Uncategorized

للعشــ,,ـق وجوة كثيرة نورهان العشري 10

وعلى فكرة، شكل علي ما كانش يطمن لما شفته. علي لو شمّ خبر عن اللي كان بينك وبين أخته، هو اللي هيطير رقبتك بجد! استكان أدهم، وسرعان ما هدأت ضــ,,ـربات قلبه تدريجيًا عندما سمع حديث مازن، وهو أن ذلك الرجل ليس بجوارها، ليتنفس الصعداء قائلًا: _ متقلقش، مش هيعرف حاجة خالص… أنا بس عايزك تساعدني وتقف جنبي، وأنا هصلّح كل حاجة عملتها. لوى مازن شفتيه ثم قال بامتعاض: _ وأنا المفروض أساعد جنابك إزاي؟ قال أدهم بغموض:

_ هقولك. *********** أفتقدك رغم يقيني التام بأنك لم تكن لي يومًا ، لكنّ هناك جزءًا صغيرًا بداخلي لا يخجل من الاعتراف بأنك تنتمي إليه نورهان العشري _ غرام، انتِ بتقولي إيه؟_ ارتبكت غرام قليلًا، فهي كانت مستيقظة منذ دخول علي، لكنها تظاهرت بالنوم، فلا طاقة لها على الحديث. إلا أن الكلمــ,,ـات سرعان ما خرجت من بين شفتيها عندما وجدت رامي ما زال متمسكًا بها. _ كلامي واضح يا دكتور رامي، أعتقد إنك كنت مديني وقت أفكر وأردّ عليك، وأنا دلوقتي بقولك: أنا آسفة، أنا فعلًا اتسرعت لما وافقت على خطوبتنا، لو سمحت يا ريت تفهمني._

هزّ رامي رأسه متفهمًا، وقد شعر بأنه وضع نفسه موضع الأحمق حين أقحم نفسه في تلك العلاقة، فحتى وإن كابرت غرام، فهناك شعور كبير تكنّه بداخلها لذلك الرجل، وهذا ما أغضــ,,ـبه، فقد كان يريد الانتقام منه لتطاوله عليه بالمشفى، لكنه لا ينكر أن هناك شعورًا قويًا بداخله تجاه تلك الفتاة، إلا أن كرامته أغلى بكثير. تحمحم رامي ووجّه أنظاره إلى علي الذي كان يتابع الموقف بصمت تام.

_ تمام يا علي، كل شيء قَسَمة ونصيب، وأنا بنسحب من حياة غرام، بس قبل ما أمشي، عايز أوضّح نقطة واحدة. أنا ما سبِتكمش ورُحت مع كاميليا عشان أنا واطي أو غير أمين على أختك! أنا رُحت عشان دا واجبي، وكاميليا دي حالتي وأنا الدكتور بتاعها، ومكنش ينفع أسيبها._ وافقه علي الرأي وقال بتأييد: _ عندك حق، دي حالتك وده واجبك، بس واجبي تجاه أختي يخليني أديها للإنسان اللي يسيب الدنيا كلها ويجري عليها لما تكون محتاجاه. واحد تكون هي رقم واحد في حياته، واعتقد إنك مش الإنسان ده، عشان كده بقولك: فرصة سعيدة يا دكتور رامي، واتشرفت بمعرفتك._

أنهى علي كلمــ,,ـاته التي وضعت الحقيقة أمام رامي ليدركها بعد فوات الأوان، ناظرًا إلى يد علي الممدودة ليصافحه بصمت، ثم غادر الغرفة دون أن ينظر خلفه. لم يلحظ تلك التنهيدة التي خرجت من جوف غرام بارتياح، فقد كان كابوس رامي أكبر من كابوس اختطافها. لم تلحظ تبدل ملامح علي الذي اقترب من سريرها، جاذبًا الكرسي ليجلس بجانبها قائلًا بنبرة ذات مغزى: _ ياااه، رامي كان تقيل على قلبك أوي كده؟ أومّال وافقتي عليه ليه من الأول يا غرام؟_

ارتبكت كثيرًا من حديث علي ونظراته الثاقبة، فلم تجد ما تقوله فخفضت رأسها، والندم يأكلها من الداخل. شعر علي بما يدور بداخلها، فقرر تغيير الحديث قائلًا بنبرة حانية: _ عاملة إيه دلوقتي؟_ _ الحمد لله._ _ في حاجة بتوجعك؟_ هزّت رأسها نافية، فمدّ يده وأمسك بيدها قائلًا بحنان: _ باصّة لتحت ليه؟ بصّيلي._ رفعت غرام رأسها تطالعه بنظرات يكسوها الندم، فبادرها علي قائلًا: _ زعلانة عشان رامي؟_ _ زعلانة عشان انت زعلان مني يا علي._

خرجت تنهيدة قوية من جوفه، اتبعها بحديثٍ شقّ قلبها إلى نصفين: _ من يوم ما بابا الله يرحمه مــ,,ـات، وأنا باعتبرك إنتِ وكارما بناتي. بفهمكوا من نظرة عينيكوا، وحاولت على قد ما أقدر أعوّضكم عن حنان الأب. كنت بدلعكوا وعمري ما قسيت عليكم، عندي استعداد أعمل المستحيل عشان أشوفكم مبسوطين وفرحانين، حتى لو على حساب نفسي. كنت دايمًا بوقف قدام ماما لما تزعل واحدة فيكم أو تقسى عليها، لكن مش معنى كده إني غبي يا غرام، ولا معنى إني بديكم المساحة والحرية إنكِ تستغفليني._

قاطعته غرام بلهفة: _ علي…_ إشارة واحدة من يده كانت كفيلة بجعلها تبتلع حروفها، خاصة عندما أكمل حديثه الذي أصــ,,ـابها في الصميم: _ الحب مش عيب يا غرام، ومحدش يقدر يحاسب حد على مشاعره، بس الإنسان بيتحاسب على تصرفاته، وتصرفاتك الفترة اللي فاتت أكدت لي إنك مش مسئولة. حسّستيني إني كنت غلط لما وثقت فيكِ زيادة._

هطلت العبرات من عينيها، فقد كان أصعب شيء عليها أن تتسبب في حزن أخيها الذي كان بمثابة الأب لها. هو الذي فعل المستحيل لتوفير كل ما تحتاجه، ماديًا ومعنويًا، ولم يشتكِ يومًا. كان نعم الأب والأخ والصديق، لا يستحق منها أن تطعــ,,ـنه في ظهره بهذه الطريقة، لكنها أخطأت، وعليها أن تدفع الثمن، حتى لو كان غاليًا جدًا على قلبها، وهو خسارة ثقته بها. لم تستطع سوى أن تتمتم ببعض عبارات الأسف التي لم تغيّر شيئًا من ملامحه الجامدة ونظراته الحزينة، لينتصب واقفًا قائلًا بجمود:

_ مفيش حد فينا ما بيغلطش، بس الأهم إننا نتعلم من غلطنا ونحاول نصلحه، وما نصححش الغلط بغلط أكبر، وما نبقاش فريسة لانفعالاتنا ونزواتنا. حمد الله على سلامتك._ أنهى حديثه ثم توجه إلى الخارج، فما إن فتح باب الغرفة حتى وجد كاميليا وكارما على وشك الدخول، فتخطاهما خارجًا. اندفعت كاميليا مستفسرة: _ علي مالُه؟ في إيه؟_ أجابتها كارما بقلق: _ معرفش يا كاميليا، شكله مش مطمِّن. بصّي، ادخلي إنتي لغرام، وأنا هروح أشوفه._ وبالفعل انطلقت كارما خلف علي، بينما دخلت كاميليا إلى غرام التي كانت تبكي بهستيريا، فسرعان ما تلقفتها كاميليا في محاولة لتهدئتها:

_ غرام، مالك يا حبيبتي؟ فيكِ إيه؟_ أخذت غرام تبكي بحــ,,ـرقة بين ذراعي كاميليا حتى استطاعت أخيرًا الحديث قائلة من بين دموعها: _ علي زعلان مني أوي يا كاميليا._ قطبت كاميليا جبينها وقالت مستفهمة: _ وعلي زعلان منك ليه؟ دا كان هيجنن عليكِ إنتي وكارما! معقول برضو يزعل منك؟!_ همست غرام من بين عبراتها: _ أيوه زعلان مني، أوي كمان… أنا خُنت ثقته فيَّ يا كاميليا._ رفعت كاميليا إحدى حاجبيها لتقول غرام بخفوت: _ هحكيلِك._

أخذت غرام تقصّ على كاميليا ما حدث منذ لقائها الأول بأدهم، إلى يوم اختطافها، مرورًا بخطبتها المزعومة لرامي، وكل ما جرى بينهما. كانت ملامح كاميليا تتبدل بين الدهشة والحزن والذهول، وأخيرًا الغضــ,,ـب. ولأدهم كان النصيب الأكبر من ذلك الغضــ,,ـب. ثم قالت بعد لحظة صمت راقبت خلالها غرام بنظرات مترقّبة: _ كل دا حصل يا غرام وأنا معرفش؟_ خفضت غرام رأسها قائلة بخفوت: _ مكنتش قادرة أقول لحد خالص، إنتي أول واحدة أحكيلها._ _ وعلي بقى يعرف الفيلم الهندي دا كله؟_

هكذا سألت كاميليا، لتجيبها غرام بلهفة: _ لا طبعًا، علي ميعرفش حاجة. هو بس حاسس إن في حاجة بيني وبين أدهم، وطبعًا خطوبة رامي خلتُه يحس إني مكنتش صريحة معاه، وعشان كده زعل مني._ قالت كاميليا بنبرة تقريع: _ ومتخيلة لو عرف اللي حصل بينك وبين أدهم دا يا غرام ممكن يعمل فيكِ إيه؟_ شهقت غرام برعب: _ أنا والله ما عملتش حاجة غلط، أنا بس حبيته._ ردت كاميليا باستهجان: _ ما عملتيش حاجة غلط؟ وسهرك طول الليل تكلميه في التليفون دا إيه؟ وخروجك معاه من ورا أهلك؟ وإنك تقبلي دعوته على العشا في السويت بتاعه دا مش غلط؟_

لم تُجبها غرام، فتابعت كاميليا بتقريع: _ فاضل إيه غلط ما عملتِهوش؟ وزعلانة إنه فكر إنك إنسانة وحشة وحاول يعمل فيك كده؟ أمال المفروض يفكر فيكِ إيه؟ قوليلي حاجة واحدة بس عملتيها تخليه يفكر فيكِ غير كده؟_ كانت غرام مصدومة من كلمــ,,ـات كاميليا القاسية التي وضعتها أمام الحقيقة، فلم تجد ما تقوله ردًا على اتهامــ,,ـاتها، فهي كانت محقة تمامًا. لتزيد كاميليا من تعنيفها قائلة: _ عارفة يا غرام، إنتِ عملتِ كل حاجة في الدنيا ممكن تخلي راجل يقول مرة واحدة إن البنت دي مش كويسة._

قالت غرام بحزن، والدموع تتساقط من عينيها: _ بس أنا والله ما كنتش أقصد أي حاجة من دي._ _ عارفة إنك ما كنتيش تقصدي، بس دا لأني أعرفك يا غرام، لكن هو يعرفك منين؟ واحد شايف واحدة رايحة جاية معاه وكلام وخروج، هيفكر فيها إزاي؟_ اقتربت منها كاميليا بلهجة أهدأ: _ بصي يا غرام، لو إنتِ رخصتي نفسك، محدش في الدنيا هيغليها. لا فلوس، ولا عيلة، ولا نفوذ، ولا أي حاجة. نفسك دي أمانة ربنا ادهالك عشان تحافظي عليها، مش عشان تهينيها كده. أنا عارفة إنك بريئة وطيبة وبتتصرفي بعفوية، بس دا ما ينفعش مع كل الناس._

احتوت وجهها بين يديها وقالت بحنان، على عكس لهجتها السابقة: _ الناس وحشة أوي يا غرام، ما ينفعش معاهم الطيبة والبراءة دي كلها، وبالذات الرجالة. لازم تبقي دايمًا فوق، نجمة بعيدة في سابع سما، ما يطولِكيش غير لما يطلع عينه عشان يعرف قيمتك، لإن لو إيده طالتك بسهولة، هيفرّط فيكِ بسهولة._ انهارت غرام في أحضان كاميليا قائلة بنبرة محشوة بالوجع: _ أنا عارفة إني غلطت، بس ما كنتش أعرف إني غلطت أوي كده، وإنّي رخصت نفسي للدرجة دي، والله ما كنت أعرف._

ربتت كاميليا على كتفها قائلة بمواساة: _ اهدى يا حبيبتي، أنا عارفة إنك ما كنتيش تعرفي، بس عارفة؟ أنا عجبني أسلوبك مع الحيوان اللي اسمه أدهم دا._ زادت ضــ,,ـربات قلب غرام عندما سمعت اسمه، لكنها أبت أن تفتح جراحها مجددًا، فاختارت الهروب من شبح حبه الذي قد يــ,,ـها يومًا، وقالت باستنكار: _ أرجوك يا كاميليا، متجيبيش سيرته، خلاص، ما بقاش له وجود في حياتي._ رفعت كاميليا حاجبها بمكر قائلة: _ براحتك، أنا كنت عايزة أحكيلِك هو كان هيجنن عليكِ إزاي وإنتِ مخطوفة._

نبش الفضول أنيابه في قلبها، فودّت لو تسمع ما يسكّن ألمها قليلًا، فقالت بلهجة حاولت أن تبدو ثابتة: _ مين اللي كان هيجنن عليا؟ تلاقيه كان حاسس بالذنب بس… دا لو عنده ضمير يعني._ نظرت كاميليا إلى عينيها وقالت بصدق: _ بصي يا غرام، أنا يعلم ربنا مش طايقة أدهم ولا طايقة أشوف وشّه بعد اللي عمله، بس بأمانة، هو فعلًا كان هيمــ,,ـوت من القلق عليكِ. أنا عارفة أدهم كويس، أدهم مش بيحبك بس… دا بيمــ,,ـوت فيكِ. وإنتِ كمان بتمــ,,ـوتي فيه، ومتعملِيش نفسك مش واخدة بالك._

_ والحل يا كاميليا؟ بعد اللي عمله دا، تفتكري أقدر أرجعله تاني؟_ _ الموضوع هيبقى صعب، أنا عارفة، بس المستحيل بجد إن أدهم اللي شُفته وإنتِ مخطوفة دا يقدر يبعد عنك لحظة واحدة._ صمتت كاميليا لثوانٍ قبل أن تقول بمكر: _ بصي، أنا مش بقولك ارجعيله، لكن هقولك رَبّيه، خدي حقك منه تالت ومتلت لحد ما تحسي إن نــ,,ـارك بردت، وقدرتي تسامحيه، وقلبك يصفاله. وتقريبًا، إنتِ قطعتي نص الطريق باللي حكيتيهولي دا._

زفرت غرام بتعب، فهي محقة، فلا طاقة لها على الحياة بدونه، فكيف تفارقه وهي التي رمت بنفسها في المــ,,ـوت لتنقذه؟ لكن ما عساها أن تفعل، فقلبها الذي يعشــ,,ـقه هو نفسه الذي يأمرها بالابتعاد عنه. فما كسره داخلها لا يمكن إصلاحه ببساطة… فما العمل؟ قطع سير أفكارها رنين هاتف كاميليا معلنًا وصول رسالة. وما إن نظرت إلى فحواها حتى اعتذرت لغرام، وتوجهت إلى الخارج، تاركة إياها غارقة بأفكارها، فلم تلحظ ذلك الذي اقتحم غرفتها مغلقًا الباب خلفه، يناظرها بنظرات غامضة… فقد وصل أخيرًا إلى مبتغاه.

********** كانت نيفين تنظر إلى روفــ,,ـان وهي تلهو مع زين في الحديقة، وعيناها تلمعان بالسعادة، فها هي خطتها تسير على النهج المطلوب، وقريبًا ستحقق مبتغاها. فتلك الحيّة سميرة تخرج كعادتها عندما يكون جدها يأخذ وقت استراحته، ولكن تلك المرة كانت تعلم وجهتها، ولم تُصدم كثيرًا، فقد أصبحت على علمٍ تامٍ بحقارة تلك المرأة، وقد آن الأوان للتخلص منها. لكن مهلاً، بقي القليل، وأيضًا فقد اقترب وقت عودتها، لذا بدأت في تنفيذ جزء آخر من خطتها. اقتربت من روفــ,,ـان وزين وجلست على الأرجوحة أمامهما، لتطالعها روفــ,,ـان بنظرات خالية من الود وتقول لـزين بلهجة حادة:

يلا يا زينو نمشي من هنا ونروح نلعب في حتة طراوة، أصل الأكسجين اختفى من حوالينا. طاوعها ذلك الطفل البريء وهو لا يدري ماذا يحدث حوله، لكن استوقفته تلك الأصوات المكتومة بالبكاء القادمة من تلك الفتاة التي يشعر برفضها له منذ دخوله إلى هذا المنزل، ليجذب يد روفــ,,ـان وهو يقول ببراءة: الحقّي يا لوفي، دي بتعيّط. نظرت إليها روفــ,,ـان بنصف عين وقالت بسخــ,,ـرية: سيبك منها يا زين، هتلاقيها ملقتش حد تنكد عليه النهارده فصعبت عليها نفسها. يلا نمشي من هنا.

زادت شهقات نيفين وتوجهت إلى مكانهما، ورسمت الحزن على ملامحها وهي تقول بصوت مبحوح ونبرة تقطر ألمًا: أنا مش قصدي أضايقكوا والله، أنا بس جيت أقعد قصادكوا عشان مكنتش لوحدي. بس لو ضايقتكوا أنا آسفة، هطلع أوضتي تاني. لعبت تلك الماكرة على أوتار الضمير عند روفــ,,ـان التي قطّبت جبينها وزمّت شفتيها، وأخذت وخزات الندم تنخر بداخلها، فاستوقفتها قائلة بلهفة: استني عندك… تقدمت روفــ,,ـان بضع خطوات لتمسك بيدها وهي تنظر داخل عينيها قائلة بتشكك: إنتِ بتعيّطي بجد ولا دي لعبة من لعبك وهلاقيني راشقة في مصيبة بسببك؟

أخفضت نيفين نظرها للأسفل وقالت بلهجة يائسة: أنا عارفة إني كنت وحشة أوي معاكوا، وعارفة كمان إننا عمرنا ما هنبقى أصحاب ولا هتحبيني، أنا بس كنت مخنوقة شوية، مقدرتش أقعد لوحدي، فقلت أتفرّج عليكوا من بعيد. مش عايزة منكِ لا تتقبليني ولا تتعاملي معايا. عن إذنك. تلك اللهجة كانت جديدة عليها، فهي دائمًا ما تكون سليطة اللسان، وخاصةً عندما تنفرد بها. فرفعت روفــ,,ـان إحدى حاجبيها، ووضعت يدها أسفل ذقنها وأخذت تدور حول نيفين تطالعها بنصف عين قائلة:

أمممم، وحيدة! أمال الحيزبونة… أخطأت روفــ,,ـان في الحديث وسرعان ما عدّلت من قولها فقالت بلهجة طفولية: آاااقصد طنط سميرة فين؟ طالعتها نيفين بنظرة مستنكرة ثم خفضت نظرها وقالت بصوت خافت: ماما خرجت لما عرفت إن جدي نايم. إيه؟ طنط سميرة خرجت من غير ما جدو يعرف؟! يا ماما! يا جدي! اندفعت روفــ,,ـان وخرجت الكلمــ,,ـات منها تلقائيًا وبنبرة عالية جدًا، فأخذت نيفين تحاول أن تكمم فمها وهي تترجاها بخوف: أبوس إيدك وطي صوتك، لو عرفت إني قولتلك هتمــ,,ـوتني!

صُدمت روفــ,,ـان من حديث نيفين المبهم ونبرتها الراجية، لتخفض صوتها قائلة باستفهام: إيه “هتمــ,,ـوتك” دي؟ ليه يا نيفين؟ في إيه؟ تابعت نيفين بحزن: مفيش حاجة، بس ورحمة عمي ما تقولي لحد إني قولتلك. أنا خلاص مش هضايقكوا تاني وهطلع أوضتي. همّت نيفين بالمغادرة، فتمسكت بها روفــ,,ـان التي شعرت بوجود خطبٍ ما، لتقول بلهفة: خلاص يا نيفين، اهدي، مش هقول حاجة. وخليكِ قاعدة معانا، إحنا كده كده كنا بنلعب أنا وزين، يعني لو حابة تقعدي تلعبي معانا براحتك.

ابتسمت نيفين ابتسامة باهتة وقالت بنبرة خافتة: بجد يا روفــ,,ـان؟ ينفع ألعب معاكوا؟ مش هتضايقوا مني؟ ترددت روفــ,,ـان في البداية، ثم حسمت أمرها سريعًا وقالت بتأكيد: يا ستي، لا، تعالي العبي معانا، ما هو برضو زي أخوكي. هكذا بدأت الفتيات بالركض خلف زين محاولاتٍ إمساكه، وقد كانت ضحكاتهم تملأ المكان، ليتفاجأن بذلك الصوت الغاضب يقترب منهن: نيفيييييين! ارتعبت نيفين من مظهر والدتها الغاضب التي كانت تقترب منها وعيناها تقدحان شررًا، فاقتربت لتقف خلف روفــ,,ـان التي كانت ترتجف داخليًا من تلك المرأة، فقالت بخوف:

نعم ياختي، إنتِ جايّة تستخبي ورايا ليه؟ وأنا مالي؟ أنا اللي كنت قولتلك تعالي العبي معانا؟ عيب يا لوفي كده، تتخلي عن صديقتنا الجديدة! تعالي جمبي يا نيفو وأنا هحميكي من طنط الحيزبونة. سمعت سميرة حديث ذلك الطفل الذي تمقته بشدة، فثارت ثائرتها واقتربت منهن قائلة بصياح: إنتِ بتهبّبي إيه هنا يا ست هانم؟ بتلعبي مع ابن ضرتي! إياكِ تكوني فكرتِ إنه أخوكي بصحيح؟ ما هو أخويا فعلًا يا ماما. اخرسي! نال خد نيفين صفعة قاسية من سميرة، لتتفاجأ بتلك اليد التي أمسكت بخصلات شعرها تُبعدها عنها، وصاحبها صوتٌ غاضب يتوعدها بشتى أنواع العقاب، حتى أخذ صوته يهز أرجاء القصر:

إنتِ اتجننتي؟ بتمدّي إيدك على بنتي؟ نسيتي نفسك يا زبالة؟ دا لولاها كان زماني راميكِ في الشارع من زمان! أخذ مراد ينهال على سميرة باللكمــ,,ـات حتى خرج جميع من في القصر على صوته، فهرولت صفية ورحيم وجميع الخدم يحاولون فك أسرها من بين يديه، فأخذت نيفين تصرخ بهستيريا قائلة: حرام عليكوا! ارحموني بقى! حولتوا حياتي لجحيم! مش كفاية كل اللي أنا عارفاه وساكته عنه! هنا سكتت كل الأفواه، وتسلطت جميع العيون عليها، فقد آن الأوان لكشف جميع الأسرار التي يكتظ بها ذلك القصر الكبير، ليخرج ذلك الصوت الغاضب قائلًا بقوة:

وإيه اللي تعرفيه وساكته عنه يا نيفين؟ يتبع.. الوجه التاسع و العشرون للعشــ,,ـق
مؤخرًا أصبحت لا أثق بالإنطلباع الأول للناس، ولا أطمئن لملامح الوجوه في بداياتها، فهي عادةً ما تكون مُحملة برائحة النفاق، فالإنسان بطبعه يسعى لإظهار جانبه الجيد، فيُبرِز أجمل ما فيه، ويُخفي ما لا يُراد رؤيته، حتى تأتي المواقف، فتكشف الحقيقة، وتُزيح الغبار عن تلك القشرة اللامعة التي تخفي ما تحتها، و كم صُدمت بوجوه ظننتها نقية، فإذا بها أقنعة مُتقنة الصنع، تتخفى ورائها ملامح مرعبةً من الزيف والمثالية المزعومة، ولهذا فأنا مدينة لتلك الصدمــ,,ـات كثيرًا، و التي رغمًا عن قسوتها فقد كشفت لي معادن الناس من حولي.

نورهان العشري كان عليّ في طريقه إلى المشفى حين رنّ هاتفه مُعلنًا عن اتصالٍ من رقمٍ مجهول، فأجاب على الفور: _ أيوا يا شادي؟ _ عايز أقابلك ضروري.

انت في الصفحة 5 من 6 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse
زر الذهاب إلى الأعلى