Uncategorized

للعشــ,,ـق وجوة كثيرة نورهان العشري 10

_ في حاجة ولا إيه؟ _ جبتلك شوية معلومــ,,ـات بخصوص الجدع اللي خلتني أراقبه وأتحرى عنه. قطّب عليّ جبينه، ثم سرعان ما فطن إلى حديث شادي، فقال بلهفة: _ آه، صح! معلش، كان عندي شوية ظروف كده نسّيتني. طب أنا هحاول أنزل مصر في أقرب وقت ونشوف الموضوع ده. _ أنا كده كده عندي مأمورية ناحيتكم، فممكن أعدّي عليك بكرة ونتقابل. _ تمام أوي، يبقى نتقابل بكرة إن شاء الله. أنهى عليّ مكالمته تزامنًا مع وصوله إلى غرفة غرام، ليجد كُلًّا من أدهم ورامي على وشك القتال، فقال بصوتٍ جهوري:

_ في إيه بيحصل هنا؟ توجّهت أنظارهما إلى عليّ، فبادر رامي بالحديث بنبرةٍ ساخرة، وهو الذي كان على وشك تحطيم أسنانه من شدة ضغطه عليها بفعل بركان الغضــ,,ـب الثائر بداخله: _ أبدًا يا علي، كنت بشكر أدهم بيه على اللي عمله ومساعدته لينا في إنقاذ كارما وغرام، وكنت هدخل عشان أطمن على خطيبتي! قال جملته الأخيرة بنبرة ذات مغزى لم تَفُت على عليّ، كما لاحظ احمرار وجه أدهم وذلك العِرق في رقبته الذي كان على وشك الانفجار، فتابع رامي بمكر:

_ هسيبكوا بقى وادخل أطمن عليها. امتدت يد أدهم تلقائيًا ودون وعي لتمسك بمعصم رامي فوق مقــ,,ـبض الباب، قائلًا من بين أسنانه: _ الدكتور قال إن غرام تعبانة، وطلب إن محدّش يزعجها. سارع رامي بالحديث قائلًا بلهفة: _ ما أنا هدخل أطمن عليها بصفتي دكتور برضو يا أدهم بيه. متقلقش، غرام معايا بأمان. قطع عليّ الحديث قائلًا بصرامة: _ ادخل يا دكتور رامي، اطمن على غرام، وأنا جاي وراك.

ابتسم رامي ابتسامة جانبية ساخرة، ارتسمت على ملامحه وهو يطالع أدهم بشمــ,,ـاتةٍ وتشفي، قبل أن يفتح باب الغرفة ويغلقه بعنــ,,ـفٍ في وجه أدهم، الذي كان غضــ,,ـبه عظيمًا، واشتدّ تنفّسه، واسودّت عيناه حتى بدتا وكأنهما قادمتان من الجحيم. اقترب عليّ منه يناظره بعينين ثاقبتين، قائلًا بجفاء: _ ألف شكر يا أدهم، تعبناك معانا. بس أنا مضطر أقولك إن دورك انتهى لحد كده. قطّب أدهم جبينه وقال من بين أسنانه: _ تقصد إيه يا علي؟

_ أقصد إن اللي بتفكر فيه، واللي أنا شايفه في عينيك من أول ما عرفت باللي حصل، ما ينفعش يا أدهم. غرام مخطوبة، وهي اللي اختارت خطيبها وموافقة عليه. بيتهيألي كده فهمت أنا أقصد إيه. هكذا أجاب عليّ، ليرد أدهم ساخرًا: _ وانت شايف إنه مناسب ليها، صح؟ _ مناسب أو لا، دي حاجة متخصكش يا أدهم. لو سمحت خلينا حبايب زي ما إحنا، واتفضل من هنا. ومرة تانية شكرًا على وقفتك معانا، واتأكد إن ده هيفضل دين في رقبتي، وأول ما ييجي وقته هردهولك. عن إذنك.

أنهى عليّ حديثه، ثم تقدم إلى داخل غرفة غرام مغلقًا الباب خلفه، فوجدها ما زالت لم تستفق بعد، فوجه حديثه إلى رامي قائلًا: _ طمّني يا دكتور رامي، غرام عاملة إيه؟ أجابه رامي بهدوء: _ مؤشراتها الحيوية كويسة الحمد لله، وممكن تفوق في أي وقت. _ طب الحمد لله، ألف شكر يا دكتور رامي، تعبناك معانا. قال عليّ جملته الأخيرة وهو ينظر إلى رامي نظرةً ذات معنى، فطن إليها رامي الذي قال بلهفة: _ إيه اللي انت بتقوله ده يا علي؟ غرام خطيبتي، وده واجب عليّ.

ابتسم عليّ ساخرًا ثم قال: _ لا والله؟ تصدق إني نسيت الموضوع ده؟! ولما هي خطيبتك، سيبتنا وإحنا رايحين ننقذها وروحت فين؟ توتر رامي من حديث عليّ وقال مندفعًا: _ يوسف أجبرني أروح أوصل كاميليا، وما جيتش معاكم. قاطعه عليّ هازئًا: _ ليه؟ هو يوسف وليّ أمرك ولا إيه؟ بص يا رامي، أيا كان اللي حصل وخلاك تسيبنا في ظرف زي ده وتمشي، فالنتيجة بالنسبالي واحدة، ومالهاش عندي غير رد واحد برضو: انت غير جدير بأختي، ومن اللحظة دي تعتبر خطوبتك ليها اتفسخت.

اغتاظ رامي بشدة وقال بصوتٍ عالٍ نسبيًا: _ مش من حقك تقول كده! الرأي رأي غرام، وأنا مش هسمع منك. هستناها لما تفوق وتقول هي بلسانها إنها مش عايزاني. _ بس أنا فعلاً مش عايزاك. ***************

كان يوسف أمام باب المشفى في انتظار سيارات الحراسة التي كانت في طريقها إليهم لتحضر كاميليا التي لم تستطع الانتظار حتى عودتهم، فأمر يوسف رجاله بإحضارها إليهم. وما إن توقفت السيارة حتى اندفعت مُهرولة نحوه لترتمي بين طيات صـ,,ـدره، فقد نهش الخوف داخلها بشراسة، ولم تستطع الانتظار دقيقة واحدة، فتلقّفها يوسف الذي كان أكثر من مرحّب بوجودها بعد هذا اليوم العصيب، فقد كان وجودها بجانبه هو أقوى مُهدئ على الإطلاق يمكن أن يحظى به.

دفــ,,ـن وجهه بين حنايا قربها مستنشقًا عبيرها الفاتن، ساحبًا أكبر قدر ممكن من رائحتها العذبة إلى داخله. ظلّا على هذه الحال لوقتٍ ليس بقليل حتى رفعت كاميليا رأسها تطالع كل إنشٍ في وجهه وجسده بنظراتها العاشقة للاطمئنان عليه، لتقول بصوتٍ مُتلهف: _ يوسف… إنت كويس؟ ابتسم يوسف بحب، ونثر عشــ,,ـقه فوق مقدمة رأسها قائلًا بلهجةٍ مطمئنة: _ أنا كويس، متقلقيش. تقاذفت العَبَرات من عينيها تحكي مقدار قلقها، مع تلك الرجفة في صوتها حين قالت: _ أنا كنت همــ,,ـوت من الرعب.

احتوى وجهها بعد أن امتدت أصــ,,ـابعه لتزيل تلك العبرات الغالية كثيرًا على قلبه، وهو يقول بحب: _ بعد الشر عنكِ، أنا زي الفل قدامك أهو. بلاش دموع بقى. _ غصب عني والله، خفت أوي. طمّني طيب، غرام وكارما كويسين بجد زي ما قولتلي؟ مازحها قائلًا: _ بتمــ,,ـوتي في النكد قد عنيكي! ما قولت كويسين للمرة المليون، بطّلي عياط بقى. أشعلت كلمــ,,ـاته فتيل التمرد بداخلها، فقامت بإزاحة كفيه اللتين كانتا تُحيطان وجهها، رافعةً أنفها بشموخٍ تجلّى في نبرتها حين قالت:

_ أي إنسان عنده ذرة إحساس أكيد هيتأثر بالموقف اللي حصل، وبما إني إنسانة حساسة جدًا فأكيد غصب عني هعيّط، يعني مش نكدية زي ما بتقول! كان يراقب تعبيرات وجهها التي يعشــ,,ـقها، بدايةً من حاجبها الذي ترفعه بغيظ، مرورًا بعينيها اللتين اشتعلتا ببريق التحدي، وصولًا إلى حركة شفتيها التي كانت تمطّها بطريقةٍ طفوليةٍ محببةٍ إليه كثيرًا، فقد كانت أمامه كالفاكهة الشهية التي يودّ التهامها في الحال. لكنه أراد أن يُشاكسها قليلًا ليستمتع بمظهرها الطفولي المُغري أكثر، فقال متخابثًا:

_ حساسة، اممم، قولتِلي… يعني مش عشان كنتِ هتمــ,,ـوتي من القلق عليا زي ما قولتِ من شوية وما صدّقتي شوفتيني وكده؟ اغتاظت من لهجته، فقد كانت مكشوفة أمامه كثيرًا، وهذا لا يروقها في ذلك الوقت تحديدًا وهي غاضبة منه، فقالت بنفيٍ ولهجةٍ غاضبةٍ وصوتٍ عالٍ نسبيًا: _ لا طبعًا! أنا كنت همــ,,ـوت من القلق عشان غرام وكارما، مش عشان حد تاني! رفع إحدى حاجبيه قائلًا بلهجةٍ محذّرة: _ صوتك يا كاميليا. زادت كلمته من غضــ,,ـبها، لكنها خفّضت صوتها قائلة:

_ تحب أخرس خالص بدل صوتي مضايقك؟ أجابها بهدوءٍ وهو يُجاهد ليخفي ابتسامته: _ وبعدين؟ _ صالحني. خرجت الكلمة من فمها باندفاعٍ وغضــ,,ـب، فصُدم من حديثها، وحين أوشك على إجابتها بادرته قائلة: _ ومتقوليش “عملتِ إيه”، عشان إنت عارف عملت إيه زعلني! أنهت كلمــ,,ـاتها ثم توجهت إلى الداخل، فما كادت أن تخطو خطوتين حتى تسمرت في مكانها بفعل ندائه الغاضب: _ كاميليا! لم تلتفت حتى لا يرى مقدار تأثيره عليها، لكنها ظلت ثابتة في مكانها، لتأكل أقدامه الخطوات الفاصلة بينهما، وتمتد يداه لتقــ,,ـبض على معصمها بشدة، ثم أدارها نحوه قائلًا بصرامة:

_ أول وآخر مرة نبقى واقفين بنتكلم وتسيبيني وتمشي… فاهمة؟ لم تُجب عليه، فقد كانت تغلي من شدة الغضــ,,ـب، ليُكرر سؤاله هذه المرة بنبرةٍ أعلى: _ فاهمة؟ أجابته بصوتٍ مكتوم، إذ كانت داخليًا تأبى الانصياع لأوامره: _ فاهمة. ضحكةٌ رائعة زينت محياه على هيئتها، ثم رفع يدها إلى فمه واضعًا قبلةً عميقةً عليها، وحاوطها بيده الأخرى ليقربها منه، ثم قال متخابثًا: _ بعد كده لما تزعلي مني، قوليلي بيني وبينك، مش قدام الناس كده… عشان أعرف أصالحك صح.

قال الأخيرة ثم اتبعها بغمزةٍ عابثةٍ أربكتها، ثم أضاف بنفس لهجته العابثة: _ بس برضو ما يمنعش إني أصالحك نصّ صلح كده… لحد ما نبقى لوحدنا. أنهى كلمــ,,ـاته واقترب منها، فتراجعت على الفور قائلةً بلهفة: _ يوسف، اعقل! إحنا قدام الناس! زاد من اقترابه منها وهو يقول بعبث: _ والله أبدًا، لازم أصالحك، ميرضنيش تفضلي زعلانة كده. أجابته بلهفة وقد كانت ملامحها تقطر خجلًا: _ أقسم بالله عمري ما فكرت أزعل منك. قهقه على مظهرها ووجنتيها اللتين غزاهما الاحمرار، وقال من بين ضحكاته:

_ جبانة! مش قد اللعب، متلعبيش… وبرضو لما نروح هصالحك، ما يرضنيش زعلك أبدًا. أنهى كلمــ,,ـاته ثم أخذ يدها وتوجها إلى الداخل. وما إن وصلا إلى الطابق الذي تقع فيه غرفة كارما — التي أصرّ مازن على إجراء بعض الفحوصات لها ليطمئن عليها — حتى وجدا ذلك الخروج العاصف لأدهم الذي كان لا يرى أمامه. كان مظهره يوحي بأنه على وشك ارتكاب جريمة، فقالت كاميليا بلهفة: _ في إيه يا يوسف؟ أدهم شكله كده ليه؟ تكون غرام حصلها حاجة؟

تفهم يوسف حالة شقيقه، فهو يعلم بأن رامي جاء إلى المشفى، فاقترب منها ليطمئنها قائلًا: _ متقلقيش، مفيش حاجة، غرام كويسة. ادخلي إنتِ عند كارما ومازن، وهما ياخدوكي عند غرام، وأنا هروح أشوف ماله. لم يكن مظهره يسمح لها بالجدال معه، فاكتفت بهزّ رأسها إيجابًا وتوجهت إلى داخل الغرفة. ********* من المُؤلم أن تُغادر وطنًا كنت تظنه لك، وأن تترك خلفك جزءًا منك يسكن طرقاته وزواياه. لكن الأشد وجعًا، أن يأتي بك الحنين جرًا لتعود إليه، فتجده لم يعُد لك. بل صار موطنًا لغيرك. حينها فقط تدرك معنى أن يأكلك الندم حيًا.

نورهان العشري شعر أدهم وكأن حديث علي وكلمــ,,ـاته طعــ,,ـناتٌ نافذة غُرزت داخل قلبه، لكن أكثر ما آلمه واعتصر فؤاده من الداخل هو وجود ذلك الرجل إلى جانب حبيبته؛ فقد كان على حافة الجنون. كيف يمكن لرجلٍ آخر أن يكون بجانبها في هذا الوقت؟ هو فقط يشتعل من مجرد أن يراها أحد، فكيف بوجود ذلك الغبي بجانبها بصفته خطيبها؟

تلك الفكرة كادت أن تــ,,ـه، فقد كان يمشي هائمًا على وجهه، لا يرى ولا يسمع كل تلك الأبواق التي انطلقت من السيارات التي كانت تعبر الطريق الذي قطعه دون النظر حوله، فتوالت عليه اللعنات والسباب من الناس حوله، لكنه كان كمن فقد عقله. هناك ألمٌ شديد على يساره، قادرٌ على إنهاء حياته في تلك اللحظة، ليظل في طريقه إلى أن وصل إلى شاطئ البحر. فأخذ ينظر إليه، تسبقه مياهُ عينيه التي انهمرت بشدة، وأخذ يهذي بكلمــ,,ـاتٍ غير مفهومة وهو يعتصر رأسه بين كفيه قائلًا بهستيريا:

_ لا يا رب، لا… أنا مش هستحمل كده، أبدًا… لا… لاااااااااااااا… أوقف هذيانه يدُ يوسف التي امتدت، وأدارته إليه بعد أن جفَّ حلقه من كثرة النداء عليه، عندما رآه يعبر الشارع بتلك الصورة الهمجية، فقد علم أن مقدار وجع أخيه قد تخطى حدود المعقول، ليقول بصوتٍ جهوري: _ أدهم! في إيه؟ وإيه اللي عامِل فيك كده؟ نفض أدهم يد يوسف عنه وقال بقلبٍ ممزقٍ وصراخٍ جَرَح أحباله الصوتية: _ بمــ,,ـوت يا يوسف… بموووت! ذُعِر يوسف من مظهر شقيقه الرث، وتلك الحالة التي كان عليها، فهو في حياته لم يره ضعيفًا مجروحًا هكذا، ليقترب منه قائلًا بمواساة:

_ اهدى يا أدهم وفهّمني… في إيه؟ إيه اللي حصل وخلاك في الحالة دي؟ قال أدهم بانهيارٍ تمزق له قلب يوسف: _ اللي حصل إني حيوان… ضيّعت مني الحاجة الحلوة الوحيدة في حياتي. ضيّعتها يا يوسف… ضيّعت غرام من إيدي، والنتيجة؟ إني بمــ,,ـوت هنا… والحيوان ده قاعد فوق معاها! هو له الحق يكون معاها وأنا لأ؟ له الحق يشوفها ويطمن عليها وأنا لأ؟ عرفت ليه بمــ,,ـوت؟ أضاء عقل يوسف بفكرةٍ اقشعرّ لها جسده، فطالعه بنظرةٍ تحذيرية وقال بجفاء:

_ وانت عملت إيه يا أدهم عشان تخليها تضيع من إيدك وتبقى لغيرك؟ صمت أدهم، وتولت عيناه الإجابة، وملامح وجهه التي يأكلها الندم، فاقترب منه يوسف ممسكًا بتلابيبه قائلًا من بين أسنانه: _ أوعى يكون وسّخت معاها يا أدهم! وإلا هكون أنا اللي ممــ,,ـوتك بإيدي! أسدل أدهم كتفيه بانهزامٍ، ونكّس رأسه قائلًا بقهر: _ مقدرتش… والله ما قدرت أعمل فيها كده. _ مقدرتش! يعني حاولت؟ حاولت تأذيها يا حيوان؟!

أنهى حديثه بكلمةٍ قاسية من يده اليمنى سقطت على خد أدهم الأيسر، فحطمته دون أدنى مقاومةٍ منه، وعندما أوشك أن يلكمه مرة ثانية وجد يد مازن التي امتدت تمنعه من تحطيم وجهه، فهو — بنظره — قد تخطى جميع الخطوط الحمراء. تدخل مازن بينهما، وقام بتخليص أدهم المستسلم تمامًا من يد يوسف الغاضب بشدة، وهو يقول في محاولةٍ لتهدئة ذلك الثور الغاضب: _ اهدى يا يوسف! مش شايف حالته؟! تحدث يوسف صارخًا: _ ده عايز الحــ,,ـرق بالنــ,,ـار! يستاهل كل اللي يجراله!

_ خلاص يا يوسف، الكلام ده لا وقته ولا مكانه! تحدث مازن بغضــ,,ـب، ليجيبه يوسف وقد هدأت نبرته لتتحول من غاضبة إلى ساخرة: _ الكلام خلص خلاص… عارف يا أدهم؟ الضــ,,ـرب خسارة فيك! أنا هسيب نــ,,ـارك اللي هنا دي تحــ,,ـرقك، وهو ده العقاب اللي تستحقه. وضــ,,ـرب بيديه موضع قلبه الذي يدق بجنون، ثم أنهى كلمــ,,ـاته وتحرك إلى داخل المشفى وهو يلعن أدهم في داخله، ثم وقف بعد بضع خطوات والتفت قائلًا بلهجةٍ صارمة: _ ومن النهارده أنا اللي هقفلك لو فكرت تقرّب لها خطوة واحدة!

هنا خرج أدهم عن شعوره، فها هو سدٌّ آخر قد بُني بينه وبينها، فصرخ قائلًا بانفعال: _ مش هتقدر يا يوسف! محدش هيقدر يقف بيني وبينها! ليجيبه يوسف بنفس لهجته بل أعلى: _ لا، هقدر يا ابن الحسيني! أصلًا لو كنت أعرف اللي عملته ده، عمري ما كنت آمنتك عليها لحظة واحدة! بس غلطة وهتتصلّح، وطول ما غرام هنا… إياك تقرّب من المستشفى، فاهم؟ كان أدهم على وشك الصراخ حين تدخل مازن مانعًا إياه من الحديث، قائلًا بصرامة:

_ ما تهدى بقى يا أخي! إيه فاضل إيه غلط ما عملتوش؟ حتى يوسف اللي كان ممكن يساعدك بقى ضدك! بطل أسلوبك الهمجي ده بقى! ثار أدهم مرة أخرى وقال بقهر: _ مش سامع بيقول إيه؟! _ لا، سامع ومتوقّع هيقول إيه لما يعرف عملتك المهبّبة دي! وأوعي تفكر إن عشان واقف معاك، إني موافقك. أنا بس مُشفق عليك، وعارف اللي مريت بيه قبل كده، ولولا كده كنت كسرت دماغك الشمال دي! يأس من الحديث، وقد شعر بأن كل العالم اتّحد ضده وأخذ يحاسبه على فعلته النكراء، ليقول بإحباط:

_ والحل إيه دلوقتي؟ أنا همــ,,ـوت يا مازن… همــ,,ـوت! هاين عليّ أطلع أــ,,ـ رامي ده وأشدّها من إيدها وأقولها: “إنتِ بتاعتي أنا… حبيبتي أنا… ملكي أنا وبس!” صمت لثوانٍ، يفرك وجهه بتعبٍ قبل أن يُضيف بقهر: _ أنا لو فضلت على كده ممكن يا أرتكب جناية يا أمــ,,ـوت من القهرة. زفر مازن حانقًا من ذلك المجنون وقال من بين أسنانه: _ ممكن تهدى عشان نشوف هنتصرف إزاي؟ وخصوصًا مع يوسف اللي أول واحد هيقف في وشّك، وممكن يطرّبق الدنيا على دماغك، ومش هيهمه أي حد ولا هيعمل اعتبار لأي حاجة!

أمسك أدهم رأسه، وأخذ يدور حول نفسه وهو لا يدري ما عليه أن يفعل، ليقول بيأس: _ أنا مش هقدر أصبر لحظة واحدة، والحيوان ده قاعد معاها فوق! أنا هطلع أطير رقبته وأخلّص منه! أنهى كلمــ,,ـاته ثم خطا مهرولًا إلى المشفى، لتوقفه يد مازن ما إن خطا بضع خطوات، وهو يقول بغضــ,,ـب: _ الله يخرب بيتك! بطل جنان بقى! هتودينا في داهية! علي بس اللي معاها فوق! التفت أدهم ونظر إليه بارتياب ثم قال مستفهمًا:

_ بجد يا مازن؟ ولا بتقول كده عشان أهدى؟ تحدث مازن بحنق، فقد ضاق ذرعًا بحماقته، ليقول بنفاد صبر: _ والله ما بكذب عليك! روّحت أودي كاميليا وكارما عندها، لقيتها فاقت وقاعدة مع علي. جيت جري ألحقك لما كاميليا قالت لي على شكلك وإنت خارج، وعلى فكرة، شكل علي ما كانش يطمن لما شفته. علي لو شمّ خبر عن اللي كان بينك وبين أخته، هو اللي هيطير رقبتك بجد! استكان أدهم، وسرعان ما هدأت ضــ,,ـربات قلبه تدريجيًا عندما سمع حديث مازن، وهو أن ذلك الرجل ليس بجوارها، ليتنفس الصعداء قائلًا:

_ متقلقش، مش هيعرف حاجة خالص… أنا بس عايزك تساعدني وتقف جنبي، وأنا هصلّح كل حاجة عملتها. لوى مازن شفتيه ثم قال بامتعاض: _ وأنا المفروض أساعد جنابك إزاي؟ قال أدهم بغموض: _ هقولك. *********** أفتقدك رغم يقيني التام بأنك لم تكن لي يومًا ، لكنّ هناك جزءًا صغيرًا بداخلي لا يخجل من الاعتراف بأنك تنتمي إليه نورهان العشري _ غرام، انتِ بتقولي إيه؟_ ارتبكت غرام قليلًا، فهي كانت مستيقظة منذ دخول علي، لكنها تظاهرت بالنوم، فلا طاقة لها على الحديث. إلا أن الكلمــ,,ـات سرعان ما خرجت من بين شفتيها عندما وجدت رامي ما زال متمسكًا بها.

_ كلامي واضح يا دكتور رامي، أعتقد إنك كنت مديني وقت أفكر وأردّ عليك، وأنا دلوقتي بقولك: أنا آسفة، أنا فعلًا اتسرعت لما وافقت على خطوبتنا، لو سمحت يا ريت تفهمني._ هزّ رامي رأسه متفهمًا، وقد شعر بأنه وضع نفسه موضع الأحمق حين أقحم نفسه في تلك العلاقة، فحتى وإن كابرت غرام، فهناك شعور كبير تكنّه بداخلها لذلك الرجل، وهذا ما أغضــ,,ـبه، فقد كان يريد الانتقام منه لتطاوله عليه بالمشفى، لكنه لا ينكر أن هناك شعورًا قويًا بداخله تجاه تلك الفتاة، إلا أن كرامته أغلى بكثير.

تحمحم رامي ووجّه أنظاره إلى علي الذي كان يتابع الموقف بصمت تام. _ تمام يا علي، كل شيء قَسَمة ونصيب، وأنا بنسحب من حياة غرام، بس قبل ما أمشي، عايز أوضّح نقطة واحدة. أنا ما سبِتكمش ورُحت مع كاميليا عشان أنا واطي أو غير أمين على أختك! أنا رُحت عشان دا واجبي، وكاميليا دي حالتي وأنا الدكتور بتاعها، ومكنش ينفع أسيبها._ وافقه علي الرأي وقال بتأييد:

_ عندك حق، دي حالتك وده واجبك، بس واجبي تجاه أختي يخليني أديها للإنسان اللي يسيب الدنيا كلها ويجري عليها لما تكون محتاجاه. واحد تكون هي رقم واحد في حياته، واعتقد إنك مش الإنسان ده، عشان كده بقولك: فرصة سعيدة يا دكتور رامي، واتشرفت بمعرفتك._

أنهى علي كلمــ,,ـاته التي وضعت الحقيقة أمام رامي ليدركها بعد فوات الأوان، ناظرًا إلى يد علي الممدودة ليصافحه بصمت، ثم غادر الغرفة دون أن ينظر خلفه. لم يلحظ تلك التنهيدة التي خرجت من جوف غرام بارتياح، فقد كان كابوس رامي أكبر من كابوس اختطافها. لم تلحظ تبدل ملامح علي الذي اقترب من سريرها، جاذبًا الكرسي ليجلس بجانبها قائلًا بنبرة ذات مغزى: _ ياااه، رامي كان تقيل على قلبك أوي كده؟ أومّال وافقتي عليه ليه من الأول يا غرام؟_

ارتبكت كثيرًا من حديث علي ونظراته الثاقبة، فلم تجد ما تقوله فخفضت رأسها، والندم يأكلها من الداخل. شعر علي بما يدور بداخلها، فقرر تغيير الحديث قائلًا بنبرة حانية: _ عاملة إيه دلوقتي؟_ _ الحمد لله._ _ في حاجة بتوجعك؟_ هزّت رأسها نافية، فمدّ يده وأمسك بيدها قائلًا بحنان: _ باصّة لتحت ليه؟ بصّيلي._ رفعت غرام رأسها تطالعه بنظرات يكسوها الندم، فبادرها علي قائلًا: _ زعلانة عشان رامي؟_ _ زعلانة عشان انت زعلان مني يا علي._

خرجت تنهيدة قوية من جوفه، اتبعها بحديثٍ شقّ قلبها إلى نصفين: _ من يوم ما بابا الله يرحمه مــ,,ـات، وأنا باعتبرك إنتِ وكارما بناتي. بفهمكوا من نظرة عينيكوا، وحاولت على قد ما أقدر أعوّضكم عن حنان الأب. كنت بدلعكوا وعمري ما قسيت عليكم، عندي استعداد أعمل المستحيل عشان أشوفكم مبسوطين وفرحانين، حتى لو على حساب نفسي. كنت دايمًا بوقف قدام ماما لما تزعل واحدة فيكم أو تقسى عليها، لكن مش معنى كده إني غبي يا غرام، ولا معنى إني بديكم المساحة والحرية إنكِ تستغفليني._

قاطعته غرام بلهفة: _ علي…_ إشارة واحدة من يده كانت كفيلة بجعلها تبتلع حروفها، خاصة عندما أكمل حديثه الذي أصــ,,ـابها في الصميم: _ الحب مش عيب يا غرام، ومحدش يقدر يحاسب حد على مشاعره، بس الإنسان بيتحاسب على تصرفاته، وتصرفاتك الفترة اللي فاتت أكدت لي إنك مش مسئولة. حسّستيني إني كنت غلط لما وثقت فيكِ زيادة._

هطلت العبرات من عينيها، فقد كان أصعب شيء عليها أن تتسبب في حزن أخيها الذي كان بمثابة الأب لها. هو الذي فعل المستحيل لتوفير كل ما تحتاجه، ماديًا ومعنويًا، ولم يشتكِ يومًا. كان نعم الأب والأخ والصديق، لا يستحق منها أن تطعــ,,ـنه في ظهره بهذه الطريقة، لكنها أخطأت، وعليها أن تدفع الثمن، حتى لو كان غاليًا جدًا على قلبها، وهو خسارة ثقته بها. لم تستطع سوى أن تتمتم ببعض عبارات الأسف التي لم تغيّر شيئًا من ملامحه الجامدة ونظراته الحزينة، لينتصب واقفًا قائلًا بجمود:

_ مفيش حد فينا ما بيغلطش، بس الأهم إننا نتعلم من غلطنا ونحاول نصلحه، وما نصححش الغلط بغلط أكبر، وما نبقاش فريسة لانفعالاتنا ونزواتنا. حمد الله على سلامتك._ أنهى حديثه ثم توجه إلى الخارج، فما إن فتح باب الغرفة حتى وجد

انت في الصفحة 6 من 6 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى