على فمها تمنع ذاتها من البكاء، أقتربت منه ثم جلست على الأرضية الصلبة تجذبه بداخل أحضانهـا، حاول أن يغمض عينيـه ولكنه فشل، يرى صورتها حينما يغمض عينـاه وهذا يؤلمــه، مسحت على خصلات شعره ودمعاتها تهبط على وجنتيها قبل أن تهمس بإختناق:
-عمري ما شوفك بالضعف ده. كان جسده يرتعش رغم أحضانها الدفائة، قال بصوب شارد بعيد… بعيد جدًا:
-دبحتني يا دينا، دبحتني بمـ,ـوتهـا، كنت عاوز أعتذرلهـا، أعوضهـا، أقضي إللي باقي من عمري معاهـا، مش عارف أعيش من بعدهـا.
أخفضت وجهها تنظر لمعالم وجهه الشاحبة وهي تقول بشهقة بكاء:
-هتكمل حياتك، لازم تكمل، مش هستحمل أفضل شيفاك كدا. فقال هامسًا بذات الصوت المختنق المعبأ بالألم:
-أول ما النهار يطلع هزور قبــ,,ـرها، وحشتني أوي، يمكن أرتاح بإحساسي أنها في نفس المكان إللي أنا فيه.
*****
في اليوم التالي، جلس “مراد” أمام قبــ,,ـرهــا بعيون حمراء.. متألمة، كادت أن تهبط دموعه لكن تمالك ذاته، ورفيقـه “جاسر” يقف خلفه ينظر له بألم مثله، يربت على كتفيه كنوع من الدعم، وضع “مراد” الورد الأحمر والأبيض على قبــ,,ـرهـا قبل أن يبتسم بشحوب:
-وحشتيني أوي، أنا عارف إنك حاسة بيا، شوفتي وصلت لفين؟!.. مـ,ـوتك غير حاجات كتير أوي جوايا، كنت فاكر أني أقدر أخضع الكل بقوتي وهيبتي، لكن إنتي هديتي كل إللي بنيته في أيام في لحظة واحدة، كان نفسي أعرف إنتي مين من الأول، كنت هاخدك في حضـ,ـني وأهربك من الدنيا كلها، بس نكون سوا.
صمت قليلًا قبل أن يضيف بصوت متحشرج:
-قلبي مدقش غير ليكي، مش هقدر أعيش كدا، كل لحظة بعيش في تعب وندم، قلبي محروق ومش عارف أهدى، إنت سمعاني صح؟!.. أرجوكي تسامحيني، قلبك إللي أدتهولي أنا دوست عليه بشغلي، لكن مـ,ـوتك قتـ,ـلني يا لينـا، سامحينـي.. أنا بحبك. أخض رأسه تنهمر دموعه الحـ,ـارقة على وجنتيـه، تنفس بعمق وهو يمسحهم بعـ,ـنف، وثب واقفًا بهدوء وهو ينظر لقبــ,,ـرهــا نظرات مؤلمة، شعر بألم حاد في قلبــه، فوضع يده يسحب نفسًا عميقًا ويزفره بحــ,,ـرقة، ربت رفيقه على كتفه وهو يتمتم بشفقة:
-يالا يا مراد.
أومئ برأسه ولكن تصلب جسده فجـأة في مكانـــه، رائحة عطرهــا المميزة، فغر شفتيه قليلًا وهو يرمش بعدم إستيعاب، إستمع إلى صوت رفيقه وهو يتسائل بخشونة لفتـــاة ما ترتدي النقاب:
-مين حضرتك؟!.. أستدار “مراد” بعنـ,ـف وعيناه متسعتان بذهولٍ صادم، لم يرى سوى عيناهـا، ولكن كفى بهمـا، في عينيهـا أغلال وأصفاد معلقة، أرتجف جسده لوهلة حتى شعر أنه سيقع لولا رفيقه الذي أسنده وهو ينظر إليه بخوف وحيرة نحو تلك الفتاة صاحبة العينين الدامعتين رغم صلابتهمــا. دنت “لينا” منـه خطوة واحدة وهي تناديــه بألم وعيناها تلتمعان بشدة:
-مراد.
أبعد “مراد” رفيقه عنه وهو يتحرك نحوها بعينيه الذاهلتين، وقف أمامهــا يحدق فيهـا بعيون بداخلهما ألم وغضـ,ـب يكاد أن يفجر العالم بأكمله، رفعت “لينا” النقاب حتى يراهـا ويتأكد، قطب جبينـه بوجع وهو يشعر بأن قدماه لم تعد تتحمل الوقوف، فجــ,,ـثى على ركبتيه بضعف وهو ينظر حوله وكأنه تائه، جــ,,ـثت على ركبتيهـا أمامه قبل أن تنهمر دموعهـا وهي تلمس وجنتـه هاتفة:
-مراد، أنا عايشة، ممـ,ـوتش، عايشة وجيتلك. نظر لهـا بذهول وعيناه تلمعان، رفع يده نحوها يلمس وجهها، يريد التأكد من وجودهــا، خفق قلبــه بشدة وهو يتمتم بإسمها وكأنه يتذوق حروفهـا:
-لينا؟!.. إنتي عايشة بجد، عايشـة.
*****
