Uncategorized

ياسين والجنية بقلم نورهان العشري

حكايات نورهان العشري

كانت تلك الليلة في عرض البحر المتوسط تشبه البدايات العظيمة للأساطير، حيث انطلق الصياد “عمر” بقاربه الخشبي المتهالك “نجمة الصبح” نحو المياه العميقة، يرافقه ابنه “ياسين” ذو العشر سنوات، وكان الهواء ساكناً بشكل مريب والمياه مستقرة كأنها لوح من الزجاج الأسود المصقول. وما إن وصلوا إلى نقطة بعيدة لا تظهر منها أضواء الشاطئ، حتى بدأ الكون يتغير؛ فجأة انبعثت من أعماق البحر رائحة غريبة لم يعهدها عمر، كانت مزيجاً عطرياً من المسك والياسمين البري، وبدأت المياه تحت القارب تتوهج بألوان مذهلة تتماوج بين الأرجواني والأخضر الفسفوري.
تسمر ياسين في مقدمة القارب، واتسعت حدقتاه بذهول وهو يهمس بنبرة مسحورة:

— “أبي.. هل تسمع ذلك؟ هناك أصوات تخرج من المياه! كأنها تراتيل بعيدة.”
تعجب عمر ونظر إلى ابنه بقلق قائلًا وهو يمسح العرق عن جبينه:
— “لا أسمع شيئاً يا بني، ربما هو صوت الرياح أو احتكاك القارب بالماء. عد إلى مكانك واجلس جيداً، فالبحر الليلة يضمر شيئاً لا أفهمه.”
لكن ياسين لم يتحرك، بل مال بجسده أكثر نحو الحافة وهو يشير بيد مرتعشة إلى الأعماق:
— “لا يا أبي! انظر تحت القارب مباشرة.. هناك أيدٍ بيضاء ناصعة، أصابعها طويلة جداً ورشيقة، إنها تلوح لي.. تناديني باسمي! تقول لي: (ياسين.. اقترب..

الوقت قد حان).”
حدق عمر بكل قوته في المكان الذي يشير إليه ابنه، لكنه لم يرَ سوى تلك الألوان الصاخبة واضطراب الموج، فقال بصوت حازم يخفي خوفه:
— “ياسين، لا يوجد شيء هناك! توقف عن تخيلاتك هذه، ربما غلبك النعاس أو سحرتك الأضواء.”
صرخ ياسين فجأة وهو يهم بالقفز، وعيناه تلمعان بضوء غريب:
— “إنها تطلب مني المساعدة! تقول إن الأرض تتألم وأن البحر يختنق بسواد البشر!”
اندفع عمر بجنون وأمسك بخصر ابنه وجذبه إلى الخلف بقوة صائحاً:
— “لن تذهب إلى أي مكان!

امسك بالقارب جيداً!”
في تلك اللحظة، ارتفع موج عاتٍ من العدم واصطدم بالقارب بقوة هزت أركانه، وظهرت من تحت الماء هالة ضوئية بيضاء كادت تعمي الأبصار، وشعر عمر ببرودة غير طبيعية تجتاح المكان، فاقترب يحاول حماية ابنه ولكن للأسف سقط في المياة.

بينما كان عمر يصرخ بيأس فوق السطح، كان ياسين يغوص أعمق وأعمق، محاطًا بتلك الأيدي البيضاء الطويلة التي لم تعد تلوح بلطف، بل كانت تجره بقوة وحزم نحو القاع. تلاشت برودة الماء تدريجيًا لتحل محلها حرارة دافئة وغريبة، وانقشعت ظلمة الأعماق لتكشف عن مشهد يحبس الأنفاس.
لم يكن القاع رمليًا موحشًا، بل كان عبارة عن مدينة غارقة مشيدة من بلورات مضيئة وشعاب مرجانية سوداء مصقولة، تشع ضوءًا أرجوانيًا خافتًا. في مركز هذه المدينة، التفت الجنيات في حلقة دائرية واسعة. لم تكن جنيات بحر عادية؛ كانت وجوههن فائقة الجمال لكنها باردة كالثلج، وعيونهن واسعة بلا بؤبؤ، تلمع ببريق معدني مخيف.

أجسادهن كانت انسيابية، تنتهي بذيول طويلة متموجة بألوان الطيف الفسفوري، وأصابعهن الطويلة مزودة بمخالب دقيقة.
توسطت الحلقة جنية بدت وكأنها الملكة، رأسها مزين بتاج من اللؤلؤ الأسود والأشواك البحرية. كان صوتها، الذي سمعه ياسين من قبل كتراتيل بعيدة، الآن واضحًا وحادًا كصفير الريح:
— “لقد أحضرته الروح النقية. ابن الأرض، الطاهر الذي لم يتلوث قلبه بسواد البشر بعد.”
علت همهمات بين الجنيات، همهمات لم تكن أغاني عذبة، بل كانت ضحكات خافتة ومكتومة، تشبه احتكاك الصخور ببعضها. مالت إحدى الجنيات نحو الملكة، هامسة بنبرة خبيثة:
— “هل هو حقًا القربان المنشود؟

هل سيطفئ دمه غضب البحر؟”
أجابت الملكة، وعيناها مثبتتان على ياسين الرازح في قاع الحلقة، غير قادر على الحركة:
— “نعم، هو كذلك. روحه الشابة، المليئة بالأحلام والبراءة، هي القربان الأسمى لبحرنا. سنضحك بدمه، ونعيد الحياة إلى أعماقنا المتألمة.”
ازدادت ضحكات الجنيات حدة وقـ,ـسوة، وتحولت الهمهمات إلى صرخات هستيرية من الفرح والوحشية. اقتربت الجنيات ببطء من ياسين، وأيديهن البيضاء تمتد نحو جسده الصغير، مستعدة لتقديمه كقربان لقوى البحر الغاضبة.

بدأت “الوليمة العظيمة” أو هكذا أطلقوا عليها. أُحيط ياسين بهالة من الضوء الأخضر الفسفوري، بينما أخذت الجنيات يدُرن حوله في رقصة جنونية، يغنين أناشيد غريبة بكلمات منسية. بدأ القاع يرتجف تحت وقع أقدامهن وزعانفهن. أحضرت جنيتان وعاءً مصنوعاً من صدفة عملاقة مليئة بسائل أحمر قاني، ووضعته عند قدمي ياسين. كانت هذه هي “دماء البحر” التي سيُخضب بها القربان قبل الذبح. تقدمت الجنية الملكة، ممسكة بسيف مصقول من عظم حوت ضخم، نصله حاد كالموس ويرصعه العقيق الأسود. رفعت السيف عالياً، وكان بريقه ينعكس في عيني ياسين المذعورتين.

في اللحظة التي بدأت فيها الملكة بالهبوط بالسيف نحو رقبته، انشق سقف الكهف البلوري فوقهم، وتدفق منه ضوء أبيض ساطع، أعمى أبصار الجنيات لفترة وجيزة.
لم تكن قوى النور وحدها، بل رافقتها كائنات أخرى، “حراس الأعماق”، كائنات نصف بشرية ونصف سمكية، ذات جلود مرصعة باللؤلؤ، ويحملون رماحاً مصقولة من مرجان النار. كانوا يرتدون دروعاً مشعة تقاوم سحر الجنيات. اندلعت حرب طاحنة بين الجنيات وحراس الأعماق. تلاشت ضحكات الجنيات وحلت محلها صرخات الغضب والخوف. استخدم الحراس سحرهم النوري لكسر التعاويذ السوداء، وضربوا برماحهم الجنيات اللواتي حاولن الفرار.

وسط هذه الفوضى، تمكن قائد حراس الأعماق، وهو كائن ذو لحية بيضاء طويلة، من الوصول إلى ياسين. حمله بلطف وقذفه بقوة نحو السطح. لم يشعر ياسين بالخوف هذه المرة، بل بالراحة والأمان. صعد نحو الأعلى بسرعة فائقة، وكأنه يطير في الماء. في غضون ثوانٍ، وجد نفسه يطفو على سطح البحر، وبدأت أمواج خفيفة تدفعه نحو الشاطئ.
استلقى ياسين على الرمل الناعم، وكان جسده مرهقاً ولكنه سليم. سمع أصواتاً مألوفة، أصوات والده وأهله، وهم يبحثون عنه بيأس. فتح عينيه ببطء، ورأى والده يركض نحوه وعيناه مليئتان بالدموع. احتضنه والده بقوة، ولم يستطع ياسين منع نفسه من البكاء.

في هذه اللحظة، علم ياسين أنه نجا، وأنه سيعود إلى عائلته مرة أخرى. بقيت قصة ياسين لغزاً، ولم يستطع أحد تفسير ما حدث له في تلك الليلة المشـ,ـؤومة. ولكن ياسين علم الحقيقة، وعلم أن هناك عوالم أخرى تحت الماء، عوالم مليئة بالسحر والغموض، ولكنها مليئة أيضاً بالخطر والشر. وأصبح ياسين، بعد هذه التجربة، يحترم البحر ويقدر قوته، ويحذر الآخرين من الوقوع في فخ سحره الخداع.

مرت السنوات، وكبر ياسين وأصبح شاباً يافعاً بملامح هادئة تملؤها الحكمة، لكن تلك الليلة ظلت محفورة في وجدانه، وظهرت في رأسه خصلة شعر بيضاء ناصعة لم تتغير أبداً منذ ذلك المساء. لم يكن مجرد صدفة، بل كان علامة على العهد الذي قطعه مع كائنات الأعماق.
وفي إحدى الليالي المقمرة، بينما كان ياسين يجلس على الشاطئ ويراقب الأمواج، شعر بهزة قوية تضرب الأرض، وشاهد ضوءاً أزرق لامعاً ينبعث من أعماق البحر. في تلك اللحظة، علم أن الوقت قد حان للوفاء بالعهد.
وقف أمام والده وقال بنبرة حازمة:
— “لقد حان الوقت يا أبي.

يجب أن نعود إلى تلك النقطة في البحر، نداء الأعماق يستدعيني.”
رد عمر بخوف دفين ظهر في ارتعاشة يده:
— “ألا يكفيك ما حدث؟ كدنا نفقد حياتنا هناك يا بني! ذلك البحر ليس لنا.”
أجاب ياسين وهو ينظر إلى الأفق البعيد بنظرة حنين:
— “الآن أنت ستراهم أيضاً.. البحر ينتظرنا والسر لم يعد يحتمل التأجيل.”
وبالفعل انطلقا، وحين وصلا، انشقت المياه لأسفل وكأن ثقباً أسود قد فتح في قلب المحيط، وظهرت الألوان ذاتها بقوة مضاعفة، ولكن هذه المرة صرخ عمر بذهول حقيقي:
— “يا إلهي! ما هذا؟ أرى أيدٍ نورانية تخرج من الماء!

إنها حقيقية يا ياسين.. إنها تلمس حواف القارب!”
ابتسم ياسين بمرارة وقال وهو يمد يده نحو الماء:
— “نعم يا أبي، إنهم حراس التوازن، سكان المدينة البلورية الذين يحفظون ميزان البحر.”
خرج “حارس” مهيب من الأعماق، يد بيضاء شفافة لمست خصلة ياسين البيضاء، فاهتز كيان الشاب وتدفقت في عقله رؤى لآلاف السنين. غاص ياسين في الماء، ولم يكن غوصه سقوطاً بل ارتقاءً، وبمجرد وصوله للقاع، وجد نفسه في قاعة شاسعة من الزمرد والضوء، ووقف أمام ملك الحراس الذي خاطبه بذكاء روحي:
— “ياسين.. لقد حان الوقت.

لقد هدد خطر داهم مدينتنا، ونحن بحاجة إلى مساعدتك.”
أجاب ياسين بصوت ترددت أصداؤه في أروقة المدينة:
— “وما هو الخطر؟ وكيف يمكنني المساعدة؟”
قال الملك وهو يقدم له لؤلؤة سوداء تنبض بضوء خافت:
— “هذه اللؤلؤة هي قلب المحيط. طالما بقيت نابضة ونقية، سيبقى التوازن قائماً. ستمـ,ـوت اليابسة إن انطفأت، وستغرق المدن إن غضبت. لقد تسلل كائن شرير إلى المدينة وسـ,ـرق اللؤلؤة، وهو يهدد بتدميرها.”
— “وماذا علي أن أفعل؟”
— “عليك أن تجد هذا الكائن وتستعيد اللؤلؤة.

لقد أخفاها في مكان ما في أعماق البحر، ولا يمكننا الوصول إليه.”
وافق ياسين دون تردد، وانطلق في مغامرة جديدة في أعماق البحر، محاطاً بحراس التوازن. واجه مخاطر عديدة، ولكنه تمكن في النهاية من العثور على الكائن الشرير واستعادة اللؤلؤة.
بعد سبعة أيام من الانتظار المرير لعمر على الشاطئ وهو يراقب الأفق بيأس، انشق الموج وخرج ابنه ياسين برداء لم تره عين بشر من قبل، يلمع ببريق الصدف، وفي يده اللؤلؤة السوداء المتوهجة.
سأله عمر بدموع في عينيه وهو يعانقه:
— “ما هذه يا بني؟

وماذا قالوا لك هناك؟”
أجابه ياسين وهو يسلمه اللؤلؤة للحظة ليشعر بنبضها:
— “هذه هي روح الأرض يا أبي. لقد رأيتُ مدناً تحت الماء تئن من سوادنا، ورأيتُ جمالاً لا يصفه كلام. لقد أصبحتُ حارساً للعهد، ومن اليوم لن أكون مجرد صياد، بل سأكون صوت البحر الذي لا ينام.”
ومنذ ذلك الحين، صار ياسين يسكن في كوخ صغير منعزل على الشاطئ، يراقب الأمواج ويحادثها بلغة غريبة تشبه الوشوشة، بينما تظل تلك الأيدي البيضاء تظهر له في الليالي المقمرة تلوح له بود، مؤكدة أن الأسرار العظيمة لا تُكشف إلا للأنقياء الذين يملكون الشجاعة لسماع نداء الأعماق والوفاء بالعهود القديمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى