الفصل الأول نظرت إلى هيئتها المنمقة بالمرآة وعلى محياها اِرتسمت إبتسامة عريضة، تراجعت إلى الوراء قليلًا ليتسنى لها رؤية فستانها ثم اِنتقلت عيناها نحو الحذاء الذي أكمل تنسيق مظهرها.
السعادة غمرت ملامح وجهها وهي تُلقي بنظرة أخيرة راضية على حالها.
_ مش مهم الفلوس، المهم مظهر وشياكة الواحد يا “سلسبيل”.
قالتها لحالها حتى لا تتيح فرصة لضميرها بتأنيبها، فمن أجل عُرس صديقتها دفعت راتب الشهر في أمور لم تكن تهتم بها يومًا ولكن كيف ستلفت نظره كما نصحتها
“هبة” صديقتها إذا لم تهتم بأناقتها مثل فتيات المدينة.
_ يارب النهاردة يشوفني وألفت نظره.
أعقبت قولها بزفرة طويلة ثم أسرعت بإلتقاط حقيبة يدها لتنظر إليها قائلة:
_ تعالي ياللي دوخت في اللف عليكي امبارح عشان بس تتلبسي النهاردة.
كادت أن تُغادر الغرفة لكن عادت إلى مرآتها حتى تطمئن على مظهرها وزينة وجهها الخفيفة.
خرجت من الغرفة لتجد والدتها تحمل كوبين من الشاي وتتجه نحو الشرفة التي تطل على مساحة أرض زراعية صغيرة.
_ ماما، يا ست الكل. إنتبهت السيدة “روحية” على صوتها وإلتفت إليها وسُرعان ما ڪان يخرج صوتها بتمتمه خافتة.
_ بسم الله ما شاء الله.
_ ماما قولي رأيك في شكلي، والفستان يستاهل الفلوس اللي دفعتها فيه..
ثم أردفت وهي تمط شـ,ـفتيها بعبوس.
_ بسببه هو والجزمة والشنطة هعيش عالة عليكم باقي الشهر. إبتسمت السيدة “روحية” لتفتح لها أحد ذراعيها قائلة:
_ تعالي لحـ,ـضني يا حببتي.
أسرعت “سلسبيل” إليها؛ فضمتها “روحية” لها.
_ طالعه زي القمر يا قلب ماما.
اِبتعدت عنها “سلسبيل” تسألها.
_ بجد يا ماما؟ بإبتسامة واسعة ردت “روحية”.
_ يا بت أنا مرايتك معقول لو وحش هقولك عليه حلو.
_”روحية” فين الشاي؟
اِرتفع صوت الجالس بالشُرفة لتُسرع “سلسبيل” إلى داخل الشُرفة قائلة:
_ بـابـا، “محمود” هيوصلني وهيجبني متقلقش عليا.
طالعها السيد “رضوان” بعد.ما رفع رأسه عن الراديو الذي اِنشغل بتصليحه. _ اتأكدي من اخوكي وظروفه لو معرفش يرجع ياخدك كلميني اجي اخدك تمام. اِبتسمت وأسرعت لتقبيل رأسه.
_ ماشي.
اِرتفع رنين هاتف “سلسبيل” لتتجه “روحية” نحو سور الشُرفة وتنظر إلى الأسفل بعد.ما وضعت صنية الشاي عليه.
_ اخوكِ مستنيكِ تحت.
توقف رنين هاتفها قبل أن تخرجه من حقيبة يدها وأسرعت بتقبيل خد كلًا من والديها قائله بمزاح.
_ يلا اسيبكم لوحدكم شوية بدل ما انا ليل نهار كابسة على نفسكم.
غَادرت “سلسبيل” لتتنهد “روحية” قائلة:
_ عقبالك يا بنتي أنتِ كمان، نفسي افرح بيكي…
_ “روحية”.
اِبتعدت “روحية” عن سور الشُرفة لتنظر إليه.
_ فيه إيه يا “رضوان” فزعتني ومخلتنيش اكمل الدعوه للبت.
رمقها “رضوان” بنظرة مستاءة ونظر إلى كوب الشاي خاصته.
_ الشاي ناقص سكر، فين علبة السكر؟
طالعته “روحية” بسخط وتحركت من أمامه.
_ نسيتها يا “رضوان”، الواحد حرام ينسى يعني.
••••
_ طالعه زي القمر يا بت يا “سلسبيل”.
قالها “محمود” شقيقها وهو يتحرك بالسيارة ثم رمقها بطرف عينه.
_ قولتيلي اسم القاعة إيه؟
طالعت “سلسبيل” الطريق وتمتمت باسم القاعة المعروفة في مدينتهم.
_ طبعًا عيلة “الراشد” مش هتعمل أفراحها في أي مكان، تعرفي دول لسا مشترين حتت مطعم… مقولكيش على واجهته ولا مكانه…
أنا مش عارف الناس دي بتستثمر فلوسها في إيه ولا إيه.
_ هما ما شاء الله اخلاق ومجتهدين، أنا من ساعة ما اشتغلت مع دكتور “محمد” في الصيدلية بتاعته واتعاملت مع زوجته مدام “زينه” وانا بصراحه بقول الناس دي اكيد اجتهدت بجد في أكل عيشها عشان كده وصلوا لكل ده.
تهكم وجه شقيقها من ذلك المديح الذي تتحدث به عن تلك العائلة.
_ دول كانوا جايين من الصعيد بيشتغلوا عتالين.
شعرت “سلسبيل” بالضيق من فِكر شقيقها.
_ وآهو ربنا كرمهم عشان مستكبروش على الشغل ومع الوقت بقوا من أكبر العائلات في قريتنا وكمان المدينة كلها.
_ هي الآثار اكيد اللي رفعتهم كده.
تمتم بها شقيقها الذي يحلم بالثراء دون تعب؛ فتنهدت قائلة:
_ ما هما لو تجارتهم فيها شُبهه مكنش بقى عندهم ناس في الشرطة.
ضاقت حدقتيّ “محمود” وألقىٰ بنظرة سريعة عليها ثم زاد من سرعة السيارة.
_ أنتِ من ساعة ما اشتغلتي عندهم في الصيدلية وكأنك اتعينتي محامية ليهم.
زفرت أنفاسها وقررت الصمت؛ فالجدال مع شقيقها لن يأتي بالنفع.
توقفت السيارة أخيرًا أمام قاعة الزفاف الشهيرة لتنظر إلى المكان وقد وقف بعض الشباب أمام القاعة.
_ هتدخل معايا يا محمود”؟.
رمق “محمود” المكان بنظرة ساخطة وتأفف قائلًا:
_ أنا العيلة دي مبحبهاش، رافعين مناخيرهم في السما… أنا هروح بيت حمايا اقعد شويه عندهم واطمن على “رضوان” الصغير وارجع اخدك تكوني قعدتي شويه.
نظرت إليه “سلسبيل” بتوتر، فهي تشعر بالحرج من دخول قاعة الزفاف بمفردها.
_ تمام.
ترجلت من السيارة ثم أخذت نفس عميق وزفرته ببطء لترفع رأسها قليلًا وتسير بجسد مشدود نحو القاعة.
••••
_ دلوقتي مفيش حد فاضل غيرك، استلم بقى الزن من بكره يا باشا.
قالها “حاتم” وهو ينظر نحو “سفيان” -ابن عمه- الذي ألقىٰ بعقب سيجارته أرضًا ودهسه بحذائه.
_ لا متقلقش ابن عمك اتعود على كده، وعندي طاقة لسماع زن الحريم… ده أنا عندي تلات اخوات بنات وكل واحده فيهم خلتني اعرف الصبر.
اِرتفعت قهقهة “حاتم” وربت على كتف الواقف قائلًا:
_ يعني اخويا “محمد” ليه الجنة مع اختك “زينة”.
ثم أردف “حاتم” بمِزاح يليق بشخصيته.
_ الله يعين “هيثم” اخوك على “مروة” أختي، أنا قولتله بلاش اختي لكن هو كان مصمم…
ثم استطرد وهو يحرك كف يده على ذقنه الحليقة.
_ شكلي أنا و أنت هنكون براويين ومش هنكمل التحالف العائلي لعيلة “الراشد”.
رمقه “سفيان” بنظرة مستهزءة.
_ ربنا يهديك من خفة د.مك دي يا “حاتم”، مش عارف أنت ظابط شرطة إزاي.
تقوس حاجبين “حاتم” وسُرعان ما كانت تضيق حدقتاه بذهول.
_ يا بنت الإيه طلعتي مخبيه الجمال ده كله.
لفتت كلمات “حاتم” إنتباه “سفيان” الذي كاد أن يتحرك إلى داخل قاعة الزفاف؛ فهو شقيق العريس.
_ شايف البنت اللي واقفة مع “محمد” و “زينه” هناك.
طالع “سفيان” مكان وقوف شقيقته “زينة” وابن عمه “محمد”؛ فأردف “حاتم” وهو يتأمل “سلسبيل” من قمة رأسها إلى أخمص قد.ميها.
_ دي بقالها سنتين بتشتغل عندنا في الصيدليه وعمري ما اخدت بالي إن يطلع منها الجمال ده كله.
اِحتقنت ملامح “سفيان” رغم أنه لم يتبين ملامح الواقفة مع شقيقته.
_ راعي إننا عندنا اخوات بنات وخد بالك من كلامك.
لم يهتم “حاتم” بكلامه وتحرك نحو “محمد” و “زينة”.