ضاق ذرعًا من سخريته وقال بجفاء
كفاك سخرية و لتعلم قيمة ما لديك قبل أن تفقده .
امتعض شاهين من كلماته فقد كان يُجاهد قلبه الذي أخذ ينتفض بداخله تأثرًا برؤيتها هكذا و صاح بإنفعال:
اصمت يا غبي أنت لا تعلم شيئًا فأنا لم أرى خصلات شعرها منذ ولادة طفلنا الأول .
كان يشعر بما يقصده شاهين و ما يخابره معها ولكنه حاول أن يضعه على الطريق الصحيح قائلًا :
شاهين استمع إلي .. أنا أتحدث بجدية زوجتك إمرأة صالحة تمتلك العديد من الصفات الحسنة لا تُضيعها من بين يديك .
لون الامتعاض ملامحه وهتف بلهجة جافة:
هل تُغازل زوجتي أيها الدب ذو الفم الكبير؟
برقت عيني فراس و زمجر بغضب :
لو نعتني مرة ثانية بذو الفم الكبير و خاصةً أمام نور سأدق عنقك أقسم .
رمقه شاهين بمكر قبل أن يُضيق عينيه قائلًا بتخابث:
نور ! اها .. أخبرتني الآن …
هل خضع الأسد أخيرًا و أستسلم لمشاعره..؟
لم يعجبه ما يرمي إليه بكلماته فهتف بحدة:
اصمت يا غبي
-” حسنا سأصمت فأنا لا اكترث لك الآن..”
لم يكُن يُعيره أي انتباه فقد كان مشغولًا بمراقبتها من بعيد وهي توزع ابتسامتها العذبة على من حولها وقد شعر بالغيرة التي تجاهلها على الفور و حاول قدر الإمكان أن يظهر بمظهر اللامبالي خاصةً أمام نظرات فراس المتفحصة فلجأ إلى سخريته المعتادة حين قال :
يا إلهي لو تعلم كم تمنيت أن تخرج فتوى من دار الإفتاء تُحرِم تلك التسريحة اللعينة ..
الحمد لك يا الله فالمعجزات تحققت أخيرًا
أخذ يهز برأسه يمينًا و يسارًا بيأس من عناد صديقه الذي يُحاول قمع شعوره تجاهها و إقناع نفسه و الجميع أنه لا يتأثر بينما هو يحترق من الداخل ..
*********
” انظري هناك من يحترق في الخلف”
هكذا قالت نور بتخابث فشعرت هدى بقلبها الذي تبعثرت نبضاته حين علمت بأنه جاء إلى الحفل ولكنها و بشق الأنفس حاولت الثبات و رسم الجمود على ملامحها و نبرة صوتها حين قالت :
لا أهتم .. و لا أريد حتى أن أضيع وقتي بذكره
كانت صديقتها و تشعر بما يعتمل بداخلها و قد أعطتها الحق في ذلك لذا آثرت الصمت و النظر أمامها و كذلك فعلت هدى التي كانت تشعر بنظراته تخترقان ظهرها و تشعلان جراحها الدامية والتي لا تعرف كم تحتاج من السنوات لمداواتها ..
اهتز الهاتف في حقيبتها فقامت بالتقاطه إذًا مربية الأطفال تتصل بها فتوجهت بخطى مُتلهفة إلى الخارج لتُجيبها و شاركتها خطواته بنفس ذات اللهفة حيث قادته إليها حين وجدها تتوجه إلى الخارج فتبعها كالمُغيب وهو يشق طريقه بين الناس بصعوبة متجاهلًا مجاملاتهم الزائفة التي كان يرد عليها بإبتسامة صفراء إلى أن وصل حيث تقف فوجدها تتحدث على الهاتف بإنفعال فشعر بضــ,,ـــــربات قلبه تتقافز بداخله وهو يقترب منها ليستمع إلى صوتها المرتعب وهي تقول :
حسنًا سآتي على الفور .
أغلقت المكالمة وهي تلتفت مسرعه ليصطدم جسدها بقوة بآخر شخص تود رؤيته في هذا العالم لترتد إلى الخلف من فرط الصدام حتى كادت أن تقع لولا ذراعيه القويتين التي حاوطت خصرها بلهفة لمنعها من السقوط وياليته لم يفعل فقد كانت تُفضل أن تسقط أرضًا أهون عليها من أن تسقُط بين ذراعيه بتلك الطريقة فيُلامس وقع قربه على جسدها المُرتجف و قلبها الذي يكاد يخرج من بين ضلوعها من فرط قوة دقاته
رفعت عينيها تُناظره فأسرتها نظراته الشغوفة لثوان قبل أن تتدارك الأمر و تجذب نفسها بعُنف من بين يديه تنوي المغادرة لتوقفها قبــ,,ـــــضته القوية حول رسغها و نبرته التي تشوبها
اللهفة حين قال :
ماذا هناك ؟ هل حدث شيء ؟
اهتمامه و لهفة نبرته ولدوا داخلها شعورًا قويًا بالغضب جعلها تقول بجفاء وهي تنزع ذراعها من بين يديه:
ابتعد .
أغضبته نبرتها و طريقتها في الحديث فقسى صوته وهو يقول آمرًا:
أجيبيني ؟
لون الاحتقار ملامحها و أبرزته عينيها بسخاء بينما احتدت نبرتها اكثر وهي تقول:
لا أريد حتى النظر إلى وجهك فلا تحلُم بأن اشكو لك ما يحدث معي .. لذا ابتعد من أمامي
أيقظت وحوشه الكامنة فاشتد طوق أنامله فوق رسغها حتى كاد يطحن عظامها وهو يقول بنبرة قاسية :
هذه هي المرة الأولي و الأخيرة التي سأسمح لكِ بمُدــ,,ـــــادثتي بتلك الطريقة .. وأن كررتها أقسم أنني لن أتردد في ا.اع لسانك من فمك هل فهمتي ؟
نجحت في إنتزاع يدها من قبــ,,ـــــضته الغير رحيمة وهي تُجاهد عبرات الألم بضراوة بينما هسهست بجفاء:
لن أتردد في تكرارها أن اعترضت طريقي مرة اخري .. و تهديدك هذا لا يُخيفني أبدًا..
لم تُتيح له الفرصة للرد فقد أنهت كلماتها وانطلقت إلى داخل الحفل لتتركه كبركان مشتعل من فرط الغضب الذي حول دمائه إلى جمرات جعلته يطلق أسوأ أنواع السباب وهو يغادر الحفل ..
بينما كانت هي تُهرول باحثه عن زين لتخبره بأن طفلتها تُعاني من آثار الحمى فقد هاتفتها المربية لتخبرها بضرورة أخذها إلى المشفى .. وحين سمع زين ذلك توجه معها على الفور إلى المنزل لنقل الطفلة إلى المشفى الذي ما أن وصلوا إليه حتى هرول قسم الطوارئ لاستقبالهم و لنجدة الطفلة التي كانت ترتجف من شدة إرتفاع حرارتها مما جعل هدى تفقد أعصابها وتنهار أمام باب المشفى فالتقطتها يد زين وهو يحاول تهدئتها بشتى الطرق ولكنها كانت ترتعب كلما تذكرت حالة الطفلة..
أخيرًا و بعد عناء نجح في تهدئتها و خاصةً حين جاءت الممرضة لتخبرها بأن الأطباء قاموا باللازم و قد زال الخطر نسبيًا و إن أرادت رؤيتها فقد وضعوها في غرفة مُنفردة :
بالطبع أريد رؤيته ابنتي .. أين هي ؟
أخذتها الممرضة إلى حيث غرفة الطفلة و خلفها زين الذي ما أن أوشكت أن تدلف إلى داخل الغرفة حتى أوقفها سؤاله الذي أثار حنقها كثيرًا :
هل أخبرتي شاهين بما حدث ؟
اكتفت بكلمة واحدة مقتضبة :
لا ..
كان يعلم الإجابة مُسبقا وحتى لو لم تُعجبه فهو لن يُجادلها الآن فهو يعلم أنها فعلت ذلك امتثالًا لأوامر كبريائها و أيضًا لتثبت له و للجميع بأنه خارج نطاق حياتها هي و أطفالها …
بعد أكثر من نصف ساعة خرجت من الغرفة تجر أقدامها التي ثقلت تحت وطأة الحزن الذي يرثو فوق قلبها المرتعب على طفلتها التي تمكن منها الإعياء و لم يحتمل جسدها الهزيل فراحت في سبات عميق لتخرج هي إلى الرواق حتى تدعها ترتاح قليلًا .
” كيف هي ؟
”
“أخبرينا كيف حالها ؟”
هكذا تعالت الاسئلة فوق أفواه الجميع الذين هرعوا إلى المشفى حين هاتفهم زين وما أن شاهدوها تخرج من الغرفة حتى اندفعوا بلهفة ليطمئنوا على حال الصغيرة و من بينهم هو .. ولكنها أعطته قدره من التجاهل حيث توجهت بحديثها إلى زينات و نــ,,ـــــاريمان و زين قائلة بصوت مبحوح من فِرط البكاء :
أنها نائمة.
مظهرها وحده كفيل بشرح ما يجيش بداخلها من ألم شعر به ينطبع داخله على الرغم من غضبه منها ولكن مظهرها احزنه فأخذت عينيه تطوف على ملامحها الشاحبة و عينيها التي تغزوها شعيرات حمراء تبدو كلوحة ملونة بالدماء تحكي قصة أمرأة أضناها العذاب و خصلات شعرها التي كانت مُسترسِلة فوق ظهرها تحاوط أكتافها التي تهدلت من فرط التعب فاقترب زين منها وهو يلتقط كفها بين يديه قائلًا بلهجة مطمئنة:
لا عليكِ يا بنيتي .. أن شاء الله ستكون بخير .
رددت بنبرة مرتجفة من بين عبرات لا تفلح في قمعها :
أن شاء الله
سُرعان ما امتدت يد زين تحيط بكتفيها ليجذبها لتجلس على المقعد وهو يردد بخفوت :
اللهم رب الناس أذهب البأس و اشف حفيدتي أنت الشافي المُعافي .
مرت دقائق تبدو ثقيلة عليها خصوصًا في حضوره الذي كانت تمقته على قدر ما كانت تشتهيه سابقًا ولكن لا حيلة لها فمن بالداخل طفلته ولا تستطيع أبعادها عنه أو الصراخ بوجهه بأن يغادر .. بينما هو كان يتآكل من فرط الألم المُطعم بغضب حارق كونه يرى حزنها من بعيد ولا يجرؤ على الإقتراب منها و غرسها بداخل أحضانه لتسكــ,,ـــــين وجعها ولو قليلًا .
تنبهت حين جاءت الممرضة لتقول بأن الطبيب المُختص بمعالجة الطفلة قادم ليخبرهم بكل شيء عن وضعها فارتفع دبيب قلبها و تناثرت دقاته ترقبًا وخوفًا ولكن سرعان ما اعتلت الدهشة معالمها حين شاهدت هذا الطبيب الذي كان له نصيبًا كبيرًا من دهشتها فصاح بصدمة:
هدى ! يتبع…