دخلت مريم الشقة، وأغلقت الباب خلفها. كانت جدران البيت تحمل ذكريات حبها مع أحمد، وكانت رائحته لا تزال عالقة في المكان. وضعت يونس في سريره الصغير، الذي كان فارغًا طوال الأيام الماضية، وغطته بعناية. نظرت إلى الشقة التي أصبحت الآن ملكها وملك ابنها، وشعرت بمزيج من الحزن على فقدان زوجها، والقوة لأنها نجحت في حماية إرث ابنهما.
في تلك اللحظة، رن هاتف مريم. كان المتصل والدها. “مريم، أنتي فين؟ طمنينا عليكي.” أخبرته مريم بكل ما حدث، من طرد صفية لها في المطر، إلى مساعدة محمود، واكتشاف العقود والخزنة. بكى والدها من التأثر، وأكد لها أنه سيأتي إليها فورًا مع والدتها وإخوتها ليكونوا بجانبها. في صباح اليوم التالي، جاء والد مريم ووالدتها وإخوتها. كانت مريم تشعر بالدفء والراحة في وجود عائلتها، وبدأ يونس يستعيد عافيته. بدأ محمود في إجراءات نقل ملكية الشقة والسيارة لمريم، وساعدها في فتح الخزنة واستلام ما فيها.
قررت مريم أن تستخدم المال الذي تركه أحمد لتأمين مستقبل يونس. فتحت حسابًا بنكيًا باسمه، ووضعت فيه جزءًا كبيرًا من المال والذهب. كما قررت أن تبيع السيارة التي تركها أحمد، وتستخدم ثمنها في شراء شقة أصغر في منطقة هادئة، وتستثمر باقي المال في مشروع صغير يدر لها دخلًا شهريًا. بينما كانت مريم تخطط لمستقبلها، كانت الحاجة صفية تعيش في حالة من الغضب والانتقام. كانت تحاول التواصل مع مريم ومحمود لكنهما لم يردا عليها. قررت صفية أن تذهب إلى النيابة العامة وتقدم بلاغًا ضد مريم بتهمة التزوير والاستيلاء على أموال ابنها.
وقفت مريم أمام المرآة في شقتها الجديدة، الأصغر ولكن الأكثر دفئاً، وهي تضبط حجابها. كانت ملامحها قد اكتسبت صلابة جديدة، ولم تعد تلك المرأة المكسورة التي طردت في ليلة مطيرة. لقد مرت أشهر على تلك الحادثة البشعة، وأصبحت الآن تدير مشروعها الصغير لتصميم الأزياء من المنزل، مستخدمة جزءاً من الذهب الذي تركه أحمد كرأس مال، بينما استثمرت الباقي في ودائع بنكية آمنة ليونس.
على الجانب الآخر، كانت الحاجة صفية تعيش أسوأ أيام حياتها. بعد فشل بلاغها الكيدي في النيابة، حيث أثبتت التقارير الفنية صحة توقيعات أحمد على العقود والوصية، وجدت نفسها وحيدة في شقة إيجار قديم ومتهالك. بناتها اللواتي حرضنها على مريم، انشغلن بحياتهن ولم يقدمن لها سوى القليل من الدعم المادي، وواجهت نظرات الاحتقار من جيرانها القدامى الذين عرفوا حقيقة ما فعلته بكنتها وابن ابنها. كان الصباح مشرقاً حينما رن جرس هاتف مريم. كان محمود على الخط.
“صباح الخير يا مدام مريم. عندي خبر عاجل بخصوص قضية الحراسة القضائية على الشركة.” حبست مريم أنفاسها. الشركة كانت النزاع الأخير القائم، حيث حاولت صفية وبناتها إثبات حقوقهن في حصة أحمد في مكتب المحاماة الذي كان شريكاً فيه مع محمود. “خير يا أستاذ محمود؟ طمني.” أجاب محمود بنبرة منتصرة: “الخبير المنتدب من المحكمة أنهى تقريره، وبناءً على الوصية الثانية التي وجدناها في الخزنة – التي توصي بأن تذهب حصته في الشركة لإبنه يونس تحت إدارتك حتى بلوغه السن القانوني – تم رفض دعوى الحاجة صفية تماماً. غداً سنستلم الصيغة التنفيذية للحكم.”
تنفست مريم الصعداء ودموع الفرح تترقرق في عينيها. “الحمد لله.. الحمد لله يا محمود. حق يونس رجع بالكامل.” في تلك اللحظة، كان الباب يقرع بهدوء. فتحت مريم لتجد الحاجة صفية واقفة على الأعتاب. كانت تبدو شاحبة، مهزومة، وقد نال منها الزمن والندم. لم تكن تحمل تلك النظرة الشرسة التي طردت بها مريم، بل كانت عيناها مكسورتين وتنظران للأرض. “عايزة إيه يا حاجة صفية؟” سألت مريم بنبرة هادئة ولكن حازمة، مانعة إياها من الدخول. نظرت صفية إلى مريم بصوت متقطع: “أنا.. أنا جيت أشوف يونس.. ابني أحمد وحشني، ويونس هو اللي فاضل منه.”
نظرت مريم إلى الحاجة صفية، التي كانت تبدو مكسورة و ذليلة، وشعرت بمزيج من الشفقة و الغضب. تذكرت ليلة طردها في المطر، و كلام صفية الجارح، و قسوتها عليها و على يونس. لكنها تذكرت أيضاً أن صفية هي جدة يونس، و أم زوجها الراحل أحمد، و أنها فى النهاية امرأة مسنة و وحيدة. “يونس نايم دلوقتي يا حاجة صفية.” قالت مريم بنبرة هادئة و لكن حازمة. “و بصراحة، أنا مش عارفة إذا كان من مصلحته إنه يشوفك بعد كل اللي حصل.”
دمعت عينا صفية، و قالت بصوت متقطع: “أنا عارفة إني غلطت في حقك و في حق يونس يا مريم.. و أنا ندمانة على كل اللي عملته. بس أحمد وحشني أوي، و يونس هو اللي فاضل منه. خليني بس أشوفه و أطمن عليه.” ترددت مريم للحظة، لكنها قررت أن تمنح صفية فرصة أخيرة. “ماشي يا حاجة صفية.. ممكن تشوفيه بس من غير ما تصحيه. و يا ريت تكون دي آخر مرة تيجي فيها هنا.”
دخلت صفية الشقة بخطوات ثقيلة، و ذهبت إلى غرفة يونس. نظرت إليه و هو نائم بسلام، و دمعت عيناها مرة أخرى. وضعت يدها على رأسه و قالت بصوت خافت: “سامحني يا حبيبي.. سامحني يا ابن ابني.” بعد لحظات، خرجت صفية من الغرفة، و ودعت مريم بكلمات قليلة من الشكر و الندم. خرجت من الشقة و هى تجر أذيال الخيبة و الحزن، و مريم تنظر إليها و هي تشعر بارتياح و قوة.
عادت مريم إلى غرفتها، و نظرت إلى يونس و هو نائم، و شعرت بأمل و تفاؤل يغمرانها. كانت قد نجحت في استعادة حقوقها و حماية ابنها، و كانت قد واجهت ظلم صفية بصلابة و شجاعة. و كانت قد أثبتت لنفسها و للجميع أنها قادرة على بناء حياة جديدة و سعيدة، حتى بعد فقدان أحمد.
قررت مريم أن تواصل عملها في مشروعها الصغير لتصميم الأزياء، و أن تستمر في تربية يونس على قيم الحب و الاحترام و التسامح. و كانت تتطلع إلى المستقبل بأمل و ثقة، و كانت تعرف أن أحمد يراقبها و يحميها من السماء، و أن روحه ستظل حاضرة في حياتها و حياة يونس إلى الأبد.