منوعات

قيد من جـ,ـمر بقلم نورهان العشري ج٣

سادَ السكونُ البهو العتيق قبل أن تكسر هيبته بوقع خطواتٍ هادئة، خطواتٍ كان لها إيقاعٌ أربك صمت البيت الكبير. هبطت فريدة السلم برفقة والدتها فردوس، فتوقفت حركة الهواء في المكان. كانت فريدة في تلك اللحظة تجسيدًا باهرًا للجمال الآسر تلتف برداءٍ أزرق داكن يُبرز بشرتها الإغريقية الوضاحة، وشعرها الغجري الثائر ينساب على كتفيها بحرية كأمواج ليلٍ دامي، وعيناها الكحيلتان تفيضان بسحرٍ متفجر وشموخٍ جريح. كانت تفوح منها رائحة العود والياسمين، فملأت الفضاء بعبيرٍ يسحر العقول ويُربك أعتى الرجال.

عند طرف الطاولة، كان زياد يمسك بفنجان قهوته، وما إن وقعت عينيه عليها حتى تجمدت يده في الهواء. سكنت حدقتاه الشهلاوان، و ازدرد ريقه ببطء كمن يبتلع جمرًا، وانبهر بها بشكلٍ لم يستطع مداراته؛ كان يلتهم تفاصيل حسنها القـ,ـاتل بنظراتٍ يمتزج فيها العشـ,ـق الممـ,ـسوس بالغيرة الهوجاء. تخيل أن كل هذا السحر كان على وشك أن يكون لغيره بالأمس، فاستعرت النار في أضلعه، و اجتاحت صدره أنفاسٌ ثقيلة، لكنه فرض على ملامحه قناعًا من الهيبة الصارمة.

جلست فريدة بالمقعد المجاور لوالدتها التي كانت تجلس بجانب مقعد نرمين التي كان مقعدها بجانبه، متجاهلةً وجود الجميع، بينما كانت نظرات ” فاطمة” و نرمين” تفيضان بالسم والغل الدفين، نظراتُ حقدٍ تصـ,ـارع لإخفاء صدمتهما من حضور فريدة الطاغي وطريقة نظرات زياد لها. تحدثت فاطمة بجفاء: ـ الناس بتدخل تقول صباح الخير، و أنتِ و لا أكنك داخلة على ميتين فريدة بابتسامة ساخرة و نبرة تشبهها: ـ سيبي الخير لناسه يا مرات عمي مالك أنتِ و ماله؟

اغتاظت فاطمة، و لكن نيرمين بدأت اللعبة بدهاء، فحركت ملعقتها في الفنجان بصوتٍ يرن ببطء، ثم قالت بنبرةٍ تقطر مسكنةً مسمومة وهي تنظر لزياد: ـ هتتأخر النهاردة يا زياد؟ شكلك تعبان و مرهق أوي محتاج ترتاح شوية.. زياد باقتضاب: ـ أنا كويس..

اتسعت ابتسامة فريدة على جفاءه معها، و لم تكتفي بذلك فحسب، بل رفعت رأسها لترى نرمين ابتسامتها الشامتة، و التي لا تخلو من السخرية، والتي لم تخفى على زياد أيضًا، ولكنه لم يُعلق، فقد كان عالقًا خلف شوقه الكبير لها يجاهد حتى لا يذهب و ينتزعها من بينهم، لينفرد بها في ابعد مكان في هذا العالم حتى يروي ظمأه منها، ولكن جاءت كلمات والدته لتصيبه بالغضب: ـ طبيعي يبقى تعبان و مرهق، ما البيت اتعكر الجو بتاعه، و مبقاش مريح زي الأول..

كانت تتحدث وهي تنظر إلى فريدة التي ابتسمت ابتسامةً باردة لم تصل لعينيها، ورفعت فناجها بترفعٍ أثبت شموخها، وهي تطالع فاطمة الند بالند، لتدلف زهراء أحد الخدم و تقوم بوضع طبق من الفطير الفلاحي، و طبق من العسل الأسود أمام فريدة وهي تقول بحبور: ـ حمدلله على سلامتك يا ست فريدة، جبتلك الفطير المشلتت و العسل الأسود اللي بتحبيه، قولت زمانهم وحشوكي.. ناظرتها فريدة بسعادة، فهذه أول بادرة ترحيب بها في هذا المنزل، لتقول بامتنان:

ـ ميرسي يا زهراء تسلم ايدك. فعلًا أنا كان واحشني الأكل دا أوي.. زهراء بلهفة: ـ بألف هنا على قلبك يا ست الستات.. ـ امشي يا بت أنتِ غوري على شغلك..

هكذا صاحت فاطمة في وجه زهراء التي ارتعبت منها و هرولت إلى الخارج، لتقرر فريدة استفزازها أكثر، فقامت بتقطيع الفطير و غمس قطعة صغيرة منه في العسل الأسود و وضعها في فمها، وهي تتلذذ بطعمها الرائع، لتتساقط بعض قطرات العسل فوق أصابعها، فقامت بلعقها بنعومة أصابت زياد بالجنون، فقد عادت إليه ذكرياتهم، وهي تطعمه هذا الأكل، وهو يقبل أصابعها التي كانت تجعل للعسل مذاقًا رائعًا، فتهدجت أنفاسه وغامت عينيه برغبةٍ قوية ممزوجة بعشـ,ـقٍ جارف، ولكن ذلك لم يعجب فاطمة التي هتفت بحدة:

ـ في ايه هو أنتِ مكنتيش بتاكلي في بيتكوا ولا اي ؟ ما تاكلي زي الناس. اغتاظت فريدة من حديثها ولكنها ردت بصوتٍ ناعم كالحرير وشديد القسوة كالإبر: ـ عندك حق مكنتش باكل كانت نفسي مسدودة. لكن لما رجعت بيتي وبيت أبويا وجدي نفسي اتفتحت. انقبضت ملامح فاطمة، ورمقتها بنظرة مشتعلة لتتدخل فردوس بنبرة تهكمية مبطنة: ـ ركزي في طبقك يا فاطمة يا حبيبتي. هو أنتِ طول عمرك كدا بصة في طبق غيرك، وفي اللقمة اللي في إيد غيرك.

تكهربت الأجواء وأصبحت الكلمات أسلـ,ـحةً خفية تُغرس في القلوب بدهاء، بينما كانت عينا زياد لا تفارقان وجه فريدة. كان يرى تحديها الصامت، شموخها الذي لا ينحني، وثغرها الذي يقطر كبرياءً، فاشتعلت رغبته في فرض سيطرته عليها، وتذكير الجميع بكلمته الأولى والأخيرة،ليضع الفنجان على الطبق الرخامي بصوتٍ جافٍ قاطع، أحدث رنينًا حادًا أخرس الجميع في توقفٍ مفاجئ لجريان الحديث. ـ كفااااية كلام استقام في جلسته، وعيناه الشهلاوان تطوفان بالحاضرين بهيبةٍ تلجم الألسن، وقال بنبرةٍ خفيضة، لكنها شقت صمت السفرة كحد السيف:

ـ اللي كل يقوم يشوف وراه أيه، واللي مكلش يكمل أكله، و ياريت تتعلموا تتعاملوا مع بعض بطريقة أحسن من كدا. عشان اللي حصل دا مش هسمحله يحصل تاني.. ثم ثبت نظراته النارية على فريدة، يلتهم جمالها بشغفٍ وتحدٍ محرق، واردف بهسيسٍ يقطر سلطةً وتملكًا: ـ فريدة بنت البيت دا. يا حاجة، و طلاقي ليها كان غلطة واتصلحت، و أهي رجعت بيتها تاني، مالوش لزوم كتر الكلام، واللي هيفكر يعارضني هيزعل أوي مني مفهوم؟

التفتت إليه فريدة، ورفعت حاجبًا واحدًا في تحدٍ صريح، لتلتفي عينيهما في معركةٍ صامتة؛ عينان تتوقان لامتلاكها، وعينان تقسمان على عدم الاستسلام بسهولة، ليجد نفسه يقول بصرامة: ـ لما تخلصي تعالي ورايا على المكتب.. ★★★★★★★★ استقرت خطوات فريدة عند عتبة المكتب عقب انفضاض تلك السفرة المشحونة. لم تنتظر إذنًا بالدخول؛ بل دفعت الباب الخشبي العتيق بخفةٍ أعلنت حضورها الطاغي، لتلتقط عيناها زيادًا وهو يقف وراء مكتبه الضخم، قد خلع سترته وشمر عن ساعديه، يُمسك بطرف المكتب بقبضتين اشتدت مفاصلهما حتى أبيضت، وصدره يعلو ويهبط بجهد رجلٍ يحاول كبح زلزالٍ يستعر في أضلاعه.

ما إن سمع صرير الباب حتى رفع رأسه ببطء. لم تكن نظراته الشهلاوان سوى شواظٍ من نارٍ ووله؛ كانت تفاصيل جمالها الآسر تتلألأ تحت أضواء المكتب الدافئة، فشعر بغرائز الامتلاك تُعربد في دمه. أغلق الباب خلفها بصرخةٍ مكتومة، ودنا منها بخطواتٍ رزينة تحاكي إيقاع القدر. ساد الغرفة صمتٌ مشحونٌ بعبق العود ورائحة التحدي، ليقطع هو ذلك السكون بصوتٍ جشّ، يتضوع هيبةً وشغفًا مجنونًا: ـ برافو حلو أوي اللي حصل على الفطار دا. دي لعبتك يعني؟ كدا هتاخدي حقك اللي بتقولي عليه؟

استندت فريدة بجسدها الممشوق على طرف الطاولة القريبة، ورفعت رأسها بكرامةٍ تأبى الانكسار. التقت عينها بعينيه في ثباتٍ صلب، وقالت بصوتٍ ناعمٍ كالهمس، لكنه أشد قسوةً من زئير الرياح: ـ أنا مبلعبش يا ابن عمي.. أنا بمارس حقي الطبيعي في بيتي، واللي بيبدأ الحـ,ـرب لازم يتحمل نتايجها.. وهما اللي بدؤا الحـ,ـرب دي معايا يتحملوا بقى؟ وبعدين لما اللي بيحصل مش عاجبك رجعتني ليه من الأول؟

دنا زياد حتى حاصرها بجسده العريض، يلفح وجهها بأنفاسه المشتعلة غيرَةً وعشقًا. كان القرب بينهما كتماس قطبين كهربائيين؛ حارقًا، مدهشًا، ومحرمًا على التراجع. مد يده ببطءٍ مهيب، لتمسح أطراف أصابعه الرقيقة خصلة من شعرها المتمرد عند جبهتها، قبل أن يمسك بذقنها برفق يحمل بصمات الملكية، ليقول بهسيسٍ أذاب عظامها: ـ رجعتك لأنك ملكي.. حتى النفس اللي بتتنفسيه دا ملكي، ولأن فريدة النعماني اتخلقت عشان تكون لزياد وبس، حتى ولو العالم كله وقف في طريقنا.. أنتِ فاكرة إنك بتعاقبيني باللي بتعمليه؟ أنتِ بتزيدي النـ,ـار اللي جوايا حطب.. والنـ,ـار دي، يا هتدفيكي، يا هتحرقنا إحنا الاثنين!

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى