Uncategorized

كيد السلايف ج١ بقلم نورهان العشري

حكايات نورهان العشري

*** عقارب الساعة كانت بتشير لمنتصف الليل، والبيت كله غرقان في سكون غريب وقاتل. سعد و صفا في شقتهم فوق، وكل واحد في عالم؛ صفا نايمة ودموعها منشفتش على خدها من قسوة سعد، وسعد نايم بعيد عنها وظهره ليها، وقلبه مليان غضب وحيرة.
في الدور اللي تحت، خرجت ريهام من شقتها بخطوات زي القطة، مابتعملش أي صوت. كانت لابسة عباية بيتي واسعة، ولفت طرحة سوداء على راسها عشان تداري وشها. اتسحبت وطلعت السلم لغاية شقة سعد وصفا.
فتحت الباب بمفتاح احتياطي كانت سارقاه من ورا صفا قبل كدا، ودخلت وهي كاتمة نفسها.

الأوضة كانت مضلمة، بس ضوء القمر الخفيف اللي داخل من الشباك كان منور خيال سعد وصفا وهم نايمين.
ريهام قربت من الدولاب بقلب ميت، وفتحته ببطء شديد وهي بتترعش من الخوف إن حد يحس بيها. مدت إيدها وقلبت في هدوم سعد، لغاية ما لقت “تيشيرت” داخلي ليه كان لسه لابسه قريب وعليه عرق جسمه. أخدته بسرعة وحشرته في جيب عبايتها الكبيرة، وقفلت الدولاب بنفس الهدوء.
بصت لصفا بنظرة حقد وقالت في سرها: “نامي يا خايبة..

نامي وأشبعي بيه ليلة، عشان من بكرة مش هتشوفي وشه تاني غير كابوس.” نورهان آل عشري
خرجت ريهام من الشقة ونزلت السلم جري، ومنها للشارع الضلمة اللي مفيش فيه صريخ ابن يومين.
بعد مشي في شوارع ضيقة تخوف، وصلت لبيت قديم بابه خشب متأكل. خبطت تلات خبطات ورا بعض كرمز متفق عليه. اتفتح الباب وطلع منها ريحة بخور تقيلة ونفاذة بتخنق النفس.
دخلت لأوضة ضلمة مفيش فيها غير شمعة واحدة منورة في النص، وقاعد قدامها راجل عجوز وشه مكرمش وعيونه زي الجمر، لابس جلابية مبهدلة وعمال يتمتم بكلمات مش مفهومة.. ده كان الشيخ هارون الدجال.

هارون (بصوت أجش ومخيف): ” أخيرًا جيتي يا بنت “جمالات”؟ أتأخرتي ليه؟ الجن كان مستني العهد.”
ريهام (وهي بتقدم له التيشيرت بإيد بتترعش): “جبتلك الأثر يا شيخ هارون.. تيشيرت سعد، لسه بعرقه. عايزاك تعملي العمل اللي يخليه يكره صفا كره العمى، وميشوفش في الدنيا ست غيري أنا “ريهام”.”
مسك هارون التيشيرت بلهفة وقربه من الشمعة وبدأ يتمتم بصوت عالي، ويرش عليه بودرة غريبة لونها أسود، الريحة زادت خنقة والشمعة بدأت تتهز وترقص كأن فيه ريح قوية في الأوضة.
هارون (بصوت جهوري وهو بيحرق طرف التيشيرت): “بخرتك بالسم الهاري، وبخرت قلب سعد بالحب الناري..

تنسى صفا وتنسى اللي كان، وتكره ريحتها زي ريحة الدخان، وتحب ريهام حب ملوش أمان، لغاية ما تطلقها وتجيبها لغاية هنا ندمان.. طيع يا جن الملوك، ونفذ اللي أمرتوك.”
ريهام كانت واقفة بتتفرج بعيون مبرقة وقلب بيدق بعنف، مش عارفة هي خايفة ولا مبسوطة، بس كانت عارفة إن في اللحظة دي، حياة صفا انتهت، وحياتها هي ابتدت. ***

بعد سهرة طويلة من الضيق، دخل سعد الأوضة لقى صفا قاعدة على السرير، ضامة رجليها لصدرها ودافنة راسها بين إيديها، وصوت شهقاتها المكتومة بيقطع في قلبه. سعد رغم غضبه، بس حتة منه مش قادرة تشوف صفا بالمنظر ده.
قرب منها وقعد على طرف السرير، ومد إيده طبطب على كتفها بحنية خبت وراها لوم كبير.
سعد (بصوت هادي بس حزين): “خلاص يا صفا.. كفاية عياط بقى وجعتي قلبي.”
صفا رفعت راسها بسرعة، وعينيها كانت حمراء من كتر البكاء، وبصت له بنظرة عتاب ووجع:
صفا: “أهون عليك يا سعد؟

أهون عليك تزعق لي قدامهم وتصدق فيا إني ممكن أهين أمك؟ ده أنا بشيلها من على الأرض شيل يا سعد.”
سعد اتنهد تنهيدة طويلة وخد إيديها بين إيديه:
سعد: “يا صفا، أنا عارف إنك طيبة وأصيلة، بس أمي كانت بتعيط بحرقة، وريهام أكدت لي الكلام.. وأمي ست كبيرة، هتتبلى عليكي ليه؟ أكيد حصل سوء تفاهم، يمكن كلمة طلعت منك وأنتي مش قاصدة، أو هي فهمت غلط.”
صفا (بتحلف بلهفة): “والله العظيم يا سعد، وحياة حبي ليك، ما حصل مني ولا كلمة وحشة. أنا دخلت بكل حب بقدملها البسبوسة، لقيتها اتقلبت عليا وسمعتني كلام زي السم.

يا سعد، فيه حد بيسخنها عليا، والله فيه حد عايز يخرب بيتنا.”
سعد سكت لحظة، وبدأ الشك يروح ويجي في قلبه، بس فكرة إن أمه تكذب كانت صعبة عليه.
سعد: “طيب خلاص يا حبيبتي، أنا مصدقك إنك مش قصدك تأذيها. بس عشان خاطري أنا، وعشان المركب تمشي والبيت يهدى.. انزلي دلوقتي بوسي راسها واعتذري لها. حتى لو أنتي مظلومة، هي ست كبيرة وليها حق علينا، والاعتذار مش هيقلل منك، ده هيكبرك في نظري نورهان العشري ونظرها.”
صفا (بدموع): “يعني أنزل أعتذر عن حاجة معملتهاش يا سعد؟”
سعد (وهو بيبوس إيدها): “عشان خاطري أنا.. عشان ننام والنفوس صافية.

انزلي قولي لها “حقك عليا يا أمي”، والمسامح كريم. أنا مش عايز مشاكل في البيت ده تاني، كفاية اللي إحنا فيه.”
صفا بصت لعين سعد، ولقت إن حبه أغلى عندها من كرامتها في اللحظة دي. مسحت دموعها وقامت بتثاقل.
صفا: “حاضر يا سعد.. عشان خاطرك أنت بس، هنزل وأبوس راسها، وربنا هو اللي يعلم باللي في القلوب.”
خرجت صفا من الأوضة وسعد بصلها بإعجاب لرجاحة عقلها وطيبتها، ومكنش يعرف إن “الاعتذار” ده هو اللي ريهام وبدرية هيستخدموه كدليل ضدها، عشان يقولوا لسعد: “أهو، لو مكنتش غلطانة، مكنتش نزلت اعتذرت!” بقلم نورهان العشري

انت في الصفحة 3 من 3 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى