ظلت مي تتأفف وهي تنهض من الفراش فهي لم تستطيع النوم طيلة الليل لا تعلم السبب بررت لنفسها أن من الممكن أن الفراش غير مريح ولكن سابقًا كانت تنعم بنوم هنيء به، زفرت في ضيق وهي تفتح خزانتها تبحث عن ملابس آخري ترتديها لتستقر زيتونتها على ذلك الصندوق الخشبي المزخرف الصغير التي كانت تدسه بين ملابسها، هدئت ملامح وجهها وهي تتحسسه باشتياق وتسحبه بحذر من مكانه وكأنه أثمن ما لديها لتجلس على الفراش وتقوم بفتحه و تتلامس محتوياته ببسمة هادئة قبل أن تسحب تلك الرسالة المطوية تمرراناملها على الأسطر وكأنها تلامس ملامح صاحبها ذلك الذي فارقها منذ زمن بسبب تسلط أبيها
ورفضه له الى أن سأم وغادر البلاد ليرغمها أباها من الزواج بابن عمها هاشم حتى يحافظ على ملكياتهم ومصالحهم المشتركة تعلم أن هاشم شخصية حنونة ويعشقها حد الجنون ولكن هي لم تتخطى شعور الاعتياد عليه، نفضت افكارها وهي تعيد الصندوق مكانه بعد ما استمعت لصياح والدتها: – قومي يا مي اتأخرتي على شغلك يا بنتي -حاضر يا ماما انا صحيت اهو عشر دقايق وجايه ارتدت ملابسها السابقة بتأفف وخرجت تتناول الفطور مع والدتها، ثم انحنت بجذعها وقبلت جبين والدتها وجلست مقابل لها وهي تلقي عليها تحية الصباح:
-صباح الخير ياماما اجابتها هنية ببسمة حانية: -صباح الخير شكلك ما نمتيش كويس وشك تعبان ردت مي وهي تشرع في الأكل: -لا ابدًا نمت…عادي يا ماما عقبت هنية بشك: -بطلي يا مي انا حفظاكِ انا طول الليل شايفة نور اوضتك والع ردت مي بلامبالاة: -يمكن علشان مغيرة مكان نومي اللي اتعودت عليه ردت هنية بتهكم: -ويمكن علشان جوزك مش جنبك؟ حانت من مي بسمة مستخفة ساخرة واستنكرت: -جوزي ايه بس يا ماما ده أنا ما صدقت يوم اترحمت منه ده بيفضل مكلـ. .بش فيا طول الليل كاتم على نفسي
ابتسمت هنية واردفت: -هاشم طيب وبيحبك وبعدين مش احسن ما يديكي ظهره زي باقي الرجالة ده أنتِ مفترية ده بيتمنالك الرضا ترضي تأففت هي بضجر: -ماما الله يخليكي متبتديش بالأسطوانة اللي انا تقريبًا حفظتها عقبت هنية بضيق: -انا غلطانة إني بوعيكي يابنتي علشان خاطر ربنا نفسي تريحي قلبي قبل ما امــ . ــوت و اشوفلك حتة عيل اعترضت على حديث والدتها وهي تقلب عيناها بملل: -يووه تاني السيره دي قولتلك انا مش بفكر في الموضوع ده دلوقتي لسه بدري
زجرتها هنية بنظراتها الغير راضية هادرة: -بدري…ده انتوا متجوزين من خمس سنين هتفضلي تأجلي لغاية امتى جوزك من حقه انه يبقى اب ليه حرماه وحارمة نفسك، هو لو ساكت فعلشان بيحبك فاض الكيل بها فشعرت بغصة مريرة تتكون بحلقها وهي تصف معناتها: -مش عايزة …مش عايزة اجيب عيال منه يا ماما ارتحتي مش بحبه وانتِ اللي فرضتيه عليا انتِ وبابا الله يرحمه علشان مصالحكم بعد ما رفضتوا الراجل الوحيد اللي…صفعة قوية قطعت حديثها الناقم من يد والدتها، فكانت مصدومة تضع يدها على وجنتها وهي تطالع نظرات التحذير من والدتها أثناء صراخها:
– أخر مرة اسمعك تقولي كده انتِ فاهمة خسارة تربيتي فيكِ…عارفة لو متصلحش حالك يا مي ورجعتي لجوزك وراضيتي بعيشتك ونصيبك لا انتِ بنتي ولا عايزة اعرفك وتنسي أن ليكِ أم من الأساس نظرت مي لها نظرة مطولة بعيون تجمع الدمع بها ولكن كعاهدتها أبت اطلاق سراحها، ثم بكل ثبات سحب حقيبتها وانصرفت دون التفوه ببنت شفه. ——————– في قصر العزازي كان يجلس صقر برفقة والدته يتناولون الفطور بصمت مريب لتقطع هند هذا الصمت وهي تطالعه يتفحص الجريدة باهتمام:
-وبعدين هتفضل تتجنبني كده كتير تنهد وهو يلقي بالجريدة جانبًا وأجابها: -مش بتجنبك يا امي انا بس بحاول استوعب الوضع الجديد -الموضوع مش مستاهل يا صقر ابتسم ورد ساخرًا وهو ينهض: – فعلًا عندك حق مش مستاهل لتتحدث هند بنبرة ودودة مصطنعة تحاول استعطافه بها: – كده برضو يا صقر بتزعلني وتعلي صوتك عليا زفر صقر بضيق وهو يميل عليها يقبل يدها قائلًا: -حقك عليا يا امي انا بس خدت على خاطري انك مخديش رأي في جوازك
ردت هند بتبرير وهي تطالعه مصطنعة التأثر: -انا عملت كده علشانك يا حبيبي انت ابني اللي طلعت بيه من الدنيا بعد ما استحملت ذل وهوان ابوك ليا جاي دلوقتي تعترض على قراراتي اغمض عينه بضيق فهي تذكره من جديد بقسوة أبيه وتحمله هو اعباء ماضي أليم بالنسبة لها ليستأنف بعدما تفوقت في أن تجعل الندم يتسلل إليه: -انا اسف يا امي حقك عليا ليلثم جبينها بحنان ويستطرد قائلًا: – انا همشي علشان اتأخرت -استني انت رايح فين مش هتستني فدوة تصبح عليها دي بقالها كذا يوم ماشفتكش انت ليه مش بتهتم بيها دي كلها كام يوم وتبقي مراتك
تنهد صقر ورد عليها مبررًا: – الايام دي مشغول عندي مشروع جديد أخد كل وقتي لتهدر هند بتحكم: -ok يا صقر ياريت بعد ما تفضي تحضرو لفرحكم كفاية كده بقالكم سنتين مخطوبين أومأ بتفهم وهو يستمع لحديثها المتسلط فهي من فرضت الأمر عليه؛ هو لا يعيب ابدًا ببنت خالته التي تربت امام عينه بعد وفـ . ـاه والديها بالعكس فهي حنونة ومسالمة وغير ذلك تتفهمه ولا تتحامل على مشاعره ولكن شعوره نحوها هو الارتياح والتفهم فقط، قطع افكاره تدلي فدوة من الدرج بطلتها البسيطة التي تبعث الراحة للعين وتلك الابتسامة المشرقة تعتلي ثغرها تتحدث بهدوء:
-صباح الخير ردو التحية بود لتستأنف هي : -انا حظي حلو اني شوفتك قبل ما تخرج يا صقر ابتسم لها وهو يربت على يدها ورد بنبرة هادئة: – انا حظي احلي… رايحة فين وايه الحلاوة دي ابتسمت بخجل على اطرائه فهو نادرًا ما يفعل وردت: -مرسي يا صقر… ليربت على ذراعها بحنان وهو يطالع خجلها لتستأنف هي: – كنت رايحة السنتر في زبونة عايزة تصميم النهاردة ولازم انا اكون موجودة بنفسي قاطعتهم هند بتهكم: – والله ما انا عارفة ايه لزمت الزفت السنتر ده فيها ايه يعني لو اشتغلتي مع صقر
ردت فدوة مبررة: -انا حابة ابني اسمي لوحدي وبعدين السنتر بيسليني يا خالتو مش احسن من قعدة البيت انتِ عارفة انا بحب التصميم أد ايه تحدث صقر وهو يطالع ساعة يده: – طيب انا اتأخرت لازم امشي تحبي اوصلك يا فدوة -لا يا صقر شكرًا انا هاخد عربيتي علشان هروح اشوف مي الأول أومأ لها وهو يطبع قبلة حنونة على جبهتها وانصرف بتعجل كعادته بينما تنهدت وهي تسحب المقعد وتجلس لتناول الفطور و تلاحظ نظرات خالتها المتفحصة التي صحبتها بحديثها المتعالي وهي تشملها من رأسها لأخمص قدمها:
– انا زهقت منك لغاية امتى هقولك طوري من لبسك بذمتك ده منظر يليق بخطيبة صقر العزازى ابتلعت ريقها بتوتر وهي تطالع هيئتها وتحدثت بثقة زائفة: -ماله لبسي يا خالتو انا بحب الاستيل البسيط ده ومش هغيره عقبت هند بتكبر لم يروق لفدوة يومًا: -انتي عايزة تنقطيني دي الشغالة بتاعتي اشيك منك تنهدت فدوة بضيق وهي تطرق برأسها: -على فكرة يا خالتو البني ادم مش بلبسه لتهتف هند وهي تقلب عيناها بسام : -انتِ حرة انا عايزة مصلحتك اعملي حسابك الفرح قريب انا كلمت صقر وهو وعدني
اومأت فدوة لها بتفهم وببسمة باهتة لم تصل لعيناها تدل على أنها مسلوبة الإرادة ولا تستطيع المعارضة ثم نهضت بعد أن فقدت شهيتها بالكامل وهمت بالانصراف دون إضافة شيء يذكر. ——————- توقفت بسيارتها أمام المشفى وهي تحاول أن تستعيد ثباتها فتلك الصفعة كانت كافية لتؤلم قلبها وتزلزل كيانها، ترجلت من السيارة وهي تأخذ نفس عميق محاولة منها أن تسترد تلك الثقة المزعومة ثم تقدمت بخطوات غرورة الى مكتبها وإن ولجت ارتمت على المقعد شاردة الى ان اتاها طرقات خافتة انتشلتها من أفكارها، لتستقيم بجلستها وتأذن للطارق بالدخول إذا بفدوة تهتف وهي تشرأب برأسها:
-ممكن اعطل الدكتورة المبجلة شوية رحبت مي بها: -تعالي يا فدوة وحشتيني نهضت وتقدمت منها وحــ . ــضنتها بود فهي صديقة طفولتها التي لم تؤثر على صداقتهم مرور السنوات رغم اختلاف طباعهم لتستأنف فدوة بعد ما طالعت وجهها بقلق: – شكلي جيت في وقتي مالك شكلك متضايقة! ردت مي باستنكار تدعي الثبات: -مليش عادى متشغليش بالك لتجلس على مقعدها وهي تتهرب بنظراتها من صديقتها لتتأفف فدوة وهي تنهرها: -مش عليا انا حفظاكي قوليلي في ايه ؟
تنهدت مي وتحدثت بضيق فلا مفر من نكرانها فصديقتها تعلمها تمام المعرفة: -شديت مع ماما قبل ما أجي -طب وايه الجديد انتم علطول مش بتتفقو ردت مي بحنق: – الجديد أنها مدت ايدها عليا شهقت فدوة بتفاجئ وتسائلت : – عملتي ايه اوعي تكوني…لتقاطعها مي بحدة فهي تعلم ما ترمى إليه صديقتها بالحديث: -قولتلها…يا فدوة على اللي في قلبي قولتلها همهمت فدوة تؤنبها: -ليه كده يا مي إحنا مش قفلنا الموضوع ده من زمان هدرت مي بسخط :
-ده بالنسبالكم أما انا عمري ما هنسى تنهدت فدوة بقلة حيلة فهذه المرة الألف التي تحاول أن تقنعها: – يا مي… هاشم مش وِحش والله ده بيحبك انتِ محاولتيش تدي لنفسك فرصة تحبيه وبعدين خلاص مازن حكايته خلصت مستحيل يكون قاعد على ذكراكي، حاولي يا مي تقربي من جوزك وتتقبليه وتشيلي الكلام ده من دماغك لتنهض مي وتتحدث بعصبية متسرعة تشبه القطار في إندفاعه: – يووه بدل ما تنصحيني وتعمليلي مُصلحة اجتماعية قولي الكلام ده لنفسك
ابتلعت فدوة ريقها بتوتر وهي تتمسك بالقلادة المحاوطة عنقها بقوة وكأنها تستمد منها الثبات وهمست: – انتِ قصدك ايه؟ ضحكت مي بسخرية قالت دون أن تعير وقع حديثها على صديقتها: -قصدي انتِ عايشة على وهم كبير مخطوبة لواحد وقلبك مع واحد تاني رماكي من غير حتى ما يديكي مبرر واحد ورغم ده لسه بتحبيه بأمارة السلسة بتاعته اللي عمرها ما فارقتك فكراه هيرجعلك راكع بعد ما محاكي من حياته باستيكة…غبية قبل ما تلوميني لومي نفسك
كانت تستمع لها والدموع متحجرة بعيناها فهي محقة في كل حرف تفوهت به رغم قسوة الكلمات التي أصابت صميم قلبها إلا أنها ردت عليها مطصنعة الثبات:
-انتِ عندك حق فكل كلمة قولتيها انا غبية بس انا معنديش الجرأة اللي عندك علشان اقف قصاد خالتو وقولها انا مش هتجوز صقر مقدرش انا مش ناكرة للجميل انا عارفة اني جبانة بس غصب عني الست دي هي اللي ربيتني بعد مــ . ــوت ابويا وامي وصقر عمره ما قصر معايا في حاجة عايزاني اعارضهم وهما ليهم فضل عليا واللي انتِ بتقولي عليا لسه بحبه ده لو أخر راجل في الدنيا مستحيل ابقى ليه عارفة ليه علشان عمره ما حبني لو كان حبني مكنش خرجني من حياته وكأني نزوة رخيصة من نزواته
كانت تتحدث ودموعها منهمرة دون وعي منها وكل كلمة تتفوه بها تطــ . ــعن في قلبها لترفع يدها الى وجهها وتمسح دمعاتها وتستأنف: -شكرًا يا مي انك وجهتيني بالحقيقة اللي طول عمري بخاف اوجهها حتى بيني وبين نفسي لتضيف بنبرة مرتعشة تقاوم انهيارها الوشيك: -انا همشي علشان معطلكيش اكتر من كده أغمضت مي عيناها بندم وهي تتمسك بذراعها فهي تداركت بشاعة ما تفوهت به وتحدثت بتقريع ضمير: -اسفة والله اسفة يا فدوة انتِ عارفة لما بتعصب ببقي مندفعة
وبعك في الكلام ابتسمت فدوة بسمة ممزقة بحزن بَين وهي تجيبها: -عادي…محصلش حاجة انا بس اتأخرت على السنتر… سلام ذلك أخر ما نطقت به قبل أن تنصرف تاركة مي تلعن تسرعها واندفاعها الذي يُحزن من حولها ويتسبب في تقريع ضميرها بكل مرة وتندم عليه. ——————–
