Uncategorized

اغواء قلب ميرا كريم ١

ظل جالس بسيارته أمام البحر وهو يتأملها بهدوء وهي تستند بظهرها على طرف سيارتها وتطالع الفراغ بشرود هائمة بصوت فيروز وبتلك الكلمات الصادرة من مسجل سيارتها شطّ اسكندرية .. يا شطّ الهوى
رُحنا اسكندرية .. رمانا الهوى
يا دنيا هنيّة .. وليالي رضيّة
أحملها بعينيّا .. شطّ اسكندرية البحر ورياحو .. والفُلك الغريبْ
يحملها جراحو .. ويرحل في المغيبْ
يتمهّل شوية .. ويتودّع شوية
وتعانق الميّة .. شطّ اسكندرية ليالي مشيتك .. يا شطّ الغرامْ
وان أنا نسيتك .. ينساني المنامْ
والشاهد عليّا .. غِنوة قمريّة
والنسمة البحريّة .. وشطّ اسكندرية

تنهد بحنين الى تلك الايام التي كان يشاركها معها وهم يستمعون سويًا لتلك الكلمات بغربتهم، ليمرر يده على وجهه ينفض تلك الذكريات عنه وتذكر حين اخبره رجاله في الصباح انها كانت باكية وهي تخرج من المشفى وهذا ما اغضــ .

ــبه كثيرًا وما اقلقه للغاية هو مكوثها هنا منذ أكثر من ساعتين دون حراك زفر في ضيق وهو يجول بعينه المكان فكان خاوي تماما من المارة نظرًا لتأخر الوقت فهي قد تخطت منتصف الليل ليلعن غبائها فماذا لو تعرض لها أحد واصابها مكروه نفض افكاره السوداوية وبرر لنفسه يبدو أنها مرت بيوم عصيب وحبت أن تنعزل قليلًا فهو يعرف طباعها عن ظهر قلب تنهد بعشق وهو يري خصلاتها تتراقص مع الهواء بحرية فتلك الخصلات المتمردة سابقًا كان يشبك اصابعه بها ويجذبهم معه كي يشاكسها ويثير جنونها، أبتسم بأشتياق وهو يفرك يده متذكرًا ملمس شعرها و رائحته التي كانت تظل عالقة بيده

وهنا تلفت اعصابه وضــ . ـرب قبـ . ــضته بالمقود بغضــ . ــب ثم سب غبائه وحين رفع عينه يطتلع لها من جديد لم يجدها إلا ان نقر على زجاج نافذته اذهله، أبتلع ريقه بتوتر وهو يراها ماثلة أمامه ترمقه بنظرة ثابتة، ليفتح نافذته وهو لا يصدق انها بهذا القرب منه فقد هام بها كالمغيب وأخذ يجول على ملامحها الطفولية بأشتياق دون ارادة الى أن قطعت شروده نبرتها الآمرة:
– انزل من العربية
مرر يده على وجهه محاولة منه استعادة ثباته ليبدل ملامحه للجمود ويتدلي من سيارته قائلًا:
-افندم خير يا فدوة؟

– بتعمل ايه هنا ؟
ابتسم اكمل ورد متهكمًا:
– هو ده مش ملك الحكومة ولا انا غلطان اوعي تكوني اشترتيه وانا معرفش تنهدت ثم تسائلت بنفاذ صبر من طريقته:
– بترقبني ليه يا أكمل عايز ايه مني تاني؟ ضحك أكمل بقوة وهو يضع يده بجيب بنطاله بغرور وقال:
– انتِ خيالك واسع اوي وواخدة قلم في نفسك… هراقبك ليه يا ست الحسن والجمال تكونيش فاكرة نفسك كنتِ حاجة بالنسبالي والدنيا وقفت عليكِ

تحجرت الدموع بعيناها وهي تتطلع لعينه بحزن تناظر برودة نظراته لها التي جمدت اوصالها بخيبة أمل فها هو مثل السابق يسحق كبريائها ويردد حديثه الموجع مرة آخرى بعد مرور ثلاث سنوات على فراقهم، تنهدت بقلة حيلة وهي تزيح الحزن من عيناها وتستبدله بشجاعة اكتسبتها من جموده معها وتحدثت بنبرة حاولت ان تصدر منها واثقة:
-لو مكنتش فارقة معاك يا أكمل مكنتش زمانك هنا واقف معايا دلوقتي انا متأكدة ان رجالتك بترقبني خطوة بخطوة بس اللي مش قادرة افهمه ليه عايز توصل لإيه ومتحاولش تقنعني أنها صدفة

التوى ثغره ببسمة هازئة ثم اجابها متهكمًا كي يثير اعصابها:
-اه صدفة…انا مش مجبر ابررلك تحركاتي وبعدين مش يمكن صقر باشا العزازي هو اللي بيرقبك مش أنا، شكله يا حرام مبيثقش فيكِ ردت فدوة بثقة عارمة وتباهي اغاظه وجعل الجحيم يشتعل بعينه:
-بالعكس صقر ده احسن راجل في الدنيا وعمره ما شكك فيا وحركة بايخة زي دي متطلعش غير منك يا أكمل عارف ليه
علشان انت غبي… أمسك ذراعها بقوة وتحدث وهو يرمقها بغضــ . ــب كفيل بإحراقها:
-انا غبي فعلًا كان لازم قبل ما ارميكي ليه… اربيكي الاول بطريقتي.

تطلعت لقتامة عينه فهي تقسم انه يحاول كبح جماح غضــ . ــبه عنها بصعوبة لتفر من عيناها دمعة حارقة وهي تحاول التملص من يده هامسة بألم:
– سيب ايدي بتوجعني يا أكمل أغمض عينه بنفاذ صبر وترك يدها وهو يطالع دمعاتها بندم لتستأنف باختناق وهي تحتضن معصمها وتدلكه لتخفيف ألمها:
– انا بحمد ربنا انه خلصني من واحد زيك زاغت نظراته وابتلع ريقه وحاول أن يعبر عن أسفه:
-انا مكنش أق….. بترت هي جملته بإصرار:
-لأ قصدك توجعني ما دي عادتك تألم وتخزل كل اللي حوليك

نكس رأسه و أبتسم بسخرية مريرة وهو يستمع لها
لتستأنف هي:
– انا عمري ما كرهت في حياتي أدك يا أكمل
لتلتفت وتغادر الى سيارتها وتنطلق مسرعة تحت نظراته التي تخلى عن جمودها واحتلها الألم، ليلعن نفسه تحت انفاسه الغاضبة فجملتها الأخيرة له أوجعت قلبه بشدة وظلت تتردد داخل رأسه وهنا زئر بغضــ . ــب وكور قبـ . ــضة يده قاصد يؤلم نفسه كما ألمها فما كان منه غير أن يضــ . ـرب مقدمة سيارته بقوة عاتية عدت ضــ . ـربات حتى ادمى يده التي ألمتها.

————————–
دلفت الى منزلها المتواضع في تلك المنطقة الشعبية وهي تجر شقيقتها بوهن، طوال الطريق تحاول طمأنتها وتبريرها فعلتها لكن فرحة ظلت صامتة لم تنبت ببنت شفة الى أن دلفو داخل منزلهم، نفضت فرحة يد فتون الممسكة بها بقوة ودخلت غرفتها وأوصدت بابها من الداخل بالمفتاح… أقتربت فتون بتعب من باب الغرفة وهي تطرق عليه وتتحدث بنبرة راجية يشوبها الألم:
-افتحي يا فرحة علشان خاطري متعمليش فيا كده انا مليش غيرك انسابت دمعاتها على وجهها بغزارة وهي تستأنف:
-هفهمك يا فرحة بس اسمعيني

اجابتها فرحة من خلف الباب:
-عايزة تقولي ايه بعد ما اتخدعت فيكِ انتِ بتبيعي نفسك يا فتون للرجالة انا كنت عارفة انك بتساعدي ابوكِ بس عمري ما تخيلت انك تبقي كده وبتفرطي في نفسك

لتصرخ فتون بدفاع:
-محصلش وحياتك عندي يا فرحة ما في راجل لمسني انا بجر رجليهم بس ورحمة امك يا فرحة صدقيني انا والله ما سرقت هو ابوكي والمخفي جمال لتشهق بقوة محاولة منها استعادة انفاسها المقطوعة أثر البكاء وتنزلق على الأرض وتستأنف بحــر . ــقة:
-انا ببقى مجبورة ابوكِ بيهددني بيكِ سامحيني يا فرحة اني خيبت ظنك يارتني مــ . ــوتت اهون من اني اشوفك بتشككي فيا واسقط من نظرك فتحت فرحة الباب وجثت مقابل لها واحتضنتها قائلة:
-بعد الشر عليكِ انا مقدرش اعيش من غيرك

ابتسمت فتون من بين دموعها
وقالت:
– يعني مصدقاني يا فرحة لتهز فرحة لها رأسها بالإيجاب و تدس نفسها بأحضانها بقوة وتتحدث:
– اوعديني متعمليش كده تاني

هزت فتون رأسها بطاعة وهمهمت:
– اوعدك
وهنا شددت أكثر من احتضان شقيقاتها بحنان وهي تقسم أن تفي بوعدها.
———————–
ظلت مستيقظة تتأمله بهدوء وهو يغط في سبات عميق اثر ليلتهم الجامحة التي جمعتهما سويًا فكان رغبته بها جامحة أرضت غرورها كأنثى فهو يغدقها بحنانه المفرط ولمساته الحميمية المراعية التي تكاد تفقدها عقلها، يعاملها بحرص شديد كأنها قطعة بلور نادرة الوجود يخشى كسرها… ابتسمت بهدوء وهي تتذكر همساته الشغوفة بأذنها لترفع يدها وتضعها على وجهها باستحياء فمشاعرها متخبطة بشدة لاتعلم ماهية شعورها ربما تعود أو رغبة مُلحة ليس أكثر فهو يجيد التلاعب على اوتار انوثتها…

هذا ما خاطبت به عقلها لتحثه على عدم تحليل الأمر أكثر، تنهدت بخفوت وهي تحاول التملص من ذراعيه التي تقبـ . ــض على خصرها بتملك لكن دون جدوى فهو متشبث بها كأنه يخشى ضياعها لتزفر بتأفف بعد محاولات عدة من التملص لحين همس:
-متحاوليش يا مي مش هسيبك اتتها نبرته الحنونة التي يشوبها النعاس بإصرار عجيب جعلها تطالعه مندهشة:
-انت صحيت اجابها هاشم وهو مازال مغمض عينه:
– لأ بتكلم وانا نايم
ليبتسم بمكر وهو يلتقط تأفأفها من مزحته ورفع رأسه يطالعها
بعاطفة جياشة وصوت هامس يكاد يسمع :
-انا عايز افضل طول عمري متشعلق فيكي كده زي العيل الصغير

تنهدت مي بسأم وقالت بتذمر:
– بس انا زهقت ومبحبش العيال و عايزة أقوم أخد شاور شدد وثاق ذراعيه على خصرها وهمس بعدما احزنه حديثها:
-لو بتحبيني زى ما بحبك عمرك ما تزهقي مني -افففف بقى يا سيدي بتنيل بحبك وعايزة اقوم لو سمحت تنهد وهو يسمع لتلك الكلمة الباهتة من بين شفتاها فهي صدرت منها بجمود افقدها مذاقها ليطرد أفكاره التي تكاد تطيح بكبريائه جانبًا ويواسي نفسه يكفي حبي لها ويكفي انها معي ملك لي وحدي ليسترجع نبرته العابثة وهو يطالعها وهي مترقبة عفوه عنها وفك حصارها:
– ماشي اتفضلي

زفرت بارتياح وهي تحاوط جسدها بالغطاء وتحاول النهوض لتشهق بقوة وهو يحملها ويتوجه بها الى المرحاض وعلى وجهه ابتسامة ماجنة لتصرخ به بعد ما سقطت عنها الغطاء:
-يا مجــ . ــنون بتعمل ايه نزلني همس وهو يميل برأسه عليها وعينه تشتعل بالرغبة من جديد:
-هناخد شاور مع بعض يا قلبي اصل نسيت اقولك اني لسه مشبعتش منك لتقاطعه هي متذمرة كعادتها:
-هاشم حرام عليك نزلني أجابها بعبث ويده تتحسس ظهرها:
-اعتبريه عقاب ليكِ علشان سيبتيني انام من غيرك امبارح

لتصرخ هي وتنكزه بصدره بينما أبتسم هو ودلف بها الى المرحاض وأغلق بابه بقدمه ليبدء من جديد جموحه بها.
————————
-فـــــــــــــــــــــــــــدوة
شهقة قوية صدرت منها وهي تصعد على الدرج المؤدي لغرفتها بعد وصولها للقصر بوقت متأخر، كاد قلبها أن يتوقف بعد استماعها لنبرته الغاضبة وهو يصيح بأسمها
لتضع يدها على قلبها محاولة منها الثبات وتخفيف هلعها وتستدير له بتردد وهو يقف بشموخه المعتاد ويضع يده بجيبه بهيبة ثابتة هاتفًا:
-كنتِ فين لغاية دلوقتِ انتِ عارفة الساعة كام؟

ردت فدوة بثبات مصتنع:
– كنت في السنتر يا صقر وغصب عني محستش بالوقت عقب بنبرة واثقة:
-سنتر لغاية دلوقتي انتِ كدابة فاشلة على فكرة قولي كنتِ فين؟ ابتلعت ريقها بتوتر وتحدثت:
-بصراحة يا صقر كنت مخنوقة وقعدت على البحر شوية -نعم…لوحدك بعد نص الليل انتِ اتجننتي افرضي كان حد ضايقك
انا مش فاهم انتِ ساعات بتلغي عقلك لتلمع عيناها بالدموع وهي تستمع الى توبيخه فهذا ما كان ينقصها الآن لترد عليه وهي تحاول كبت رغبتها بالبكاء من جديد:
– انا كنت محتاجة اشم هوا ما انت عارف اني بحب افصل

نبرتها الحزينة ودموعها الحبيسة اصابته بالريبة من أمرها ليتخلي عن حدته ويحدثها بنبرة حنونة يشوبها القلق:
– الخنقة راحت لما قعدتي لوحدك أومأت له بإيجاب
ليتنهد بارتياح وتلين نبرته :
-اللي حصل ده ميتكررش تاني مفيش بنت ترجع بيتها نص الليل كده مش علشان عيشتي كام سنة في أوروبا تنسي ان احنا عايشين في بلد شرقي وعندنا قيم ومبادئ ربونا عليها اهلينا لازم نلتزم بيها هزت رأسها بتفهم وهمست معتذرة:
-أخر مرة يا صقر علشان خاطري متزعلش مني انا اسفة

-ماشي بعد كده لو مخنوقة كلميني ابقى معاكي ونروح ما بعض أي حتة
ردت هي:
– بس انت علطول مشغول ليتنهد بعمق فهي محقة هو دائما يعطي الأولوية للعمل ويهملها ليرد بهدوء:
-اوعدك بعد كده مش هنشغل عنك
تعالي بقى احكيلي ايه اللي كان خانقك
تلعثمت هي:
-هاا…لا… ده موضوع تافه ملوش لزوم ادوشك
أصر هو بشدة:
-لا انا راضي ادوشيني براحتك لتتنهد فدوة بتوتر فبماذا تخبره فاليوم كان عاصف بالنسبة لها لتقول بسطحية:
-الزبونة طلبت تعديلات كتير في التصميم وعلشان كده اتخنقت مش أكتر

ليتحدث صقر بتحفيز وهو يضع يده على كتفها بحنان ويسير معها يوصلها لغرفتها :
– متخليش حد يأثر فيكِ انتِ موهوبة وشغلك يجنن ولو هي عندها اعتراض على تصميمك تشرب من البحر متخليش حد يحجم افكارك ابتسمت بود فهي تشعر نحوه بالامتنان فهو كما عاهدته دائما داعم لها وخير سند، يكفي انه يستمع لها دون كلل وحين تشاركه ترهاتها السخيفة لا يقلل من شأنها فعلاقتهم مترابطة ويسودها التفاهم والاحترام، لكن يا ترى هل ذلك يكفي ليصبحون زوجين بالمستقبل أَم سيكون لقلوبهم رأي آخر.
———————

انت في الصفحة 8 من 13 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى