استيقظت بنشاط في صباح اليوم التالي عازمة الذهاب لعملها فهو مصدر رزقها الوحيد ولاتريد التقصير به حتى لا تطرد كما كان يحدث معها بالسابق في كل عمل بسبب تسلط ابيها ومنعها… ارتدت عبائتها الفضفاضة التي تخفي جسدها الممشوق بعيدًا عن عيون جنــ .
ــس الرجال التي تمقتهم ولفت وشاحها حول رأسها بإحكام و بعد أن أحضرت الفطور لشقيقتها انطلقت بخطوات متعجلة الى عملها وبعد وقت قليل من السير على اقدامها وصلت الى ذلك المصنع القابع بالقرب منهم لتلقي رئيس العمال ويدعي عوض رجل اصلع وجسده ممتلئ في العقد الرابع من عمره ولكنه وقح ويتمادي مع عاملات المصنع الذين اغلبهم يلتزمون الصمت حفاظًا على لقمة العيش حتى ولو كانت مغموسة بالذل فهم بأمس الحاجة إليها.
تقدمت منه تلقي تحية الصباح عليه بجمود ولا مبالاه وهي في طريقها للداخل:
-صباح الخير يا عم عوض استوقفها بيده بجرأة وتحدث وهو يمر بنظراته المقززة عليها:
-صباح العسل يا فتون مش ناوية تحني علينا
ردت فتون بحدة وهي متمسكة بجمودها :
– نعم يعني ايه يا عم عوض احن عليكم مش فاهمة
أجابها عوض بسماجة:
-يابت شغلي دماغك معايا وانا ارقيكِ وانغنغك فلوس
لتشهق بقوة بعد فهمها لحديثه المبطن وتهتف بشراسة وهي تضع يدها بخصرها:
– اسمع يا راجل انت، انا محترماك بس علشان خاطر لقمة العيش لكن لو تزودها قسم بالله لكون منسلة شبشبي على دماغك وما هيهمني لا أنت ولا شغلك يا خويا الارزاق على الله ده غير الفضيحة اللي هعملهالك وهفضح و*** عند صاحب المصنع وعليا وعلى اعدائي
ابتلع ريقه بتوتر وزاغت نظراته من تهديدها الصريح له فنبرتها الواثقة تخبره أنها لا تمزح بالمرة وانها ليست لقمة سائغة مثل غيرها ليرد عليها بنبرة مهتزة متراجعة:
– انا بهزر معاكِ يا فتون انتِ طبعك حامي ليه كده ده انا حتي وافقــ . ـــتلك على الورديات الزيادة قولت انتِ احق واحدة بيها لتلوى فتون فمها بسخرية على تراجعه وخوفه الواضح بنبرته وترد:
-ناس تخاف ماتختشيش على العموم تشكر يا عم عوض عن اذنك اشوف شغلي لتهم للعمل وهو ينظر لآثارها بغل فهي انثى شــ . ــرسة ذو لسان لاذع ولا يمكن ترويضها بسهولة ابدًا. بعد مرور ساعات العمل المرهقة التي مرت عليها ببطء مميت جلست هي وصديقتها كوثر في استراحة العمال لتتحدث كوثر بفضول:
– كان بيقولك ايه اللي ما يتسمي يافتون؟
-قصدك عوض -اه ياختي زفت عوض منه لله اللي واكل حقوقنا في كرشه يا ما نفسي اقدم فيه عريضة توديه ورا الشمس ابتسمت فتون وردت:
-بكرة يجيله يوم متستعجليش بس انا مسكتلوش وهو بيستظرف كاالعادة – طب كان عايزك ليه ؟ -بيقولي وافقــ . ـــتلك على الورديات الزيادة فرحت والله يا كوثر اهي حاجة تسند شوية في المصاريف بس ربنا يقويني بقى واعرف اقف قصاد أبويا
تسائلت كوثر بريبة والقلق ينهش قلبها:
-تقفي قصاده ليه تاني يا بت
لتغيم عين فتون بالدمع وهي تتذكر وعدها لشقيقتها و تستأنف بنبرة يشوبها الألم:
– بعد اللي حصل امبارح لازم اقف في وشه وامنعه يستغلني زي الاول لتعقد كوثر حاجبيها:
-هو ايه اللي حصل امبارح وانا ماعرفوش
لتتنهد فتون بحزن وتستأنف بعد نهوضها:
-تعالي هاحكيلك واحنا مروحين لتقص على صديقاتها كل ما مر بها بتلك الليلة المشئوومة.
——————–
استيقظت بوقت متأخر من ساعات النهار الأولى لتتثائب بكسل وهي تحاول النهوض من الفراش ليلفت نظرها تلك الزهرة الحمراء فائقة الجمال وهي تتوسد الوسادة بجانبها ويرفقها رسالة نصية قصيرة سطر عليها تحية الصباح برقة بالغة وبعض الكلمات التي جعلت ابتسامتها تتسع من جرأتها، فقد التقطت الزهرة برفق ومررتها على وجنتها برقة وهمست مخاطبة عقلها:
-هو أزاي كده حنين ورمانسي مع اني علطول كسفاه اففف بقى انا مش عارفة ليه كل حاجة جوايا متلخبطة… نهرت افكارها المتضاربة وهي تهز رأسها مستنفرة:
– اوعي تنسي يا مي هو فرض نفسه عليكِ وحرمك من مازن حبيبك هو السبب في خلافاتي ديمًا مع ماما حتى فدوة خلاني اتعصبت عليها علشان بتدافع عنه هو بيخسرك كل اللي حواليكِ علشان بس تكوني ليه لوحده
تنهدت بقوة بعد ما رسمت بمخيلتها قصة واهية كافية بالنفور منه وتلاشيه لتسترد جمود وجهها وتشرع بالاستعداد للخروج فهي عزمت على مراضاة صديقتها، و بعد بعض الوقت تدلت من سيارتها أمام قصر العزازي لتتقدم بخطى ثابتة للداخل، استقبلتها الخادمة ورحبت بها لتتقدم منها هند بحفاوة قائلة:
-اهلًا اهلًا معقول مي الجارحي بنفسها عندنا ردت مي ببسمة هادئة:
-اهلًا بيكِ يا طنط -نورتي قصرنا اكيد عايزة فدوة مش كده
-اه يا طنط هي مش هنا انا روحتلها السنتر ملقيتهاش
– لا موجودة زمنها نازلة بس ايه الجمال والشياكة دي يا مي متعلمي صحبتك احسن مدوخاني لتحمحم مي مدافعة:
-مالها فدوة يا طنط دي حتى ستايلها بسيط ومفهوش تكلف
-قوليلها يا مي يمكن تقتنع هكذا قاطعتهم فدوة بعد ما التقطت حديثهم عنها لتناظر مي ببسمة تكاد تتمكن منها وتستأنف بطفولية وهي تمط فمها:
-ازيك يا قطر
ضحكة فرت منها أثر ما تفوهت به صديقتها فهي دائمًا تنعتها بالقطار نظرًا لسرعته واندفاعه حتى انه لايتوقف مراعاة لأحد ويدهس من يقف في طريقه
لترد عليها بنبرة نادمة:
-انتِ لسه زعلانة مني يا دودو وحياتي عندك متزعلي انتِ عارفة اني دبش وبعدين انا جيت أهو لغاية عندك اصالحك
لترفع فدوة عيناها بعد ما استشعرت ندمها:
-مقدرش ازعل منك يا قطر
لتتهلل أسارير مي وتحتضنها هاتفة:
– حبيبتي يا دودو كانت تطالعهم بتكلف مبالغ به لتعقب بنزق:
– حصل خير يا بنات فصلت مي عناقهم الودي واستأذنت:
– معلش يا طنط هاخد منك فدوة ونخرج أومأت لها هند بالإيجاب وتحدثت:
-براحتكم بس انا ليا رجاء عندك ردت مي بترحاب:
-أأمريني يا طنط قالت هند بتعالي وهي ترمق فدوة بعدم رضا:
-عايزاكِ تاخدي فدوة وتشتروا شوية هدوم لزوم الجواز
-جواز… رددت كلمتها بعدم تصديق لتطالع فدوة بدهشة وتتحدث انتم حدديتوا معاد الفرح ومقولتليش لترد هند بتحكم متجاهلة تلك الصامتة التي تطالعهم بقلة حيلة:
– اه انا اتفقت مع صقر أن الفرح هيبقى في أقرب وقت لتتبادل نظرات ذات مغزي مع صديقتها الساكنة في خنوع وتستطرد قائلة:
-مبروك يا دودو ربنا يتمملكم على خير
أبتسمت فدوة ابتسامة باهتة لم تصل الى عيناها لتستأنف مي:
– طب بعد اذنك يا طنط علشان نلحق لتسحب فدوة ويسرعون بالخروج.
——————
كانت يطالع بعض الملفات الخاصة بالعمل إلى أن استمع لطرقات قوية على باب مكتبه ليأذن للطارق بالدخول ليأتيه هاشم ويخطو نحوه بغضــ . ــب وينقض يمسكه من تلابيبه:
-هو انا مش قولتلك امبارح تجبلي العربية لازم تتعبني وتجبني المسافة دي كلها وانا عندي عملية كمان ساعة ضحك أكمل ببرود وهو يستند على مقعده بأريحية استفزت الآخر وجعلته يستشط صارخًا به:
– انت بتضحك ليه يا عديم الأحساس
رد أكمل وهو مستمر بالضحك:
– كنت عايزني اعدي الفرصة اني اشوفك متعصب قدامي كده، انت بتحلم -تصدق وتؤمن بأيه انا غلطان اني جتلك اتصل بالزفت المسؤول عن الچراج خليهم يخرجولي العربية خليني اغور بدل ما ابوظلك عينك التانية يا مستفز
وقبل أن ينهي جملته صدح صوت هاتفه ليتناوله وهو يطالع اكمل بقرف ويقول:
-أخلص كلمهم عقبال ما ارد على التلفون
ليبتسم الآخر وينصاع له وهو يهز رأسه ساخرًا لتغير نبرة صديقه من الحدة إلى اللين وهو يرد على زوجته
-صباح الفل والياسمين يا قلبي وحشتيني
ليأتيه ردها باقتضاب مخبرة إياه بتواجدها مع فدوة واحتمالية تأخرها لشراء بعض الحاجيات الخاصة
-تمام خلي بالك من نفسك وسلمي على فدوة
ليغلق الهاتف وهو يتنهد بضيق فسوف يحرم منها بضع ساعات كفيلة بمــ . ــوته شوقًا لها ليرمق ذلك القابع على مقعده وقد تبدلت ملامحه الساخرة للجمود التام وبعد برهة تسائل بفضول بعد ما ألتقط تفوه هاشم بأسم معشوقته:
– مي…مالها كويسة؟
رد هاشم بتلقائية:
-اه كويسة و بتقولي انها هتتأخر علشان بتشتري شوية حاجات مع فدوة علشان الفرح التوى قلبه بين احشائه وغامت عينه بنيران مستعرة وقد تسارعت دقات قلبه باستنفار وهو يردد:
-فرح إيه…فرح مين مش فاهم؟ لعن تسرعه وتمهل برهة قبل أن يرد عليه:
-فرح فدوة وصقر انت نسيت ولا ايه أنهم مخطوبين
كور اكمل يده بقوة وضــ . ـرب بها سطح مكتبه وهو يرمق هاشم بغضــ . ــب كفيل إحراق الأخضر واليابس وهتف بعصبية اجفلت الآخر:
-انا قولتلك الف مرة متجبليش سيرة البني ادم ده
شعر هاشم بزلفة لسانه ورد وهو يحاول عدم الخوض معه بالنقاش:
-خلاص براحتك…انا مش هفتح بوقي ليزفر الآخر بضيق وهو ينهض يواليه ظهره ويتطلع من زجاج نافذته للفراغ بشرود ليستأنف هاشم بعد ما تطلع لساعة يده:
-انا لازم امشي علشان عندي عملية ابقى اشوفك بعدين
ليهم بالخروج بتعجل تارك ذلك العاشق يوبخ نفسه على ضعفه وخضوعه لمشاعره نحوها فبعد كل شيء هي تمتلك كل ذرة به ولا يستطيع أن ينتمي لسواها فكيف تتزوج بآخر وهي تسري بوريده سريان الدماء… فرك وجهه محاولة منه كبح جماح غضــ . ــبه وتناول هاتفه وتحدث لأحد رجاله:
-نفذ اللي قولتلك عليه؟
———————
