
كنت أريد فقط الاستمتاع بعطلة نهاية أسبوع هادئة في منزلي الشاطئي. ولكن عندما وصلت، كان زوج أختي هناك بالفعل مع كل عائلته وصرخ:
“ايه اللي جاب الحشرة دي هنا؟ اطلعي بره فوراً!”. اكتفيت بالابتسام وقلت:
“تمام، أنا ماشية”. لكن ما حدث بعد ذلك جعله يندم بمرارة على تلك الكلمات.
— “أيوه.. الشالية بتاعي تم احتلاله من غير إذني، وفي أكتر من خمستاشر شخص جوه البيت.”
ارتفعت نبرة صوت الموظف فجأة:
— “تحبي نيجي حالاً؟” بقلم نورهان العشري
— “أيوه.”
أغلقت الخط، ثم اتصلت بمحاميّ.
— “يا متر رائف محتاجة أقدم بلاغ اقتحام ملكية خاصة.”
— “إيه اللي حصل؟”
شرحت له كل شيء بسرعة. أجاب:
“من الناحية القانونية، ده حقك تالت ومتلت، البيت متسجل باسمك لوحدك.” — “عارفة.”
— “خلاص، سيبي الأمن والشرطة يتصرفوا، بلاش تواجهيهم لوحدك.”
— “دي خطتي بالظبط.”
أغلقت الخط. وكانت مكالمتي الأخيرة لمدير العقار.
— “سالم. الأقفال الإلكترونية لسه شغالة؟”
— “أيوه يا هانم.”
— “الغي كل أكواد الدخول ما عدا الكود بتاعي أنا بس.”
— “حاضر، فوراً.”
استندتُ إلى ظهر المقعد. كانت السماء في الخارج تصطبغ باللون البرتقالي عند الغروب. لعدة دقائق، جلستُ هناك فقط لأتنفس. ريناد القديمة كانت لتبكي، لكنني لم أعد تلك الشخصية.
بعد عشر دقائق، مرت شاحنتان سوداء في الطريق باتجاه الشاطئ. ابتسمتُ قليلاً. تحرك القائد عادل بسرعة. عدتُ بسيارتي، وعندما وصلت، كانت الشاحنات متوقفة أمام المنزل، وثلاثة من حراس الأمن يحرسون المدخل.
وفي الداخل… بدأت الفوضى بالفعل. الباب كان مفتوحاً، و محمود يصرخ: “ده جنان! إحنا معانا إذن إننا نكون هنا!”.
حافظ القائد عادل على هدوئه: “يا أستاذ، البيت ده ملك السيدة ريناد صالح.”
— “مراتي تبقى أختها!”
— “ده ميدكش أي حق قانوني تدخل البيت.”
في تلك اللحظة خطوتُ للأمام. ساد الصمت فجأة. حدق بي محمود وكأنه رأى شبحاً.
— “إيه اللي هببتيه ده؟”
ابتسمتُ بهدوء: “أبداً.. كل اللي عملته إني كلمت الناس الصح.”
اندفعت كاميليا نحوي: “ريناد اللي بتعمليه ده مالوش لازمة.”
— “مالوش لازمة؟”
— “أيوه..
كان ممكن نتفاهم.” بقلم نورهان العشري
نظرتُ إليها وقلت: “أنا حاولت.”
لم يتحدث أحد. سأل القائد عادل: “يا مدام ريناد متأكدة إنك عايزة الناس دي تخرج من بيتك؟”
— “أيوه.”
أعلن القائد: “قدامكم عشر دقايق تلموا حاجتكم كلها.”
بدأ أقارب محمود بالاحتجاج: “ده تهريج!”، “إحنا سايقين خمس ساعات عشان نيجي هنا!”، “دي إهانة كبيرة في حقنا”.
كان محمود غاضباً وصرخ في وجهي: “ده كله بسببك إنتي!”.
قابلتُ نظرته بهدوء: “لأ.. دي نتيجة أفعالك إنت.”
تقدمت والدته وقالت “يا ساتر.. إيه القسوة دي!”.
ابتسمتُ و تحدثت بسخرية: “شيء غريب..
من عشرين دقيقة بس كنت أنا اللي حشرة في نظركم.”
فصمتت.
واحداً تلو الآخر، حزموا حقائبهم. في غضون خمس عشرة دقيقة، خرجوا من منزلي بوجوه غاضبة. كان محمود آخرهم. توقف أمامي وقال: “الحكاية مخلصتش لحد هنا.”
أملتُ رأسي وقلت: “معاك حق.”
فعادت ابتسامته المغرورة للظهور: “آه.. بجد؟”
طرق بابي في اليوم الرابع.
— “أهلاً.. أنا سليم لسه ساكن جديد هنا.”
كان صوته أعمق الآن، خشناً بفعل الزمن، لكنه رنّ في أعماق صدري. رفع سلة وابتسم: “دي حاجة بسيطة عشان نفتح صفحة جديدة، وعشان متشتكيش لجمعية السكان لو أهملت الجنينة شوية.”
ثم شمر عن ساعديه. وهنا رأيتُ ذلك؛ ندوب حروق لا تخطئها العين. وفي الجزء الداخلي من ساعده كانت العلامة التي أعرفها جيداً. الندبة.
تحجر الكلام في حلقي. وهمستُ: “سليم”
اختفت ابتسامته فوراً وقال بصوت منخفض:
“مكنش المفروض تعرفيني.. بس بما إنك عرفتي، يبقى لازم تعرفي الحقيقة. الحريق مكنش حادثة..
وأبوكي كان عارف كل حاجة.. هو…”
انكسر صوته، وبدأ سليم بالبكاء.
بعد عشر دقائق ارتمى سليم على المقعد القريب، وكأن ثقل السنين انصبّ فوق كتفيه فجأة. اقتربتُ منه بخطوات مترددة، يدي ترتجف وهي تمتد لتلمس ذراعه المشوهة، وكأنني أتأكد أنه ليس سراباً.
— “إزاي يا سليم إزاي كنت عايش كل ده وأنا كنت بزور قبرك كل سنة؟ إزاي قدرت تسيبني للوجع ده؟”
رفع عينيه المليئة بالدموع ونظر إليّ بحرقة:
— “مسبتكيش بمزاجي يا ريناد.. الحريق كان مقصود، والهدف مكنش الهدف كان ‘إخفاء’ الحقيقة. أبوكي مكنش مجرد ميكانيكي بسيط، كان عارف سر في شغل عيلتي، سر لو طلع كان هيودي ناس كبيرة في داهية. لما الكوخ ولع، هو اللي طلعني..
بس بدل ما يرجعني ليكي، خفاني.”
حبستُ أنفاسي وأنا أستمع لصوته المتهدج:
— “قالي إن دي الطريقة الوحيدة عشان تفضلي عايشة. خيرني بين إني أختفي وأبدأ حياة جديدة بكيان تاني، أو إني أرجع وأعرض حياتك وحياة عيلتك للخطر. أبوكي عمل كدة عشان يحميكي، بس التمن كان عمري وعمرك.”
ساد الصمت، ولم يكن يُسمع سوى صوت تلاطم الأمواج في الخارج. نظرتُ إلى الأفق، وتذكرتُ والدي.. الرجل الهادئ الذي حمل هذا السر العظيم حتى وفاته.
— “يعني السنين دي كلها ضاعت عشان ‘خوف’؟” بقلم نورهان العشري
أمسك سليم يدي، وكانت برودة يده تشبه برودة الثلج:
— “السنين مضاعتش يا ريناد.. السنين دي هي اللي خلتنا الشخصيات اللي إحنا عليها دلوقتي. الحب الحقيقي مش هو اللي بيعيش في الظروف المثالية، هو اللي بيفضل حي حتى لو الدنيا كلها حاولت تحرقه. أبوكي مكنش شرير، كان أب خايف.. والخوف أحياناً بيخلينا ناخد قرارات قاسية عشان نحمي اللي بنحبهم.”
بكينا طويلاً، ليس ندماً على ما فات، بل تقديراً للقدر الذي أعادنا لنفس النقطة بعد ثلاثين عاماً.
تفاجئت من رنين الباب لأهب من مكاني و أتوجه لمعرفة من الطارق فتفاجئت بمحمود يقف عند الباب، ونظر إليّ بنظرة ملتهبة بالحقد، وقال بصوت فحيح:
— “فاكرة إنك كسبتي يا ريناد إنتي طول عمرك كدة.. شايفة نفسك أحسن مننا، بس الحقيقة إنك لسه عايشة في وهم مات من تلاتين سنة.” بقلم نورهان العشري
رفعتُ حاجبي باستنكار: “قصدك إيه يا محمود وايه دخل ده باللي حصل النهاردة؟”
ضحك بسخرية وهو يقترب خطوة واحدة:
— “أنا عارف إنك لسه بتفكري في سليم.. عارف إنك كنتِ بتبصيلي زمان بقرف عشان أنا كنت مجرد واحد شغال عند أبوه.
كنتِ شيفاني ‘بيئة’ ومستوايا قليل، وهو البرنس اللي خطف قلبك. أنا عمري ما كرهت حد قد ما كرهته، وكرهتك إنتي كمان عشان كنتِ بتشوفيه هو الكل في الكل.”
صُدمتُ من كلامه، لكنه أكمل بغلّ: بقلم نورهان العشري
— “لما مات في الحريق، أنا فرحت.. قلت أخيراً الساحة فضيت. ولما اتجوزت أختك، كان هدفي إني أدوس على عيلتكم وأخد كل اللي كنتوا شايفينه كبير عليكم. كرهي ليكي يا ريناد مش بس عشان البيت.. أنا بكرهك عشان إنتي لسه ‘بقايا’ من ذكرى الشخص اللي كان بيحسسني إني ولا حاجة.”
نظرتُ إليه بهدوء غريب، وأجبتُه بكلمات رصينة:
— “الغريب يا محمود إن سليم مات في نظرك من تلاتين سنة، بس لسه عايش ومسيطر على تفكيرك أكتر مني. إنت اللي حبست نفسك في عقدة النقص دي.. مش أنا اللي عملت فيك كدة.”
أشار إليّ بإصبعه بتهديد: “الحكاية مخلصتش يا ريناد.. وبكرة تشوفي.”
خرج وأغلق الباب خلفه بقوة، تاركاً إياي في صمت الم*وت. لم يكن يعرف أن سليم لم يعد “ذكرى” كما يظن، بل هو الآن جاري في المنزل المجاور، وأن الحقيقة التي حاول الجميع إخفاءها بدأت تظهر للنور. بقلم نورهان العشري
“الحقد هو سجن بنبنيه لنفسنا وبنعيش جواه سنين، وبدل ما بنحاول نتحرر منه، بنحاول نسجن فيه كل اللي حوالينا.” ★★★
كان الليل قد أرخى سدوله على الشاطئ، و سليم يهمّ بمغادرة منزلي بعد تلك المواجهة العاطفية. لكن بمجرد خروجه إلى الممشى الخشبي، ظهر ظلٌ من خلف الأشجار. كان محمود الذي لم يرحل كما ظننا، بل ظل يراقب المكان من بعيد، والغلّ يأكل قلبه.
توقف محمود أمام سليم وحدق في وجهه تحت ضوء كشافات الحديقة. ملامحه كانت تتغير من الشك إلى الذهول، ثم إلى رعب حقيقي.
محمود بصوت مهزوز: “مش ممكن.. إنت؟ إنت إزاي لسه عايش؟”
سليم وقف بكل ثبات، وبنظرة باردة كالثلج رد عليه: “واضح إنك لسه بتخاف من الأشباح يا محمود..
بس أنا مش شبح.” بقلم نورهان العشري
محمود استعاد نبرة التعالي بتاعته رغم رعشته: ” طلعت لسه عايش! وراجع ليه؟ عشان تاخد الهانم؟ فاكر إنك لما ترجع بوشك المحروق ده هتبقى البطل؟ إنت لسه المرفوض.. إنت اللي أبويا كان بيشغلك عنده بالسخرة!”
لم يتحرك سليم لكن قبضة يده اشتدت. محمود كمل بوقاحة وهو بيضحك بسخرية:
“عارف.. أنا اللي كنت ببعت جوابات التهديد لأبو ريناد زمان عشان يبعدك عنها.. أنا اللي ولعت في الكوخ ده بجد، بس الظاهر إنك قطة بسبع ترواح.”
في اللحظة دي، انطلقت صرخة مكتومة من صدري وأنا واقفة وراء الباب بسمع الاعتراف ده.
لكن سليم لم ينتظر ثانية واحدة.
بلمح البصر، انقضّ سليم على محمود بلكمة قوية سكنت في فكه، أسقطته أرضاً فوراً. لم يكتفِ سليم بذلك، بل جذبه من ياقته ورفعه بيده الواحدة وكأنه لا يزن شيئاً.
سليم بصوت مرعب: “دي عشان السنين اللي ضاعت.. ودي عشان الدموع اللي ريناد نزلتها.. ودي عشان الحقد اللي مالي قلبك!”
كال له سليم سلسلة من الضر*بات المتتالية، ض*ربات كانت تحمل وجع ثلاثين عاماً من الغربة والتشويه والظلم.
محمود كان يترنح ويحاول الاستغاثة، لكن صوته كان يختنق في حلقه.بقلم نورهان العشري
ألقاه سليم على الرمل بقوة، ثم انحنى فوقه وهمس في أذنه بلهجة مصرية حادة:
“لو لمحت طيفك بس قريب من البيت ده، أو حاولت تأذي ريناد بكلمة.. صدقني المرة دي مش هسيبك تطلع حي. أنا رجعت من المو*ت يا محمود واللي يرجع من المو*ت مبيخافش من حد.”
انسحب محمود وهو يزحف على الرمل، يجرّ أذيال الخيبة والألم، بينما وقف سليم ينفض يديه بهدوء، ثم التفت إليّ بابتسامة حزينة وقال:
“الحق مبيضيعش يا ريناد.. بس أحياناً بيحتاج ‘إيد’ قوية ترجعه.”
الشر ممكن يعيش سنين في الضلمة ويفتكر إنه انتصر، بس في النهاية، ض*ربة واحدة من الحق كفيلة تهدّ كل اللي بناه الظلم.
أحياناً يخبئ لنا القدر آلاماً لا نفهمها، ويضعنا في اختبارات قاسية تتطلب تضحيات تفوق طاقتنا. ولكن الحقيقة، مهما طال دفنها، تجد طريقاً للنور. والعبرة هي أن “الحماية التي تأتي من الخوف قد تبني أسواراً بيننا وبين من نحب، لكن الصدق هو الوحيد الذي يهدم تلك الأسوار ويمنحنا فرصة ثانية.”
حكايات نورهان العشري