”حماتي عايرت أمي بكلمة ‘فلاحة’.. جوزي ضـ,ـرب أمي بالقلم عشان خاطر شوية شوربة، فكشفت المستور اللي خلى البيت كله يتهاهد في لحظة.”
”لو أمك مش متعلمة الأصول، يبقى لازم حد يربيها من جديد.”
دي كانت الكلمة اللي نطق بيها “محمود” جوزي، ثواني قبل ما يرفع إيده ويضـ,ـرب أمي بالقلم على وشها.. قدام عيلة “الشرقاوي” كلها.
كنا في “عزومة قراية فاتحة” أخوه الصغير.. وأنا واقفة في وسطهم شايلة ابني في بطني، في الشهر السابع.
صوت القلم كان قوي لدرجة إن الشغالة اللي كانت بتوزع الشربات اتسمرت مكانها، والضحك اللي كان مالي الصالون اتحول لسكوت كأنه مـ,ـوت.
ماحدش نطق.. ماحدش دافع عنها.
لا إخواته، ولا أعمامه، ولا حتى الناس اللي كانت قاعدة تبتسم من دقيقة واحدة.. أصل الظهرية دي كانت المفروض تبقى “فرحة”.
أنا ما صرختش.. ما جريتش عليه.. ولا حتى رميت كوباية الماية في وشه رغم إن ناري كانت بتاكلني.
أنا فضلت واقفة، إيدي
على بطني، وبدأت أعد في سري:
واحد..
عن كل مرة أمي بلعت فيها دموعها عشان ما تشيلنيش الهم.
اتنين..
عن كل إهـ,ـانة حماتي “الحاجة فوزية” غلفتها في شكل “نصيحة”.
تلاتة..
عن كل مرة أنا لغيت فيها كرامتي وسميتها “صبر”.
وعند رقم أربعة، عرفت الحقيقة بوضوح:
أنا مش هحاول أنقذ جوازي.. أنا جاية النهاردة عشان أدفنه.
الحكاية كلها بدأت بـ “سلطانية شوربة”.
أمي، “الست كريمة”، كانت بتشيل الوش الدسم من الشوربة عشان بقالي أيام مش طايقة ريحة الأكل من التعب.. كانت خـ,ـايفة عليا من “اللوعة” والتعب وهي شايفة وشي بهتان.
لكن حماتي، بصت للطبق كأنها شافت سمّ، وقالت بصوت مسموع للكل:
“والله وبقت مية بيضا.. باين أوي طبع الأرياف، حتى الأكل ما يعرفوش فيه الأصول ولا العز.. طبيخ ملوش هيبة.”
أمي وطت راسها وقالت بصوت واطي:
“يا فوزية هانم، أنا بس خففتها عشان مريم تعبانة.. الشوربة التقيلة بتقلب معدتها.”
محمود ما بصليش حتى.. كان مشغول بصب العصير لأمه بتبجيل، كأنها ملكة وإحنا شغالين عندها.
رد ببرود وهو باصص في طبق أمه: “أمي بتحب الأصول اللي اتعودنا عليها في البيت ده.. المرة الجاية بلاش تفتكسي وتغيري نظامنا.”
أمي خدت نفس طويل وقالت:
“يا محمود يا ابني، أنا في مقام حماتك، وأنا أدرى بمصلحة بنتي.. اتكلم معايا بأسلوب أحسن من كده.”
هنا محمود قام وقف.. ببطء.. ومن غير ذرة كسوف، وبنفس النظرة الباردة اللي بقيت أحفظها أكتر من اسمي، قال:
“أمي في بيتها.. وإنتي هنا ضيفة.. والضيف ما يتشرطش.”
أمي لسه هتفتح بؤها، كان القلم نزل على وشها.
الصالون بقى جثة هامدة.. أمي حطت إيدها على خدها، وعينيها اتملت دموع.. وحماتي؟ حماتي “ابتسمت”.
ابتسامة صغيرة، كأنها انتصرت، كأن الكرامة اللي اتكسرت دي رجعت الأمور لنصابها الصحيح.
الابتسامة دي هي اللي كـ,ـسرت جوايا آخر حبل مودة.
أخدت أمي الأوضة جوه، وحطيت تلج على وشها.. كانت بتعيط، بس مش من الوجع.
كانت بتعتذر لي أنا!
“حقك عليا يا بنتي.. ما كنتش عايزة أعملك مشاكل في بيتك.”
الكلمة دي وجعتني أكتر من ضـ,ـربة القلم.
لما رجعت الصالون، كانت “الزغاريط” رجعت، والناس بدأت تاكل وتضحك تاني، كأن أمي ما اتهانتش قدام الغريب والقريب.
محمود بصلي بضيق وقال: “روحي بوسي إيد أمي واتأسفي لها، ونقفل الموضوع ده هنا.”
بصيت له بكل هدوء.. وبعدين مشيت لوسط الصالة.
الكل سكت وبص لي.. بصيت مباشرة لـ “أم العروسة” اللي جاية تقرى فاتحتها على أخو محمود.
وقلت بصوت ثابت:
“يا مدام.. قبل ما ترمي بنتك في العيلة دي، في حقيقة لازم تعرفيها.”
وش محمود بقى لونه أبيض زي الورقة: “مريم.. اخرسي واطلعي جوه!”
ما سكتش.. وكملت:
“العيلة دي عندها “مرض” بيورثوه من الأب للابن.. الغدر، واليد الطويلة، والرجولة اللي فاكرينها بضـ,ـرب الستات.”
السكوت نزل على القاعة كأنه صخرة.
البنات التلاتة (خطيبات إخواته) بصوا لأهاليهم برعب.
“فوزية هانم” بطلت تبتسم.
وأنا كملت:
“اللي شوفتوه دلوقتي ده مش غلطة لحظة.. ده سيستم حياة هنا.”
عشر دقائق بالظبط، وكان أول تليفون رن.. كان والد العروسة الجديدة، بيبلغهم إن “كل شيء قسمة ونصيب” والخطوبة اتلغت قبل ما تبدأ.
وبعدها تليفون “ياسين” أخوه رن، وبعده “خالد”.
تلات بيوت اتهدوا في أقل من نص ساعة.
ولما محمود قرب مني والشر في عينيه عشان يمسك دراعي، كنت أنا اللي سبقت بكلمة واحدة هزت البيت كله.
لأن السر اللي كنت مخبياه لشهور، كان كفيل يخلي حماتي تبـ,ـوس رجلي عشان ما أنطقش بكلمة تانية.
حكايات انجي الخطيب محمود قرب مني وهو بيغلي، وعينيه فيها نظرة غدر، مسك دراعي بقوة وقال وهو بيوشوشني من بين سنانه:
“إنتي خربتي بيت إخواتي وفضحتينا.. والله ما هتروحي من هنا غير على نقالة، وعيلك اللي في بطنك ده مش هتشوفيه!”
زقيت إيده بكل قوة، وضحكت ضحكة خلت الكل يستغرب.. ضحكة واحدة واثقة مكسرتش عيني قدام تهديده.
بصيت لحماتي
“فوزية” اللي كانت قاعدة بتلطم وتقول “بيوت ولادي اتخربت يا وش الفقر”، وقلت لها بصوت عالي سمّع البيت كله:
”البيوت دي كانت مبنية على باطل يا حاجة فوزية.. والباطل عمره ما يدوم. وإنت يا محمود، بتهددني باللي في بطني؟”
وقفت في نص الصالة، وبصيت لأعمامه اللي كانوا قاعدين زي التماثيل، وقلت:
“يا جماعة، محمود بيه، الكبير بتاعكم اللي ضـ,ـرب أمي عشان يعلمها الأصول، بقاله تمن شهور بيسحب ورث إخواته البنات اللي هما مأمنينه عليه، وبيصرفه على قعدات ومزاج، وكاتب شقق إخواته اللي بيخطبوا دول باسمه هو..
يعني العرايس اللي كانوا هيتجوزوا هنا، كانوا هيتجوزوا في شقق “إيجار” من اللي محمود بيملكها، مش ملك لرجالتهم!”
البيت اتقلب في ثانية. إخواته “ياسين وخالد” قاموا وقفوا، والذهول على وشهم.
ياسين قال بصوت مرعوش: “إنتي بتقولي إيه يا مريم؟ محمود قايل لنا إن الشقق اتسجلت بأسامينا من شهر!”
قلت له ببرود: “محمود زور توقيعكم، والورق كله في شنطتي اللي في أوضة النوم..
مش بس كده، محمود الـ ‘شهم’ اللي بيضـ,ـرب الستات، بايع دهب أمه ‘الحاجة فوزية’ ومبدله بفصوص زجاج، وهي يا عيني فاكرة إنه شايلهولها في الخزنة!”
حماتي هنا وشها بقى لونه أزرق، وجريت زي المجنونة على الخزنة، ومحمود واقف مكانه كأنه اتشل.. السر اللي كان فاكره هيدفن معاه طلع للنور.
حماتي لما عرفت إن كل اللي حيلتها راح، وإن ابنها “السند” هو اللي سـ,ـرقها، وقعت على ركبها تحت رجلي وهي بتعيط.. مش عشان ندمانة على ضـ,ـرب أمي، لأ، عشان خايفة من الفضيحة ومن ولادها التانيين اللي كانوا هياكلوه حي.
قالت لي وهي بتشهق: “ابوس إيدك يا مريم..
استري علينا، بلاش الفضايح، إحنا أهل.. قولي إنك كنتي بتكدبي من زعلك على أمك!”
بصيت لها من فوق لتحت، وقلت لها الكلمة اللي قطمت وسطها:
“الأرياف اللي عايرتي أمي بيهم، علمونا إن اللي يسـ,ـرق أهله ويضـ,ـرب ست غريبة في بيته، ما يتبكيش عليه.. وأنا مش بس كشفتكم، أنا بلغت المحامي بتاعي يرفع قضية طلاق للضرر، وحق أمي هاخده بالقانون.. والقلم اللي نزل على وشها، محمود هيدفع تمنه سنين من عمره في المحاكم.”
أخدت أمي من إيدها، وهي لسه دموعها على خدها، وخرجت من باب البيت من غير ما أبص ورايا.
محمود وإخواته بدأوا يمسكوا في خناق بعض، وصوت زعيقهم كان مالي الشارع..
سبتهم بياكلوا في بعض، وركبت التاكسي مع أمي.
طول الطريق كانت ماسكة إيدي وبتقول لي: “يا بنتي بيتك اتخرب.”
قلت لها: “يا ست الكل، البيت اللي تتهان فيه كرامتك، يبقى قبر مش بيت.. والنهاردة أنا ما خربتش بيتي، أنا نضفت حياتي.”
ومن يومها، وعيلة “الشرقاوي” بقوا سيرة على كل لسان، ومحمود خسر كل حاجة.. خسر فلوسه، وإخواته، وابنه اللي قررت إنه مش هيعرف إن أبوه موجود أصلاً.. لأن اللي ما يصونش “الست” اللي ربته، واللي اتجوزها، ما يستحقش يشيل اسم “أب”.
حكايات انجي الخطيب