توقف عن الضحك و سار نحو الخزانة قائلاً: – عارفة يا بيبي، أنتي الوحيدة اللي بتقدر تعصبني و في نفس الوقت بتخليني أضحك. رفعت شفتيها جانباً بابتسامة ساخرة سرعان ما تبدلت إلي الخوف بل الرعب عندما رأت في يده سلاحاً نارياً. – مالك خوفتي ليه، ده حتي أخوكي ماشاء الله وسع نشاطه و بقي يتاجر فيهم. أشاحت وجهها جانباً قائلة: – و أنا مالي بيه، كل واحد مسئول عن حاله. أقترب منها و جذبها من يدها و دفعها نحو صدره لتلتصق به و أخبرها بـ كبر و تملك:
– لكن أنتي مسئولة مني أنا، أنتي ملك سليم العقبي، صح يا بيبي؟ هزت رأسها بالإيجاب و بداخلها بركان من الدموع يُريد الانفجار، ربما ما يمارسه الآن عليها من ضغط نفسي يجعلها تنهار من جديد و تستسلم للبكاء. انتبهت بجذبه لاحدي يديها و وضع بها سلاحه الثقيل تحت نظرات التوجس و الخوف التي تنضح من عينيها. – أنا ممكن أريحك مني و من التمثيلية دي خالص، بضغطة واحدة بصباعك علي الزناد. غرت فاهها كالبلهاء تحاول إدراك ما تفوه به، همت بالابتعاد عنه تصطنع عدم الاكتراث لما قاله فهي ليست بحمل ضغوط أخري لم يعد لديها طاقة أن تتحمل جنونه.
-أني هاريح لي ساعتين. و قبل أن تتحرك خطوة كان يقيد جسدها بجسده كالعنكبوت الذي يحاوط ضحيته بجميع أطرافه، و ها عاد صوته الأجش مرة أخري بأمر أحمق: -لما أكلمك تقفي تردي و بعدين أنا ما بهزرش. أمسك بذقنها و حدق في ذهبتيها المتلألئة بالدموع الحبيسة و أردف: -أنا عارف أنك مستنية اليوم اللي تتخلصي فيه مني بفارغ الصبر، و أنا بقدملك الفرصة علي طبق من دهب،رصاصة واحدة و تتخلصي من كابوسك الأسود للأبد. حدجته بصدمة بعدما رأت إصراره و جديته من خلال عينيه ذات اللون الأسود القاتم و النظرة الحادة المُرعبة.
دس السلاح بين يديها عنوة صارخاً بها: – مستنية أي، بقولك يلا أقتليني و أخلصي مني، و يكون في علمك دي الفرصة الوحيدة و عمرها ما هاتتكرر تاني أبداً. أشار له بعينه إلي مقدمة السلاح ليخبرها: – و ما تقلقيش المسدس مزود بكاتم صوت، و هاتعرفي تهربي بأي طريقة بعدها، ها مستنية أي! أرتجف جسدها و يديها في قبضته حتي و قع السلاح منها، هبط و التقطته ليعطيها إياه مرة أخري و بصوت كاد يصيبها بالصمم أمرها:
-أخلصي. تعالت شهقاتها و رفعت السلاح لأعلي بتردد، صوت أنفاسها يخترق أذنه، و بكل قوة لديها رمت السلاح ليصطدم بالمرآة التي تصدعت و انكسرت لعدة قطع و فتات. -كفاية بجي. انخرطت في نوبة بكاء عكس تعابير وجهه الذي داهمها شبح ابتسامة يشوبها الغموض، جذبها في عناق قوي، يحتويها بين زراعيه و كأنه أمانها الوحيد، كيف يكون لها مصدر الأمان و هو منبع خوفها و إرهابها طوال الوقت! -خلاص أهدي، مفيش حاجه حصلت تستاهل العياط ده كله.
أبعدت وجهها عن صدره الذي أبتل بعبراتها التي ملأته و قالت: – ما حصلش!، كيف مستهون باللي عتسويه فيا عاد! أخذ يمسح عبراتها بإبهاميه قائلاً بهدوء و كأن لم يحدث شيء: – و ليه ما تقوليش ده كان إختبار صغير مني! كفت عن البكاء و رمقته بصدمة مرة أخري: -و أنت فاكر إن يوم ما أحب أتخلص منك أجتلك! عانقها و أخذ يهمس بجوار أذنها و أنفاسه تضرب عنقها: – لأن مفيش مفر للخلاص مني غير أنك تقتليني يا بيبي، أنا قدرك و نصيبك لحد ما أي حد فينا يموت، الموت الوحيد اللي يقدر ياخدك مني، غير كده مفيش.
ظل ينثر قبلاته التي بدأت ناعمة و تدرجت إلي الحدة ثم أخذت مسار العنف غير مبالي إلي حالتها النفسية السيئة الذي كان هو السبب الرئيسي لها. – بعد عني يا سليم لو سمحت. خرجت من بين شفتيها بصعوبة حتي لا تعود إلي نوبة البكاء، قبض علي خصرها بقوة و قال بتملك: – مش أنتي اللي تقولي أبعد، أنا بس اللي أقول. حاولت أن تخلص خصرها من قبضتيه لكنها محاولة فاشلة: – و أني تعبانة و ما جدراش، بزيداك تضغط عليا، أبوس يدك كفاية بجي.
و بعد أخر كلمة لم تتحمل و أجهشت بالبكاء مما جعله توقف عن ما كان يفعله، أبتعد عنها فجاءة لا سيما عندما تعالي صوت بكائها، تركها و غادر الغرفة قبل أن يخرج وحشه الكاسر عليها صافقاً الباب خلفه. ✿ـــــــــــــــــــــــــــ✿ صوت رنين هاتفها يصدح في أرجاء الغرفة، لم تسمعه سوي عندما فتحت عينيها، ضربت ذاكرتها أحداث ليلة أمس التي لن تُمح من ذكرياتها بتاً. أمسكت بالهاتف و وجدت المتصل والدتها، أسرعت بتبديل وضع الهاتف إلي الصامت، فهي ليست في حالة مزاجية بأن تجيب أو تسرد لوالدتها ماذا حدث أو الذي لم يحدث.
نهضت من فوق الفراش بجهد حيث ما زالت ترتدي ثوب الزفاف، تلفتت من حولها علها تجد أثراً لوجوده و هي تتذكر ليلة أمس… ” بعدما تبادلا أكرم و ندي السلام معها و مع علي الذي وقف مُتسمراً للحظات ينظر إلي ندي و أكرم يحاوطها بزراعه بشدة و تملك، خشيت أن يحدث شيئاً و تفسد ليلتها إذا لم تفسد من الأساس، اقتربت منه و أمسكت بيده، سألت الأخرى و كأن الود بينهما موصولاً: – أومال فين لارا، ماجبتوهاش معاكم ليه.
ضغط أكرم علي عضد ندي كإشارة لها أنه سوف يجيب بدلاً منها، فقال: – لارا عند عمي و حماتي، أصلي أنا و ندي قررنا نعيد الهني مون من أول و جديد، صح يا حبيبتي؟ أومأت الأخرى بشبه ابتسامة و رمقته ثم اشاحت وجهها، فتلاقت عينيها بأعين علي الذي لم يستطع إخفاء نيران الغيرة المُندلعة في عينيه. عقبت مروة و هي تتشبث بيد علي و تظهر تشابك إياديهما أمام أكرم و ندي و بالأخص تقصد الأخرى:
-إحنا كمان بعد الفرح أنا و علي مسافرين، بس برة مصر. نظر أكرم في ساعة يده و قال: – معلش بقي مضطر أستأذن، عن أذنكم. و رمق علي بنظرة يشوبها وعيد مُردفاً: – ألف مبروك يا عريس. رحل و يمسك بزوجته و كأنها ستفر منه لو تركها برهة واحدة، أنتبه علي إلي مروة التي تهز يده قائلة: – علي فكرة مشيو من بدري هاتفضل واقف متنح لأمتي؟ قطب حاجبيه و ألقي نظرة من حوله و بدأ يشعر بالاختناق، رغم الهواء الطلق المحيط بالجميع، أخبرها بأمر و حزم:
– يلا عشان هانروح. أتسعت عينيها تحاول أن تستوعب كلماته، فسألته: – هانمشي ليه؟، لسه بدري الفرح لسه مخلصش و بعدين مش المفروض نطلع علي المطار عشان مسافرين لروما! أطلق زفرة بضيق و أجاب: – كلمة و مش هاكررها، قولت هانروح علي البيت، لو مش عاجبك خليكي قاعدة مع أهلك و قرايبك و أنا ماشي. و لم ينتظر حتي أن يستمع إلي إجابتها و سار، ذهبت خلفه و الحضور ينظر إليهما بتعجب و دهشة، همسات من القيل و القال، بينما هي كانت تلحق به تاركة والدتها و شقيقها اللذان يناديان عليها.
و بالخارج دلف إلي داخل سيارته، صعدت من الباب الأخر إلي الداخل أيضاً، فأنطلق بالسيارة، و في الطريق ظلت تلقي عليه العديد من الأسئلة التي قوبلت منه بالصمت المطبق وولم يكلف عناء نفسه أن ينظر إليها و يري حالتها السيئة و هي تتوسل إليه. و لدي اقترابه من المنزل سألته بصياح: – أنت ليه بتعمل معايا كدة، للدرجدي لسه الهانم مسيطرة علي دماغك و كل ما تشوفها حالة تسوء بالمنظر ده!، قولي هي أحسن مني في أي!، أي عندها و مش عندي!، رد عليا.
صرخت بأخر كلمة فبادلها بصرخة أقوي: – بس بقي، و كلمة كمان و أقسم بالله هرجعك لبيت أهلك حالاً و بعد ما هرمي عليكي اليمين. ابتلعت غصتها و صمتت بوجه محتقن، أكمل قيادته حتي توقف أمام البوابة: -أنزلي. نظرت إليه و أدركت إنه لم ينزل برفقتها، و في لحظة كانت بخارج السيارة، و قبل أن تعبر البوابة إلي الداخل تحت نظرات حارسان الأمن، أنطلق الأخرى ليتركها بمفردها في هذا المنزل بمفردها. و بالأعلى ظلت تنتظره و تجول أرض الغرفة ذهاباً و إياباً حتي ساعات مُتأخرة من الليل، و غفت رغماً عنها”.
عودة إلي الوقت الحالي… غادرت الغرفة باحثة عنه لم تجده في الطابق، نزلت الدرج حافية القدمين، تتلفت يميناً و يساراً حتي قابلت في نهاية الدرج خادمة ذات ملامح آسيوية سألتها: – أي خدمة سيدتي؟ سألتها الأخرى: – علي فين؟ أجابت الخادمة: – مستر علي فيه الليڤنج مدام. ذهبت حيثما أخبرتها، توقفت لتتأمل هذا المشهد بصدمة و ألم مرير، وجدته يجلس نائماً علي كرسي و أمامه منضدة يعلوها زجاجات خمر فارغة و جوارها ورقة مالية مطوية علي شكل أسطوانة تتناثر من طرفها ذرات مسحوق أبيض اللون.
تقدمت نحوه حتي أصبحت أمامه، مالت إلي وجهه، لاحظت آثار دموع علي خديه، رفعت يدها لتزيح خصلات شعره المنسدلة علي جبهته، انتفضت عندما أمسك برسغها و يحدقها بنظرة أجفلت قلبها. سألته و الوجع يتجلى في كل حرف تتفوه به: – و بعدين يا علي؟ لانت نظرته و معها قبضته، ترك يدها ليخبرها كطفل صغير: – مش قادر أنساها. أشار إلي رأسه حيث موضع عقله قائلاً: – ده عايز يمحي أي ذكري ليها. ثم أشار إلي موضع قلبه و أردف:
– لكن ده مش مطاوعني، بالعكس كل مرة أشوفها قصاد عيني يتقهر أكتر. جلست علي الكرسي المجاور له، فأخبرته: – أنت مريض بحبها يا علي، أنت مريض و موهوم، هي عمرها ما حبتك، حاول تنساها و فكر في نفسك، بص حواليك و شوف اللي بيحبوك و يتمنو لك الرضا،أنا أستحملت كم إهانات منك ما تستحملهاش أي واحدة لو مكاني و كل ده عشان بحبك، أحتويتك و عندي إستعداد أقف جمبك و أستحمل أي حاجة في سبيل أن اخلصك من الوهم اللي أنت عايش فيه.
نهضت لتقف أمامه و تستطرد حديثها: – أعتبرها زي الحاجات اللي شربتها رغم إنك منعت نفسك عنها لفترة و وعدتني إنك مش هاترجع تشرب تاني، بس أنا برضو مش هيأس و هخليك تبعد عن أي حاجة تضرك، حتي لو الحاجة دي ضد رغبة قلبك، قلبك اللي هيبقي ملكي في يوم من الأيام، زي قلبي بالظبط. نظر إليها بحزن و قهر قائلاً بتوسل: -أوعي تتخلي عني، أنا حرفياً بموت. فما كان منها سوي أن تجذبه بين زراعيها و تربت عليه قائلة:
– بعد الشر عليك، ما تخافش أنا جمبك و عمري ما هاسيبك. ✿ـــــــــــــــــــــــــــ✿ ضعت أمامه صحن الأرز و كادت تذهب، أمسك يدها و سألها: – رايحة فين؟ أجابت دون أن تنظر إلي زرقاويتيه، هكذا حالها منذ أن أفاقت من حالة الثمل الشديد التي كانت بها في ليلة الحفل المشئوم. – رايحة أجعد ويا حالي. سألها مرة أخرى بنبرة حانية: – طيب مش هتيجي تاكلي معايا؟، أنا واحشني أوي تأكليني بإيديكي. أشارت إليه نحو الملعقة و قالت:
– حداك المعلجة كُول بيها. نهض و أمسك وجهها ليخبرها و يعلم مدي تأثير نبرته علي قلبها: – أنتي عاملة ملوخية و عارفة أنا بحب أكلها بالعيش اللي بتقطعيه ليا علي شكل ودن قطة و تأكليها لي. رمقته و رفعت حاجبيها لتتأكد من جدية حديثه، فوجدته يرمقها بنظرة كالحمل الوديع مما أثار ابتسامتها. – شوفتي بقي أنتي ظلماني إزاي ببُعدك عني، رغم أنا معملتش ليكي حاجة. نظرت لأسفل بخجل و قالت: – أنت ماسوتش حاچة، أني اللي سويت و فضحتك وسط أصحابك، و ما أستحقش معاملتك الطيبة ليا.
جذب إحدى كراسي المائدة و جلس عليه و جعلها جلست فوق فخذيه: – أوعي تقولي كده لأزعل منك، أنا عارف الحالة اللي كنتي فيها كان غصب عنك و أنا السبب إن ماقولتلكيش علي موضوع الشيكولاتة من الأول، بالنسبة لباقي كلامك أنتي تستحقي كل حاجة حلوة، لأنك أحسن واحدة قابلتها في حياتي، فيكي كل الصفات اللي أي راجل فينا يتمناها، حلوة و ذكية و طيبة وجدعة و بنت أصول. ابتسمت و قالت بخجل و دعابة: – طب كفاية بجي لأتغر في حالي.
قهقه و كما أهلكها صوت ضحكته التي تعشقها. – الغرور نفسه يغير منك لأنك ملكة، ملكة علي عرش قلبي. وضعت كفها علي فمها لتواري خجلها، أزاح يدها قائلاً: – ما تحطيش إيدك علي بوقك و بطلي كسوف، أنا بعشق جمال إبتسامتك. حاوطها بزراعيه و كاد يعانقها، تأوهت بألم سألها بقلق و خوف: -مالك في أي؟ مدت زراعيها للأمام و أجابت: – چتتي من وجتها وچعاني و عضمي كأني اللي واخدة علجة. – قومي. أمرها فنهضت، قام بحملها علي زراعيه، سألته:
– عتسوي أي؟ سار بها نحو الغرفة قائلاً: -هاعملك سيشن مساچ هاتفضلي تدعيلي طول عمرك عليه. ركلت ساقيها في الهواء برفض: – لاء، أبوس يدك المساچ بتاعك أخر مرة كسر عضمي و جعدت تلات أيام ما أتحركش. ضحك و قال: – عشان كان أول مرة، و بعدين عشان مش بتمارسي أي رياضة، فعضلات جسمك قفشة علي طول. – أبوس يدك و عضلاتك نزلني، ما ريداش أتمسچ، أنا هاخف لوحدي. قهقه علي ملامحها التي تشبه الأطفال عندما ترفض و تتذمر، كاد يتحدث فقاطعه رنين جرس المنزل، أنزلها برفق.
– أدخلي أنتي و أنا هاروح أفتح، شكله السكيورتي عشان كنت قايله علي شوية حاجات يجيبهم لي. فعلت كما أمرها و ذهب ليفتح الباب، وجد أمامه طفلة صغيرة ذات ملامح أجنبية و عينيها الزرقاء أكثر ما يميزها. تقول له بالفرنسية: -Bonsoir papa. و تبعها صوت التي ظهرت خلفها تسأله: – مفاجأة، أليس كذلك؟ 🌹يتبع🌹 #الفصل_السابع_والثلاثون #فارس_بلا_مأوي #بقلمي_ولاء_رفعت_علي
توقفت سيارة سوداء فارهة أمام بناء ذو طراز يوناني، يقف أمام بوابته الزجاجية حارسان، ركض إحداهما نحو السيارة و قام بفتح الباب الخلفي، نزلت بحذائها الأحمر المخملي و يلامسه طرف ثوبها الأسود و يكسو رأسها وشاح بلون الأحمر القاني، تنظر من حولها ثم انتبهت إلي صوت الحارس يُرحب بزوجها. – أهلاً و سهلاً يا سليم باشا، المطعم نور. رد الأخر بعدما أمسك بيدها و وضعها علي ساعده بعدما أثني ذراعه: – كل حاجة تمام؟ أجاب بـ رسمية:
– كل حاجة تمت زي ما حضرتك أمرت. أبتسم بزهو و قال: -تمام.