Uncategorized

جوزة ابريل ٥

ج،ـ،ـوازة ابريل3 بقلم نورهان محسن
الفصل الرابع عشر قبل الأخير (للقدر رأي أخر)
الخـ،ـ،ـ،ـيانة لا تصدر إلا من نفس مريضة، من قلب معتل لا يعرف للطهارة سبيلاً، ولا للوفاء مساراً. فهي تتسلل بخبث إلى الروح، ومن لحظة اكتشافها لا تعود العلاقة كما كانت، لأن آثارها لا تُمحى، فهي لا تُنسى ولا تُغتفر، وجـ،ـرح غائر في الروح، يترك خلفه خراباً لا يُمكن إصلاحه. كانت الأجواء تكتسي بسحر خاص ، حيث تجمعت الأضواء والبريق للاحتفال بنجاح منى الباهر.

حبس الجمهور أنفاسه للحظة ، ثم دوّى التصفيق كأنه أمواج بحر تتلاحق ، بينما وقفت منى على المسرح ، تشعر بثقل عيون المئات من الحضور ، لكنها لم تستطع منع نفسها من البحث في الحضور عن عيني عز ، ذلك الرجل الذي يشغل قلبها حتى النخاع ، ملامحها ظلت محايدة ، لكن قلبها كان يغلي من شدة الغيرة.

أنهت مني الحفل بنجاح ، ودخلت إلى الكواليس التي امتلأت بأصوات التهاني وكلمات الإعجاب ، ومع ذلك ، لم تكن منى ترى أو تسمع شيئًا ، فقد اخترقت نظراته العميقة حاجز الحشود ولامستها مباشرة ، فانسلبت كل حواسها باتجاهه وهي تراه يقف على بُعد أمتار منها.

اقتربت مني منه بخطوات مترددة ، بين رغبتها في البقاء قوية وولعها بتلك النـ،ـار التي تشعلها نظراته بداخلها ، وحين أصبحت أمامه تمامًا ، مدّ يده ببطء وأمسك كفها بامتلاك دافئ ، وهمس بصوته العميق الذي يحمل كل مشاعر العاطفة والاعتزاز : نجاحك النهارده مش جديد… انتي دايمًا وهتفضلي مدهشة .. وبتسلبي عقلي وروحي بإحساسك رقّ قلبها له مع كل كلمة نطق بها ، فكان صوته الصادق والدافئ قادرًا على تهدئة مشاعرها المتأججة ، وتراجعت غيرتها قليلاً ، وكأن كلماته أطفأت نار قلبها ، وجعلتها تنسى لحظات انزعاجها من رؤيته مع الفتاة قبل صعودها على المسرح.

خلال ذلك الوقت… تصدع الصمت في الغرفة ، كأن الزمن تجمد للحظة ، بينما نظرت وسام المصدومة كانت أشبه بخنجر يخترق دعاء بلا رحمة. قالت وسام بصوت مخنوق : انتي وصلاح… ازاي؟ خطت وسام عدة خطوات للأمام ، وأشارت إلى دعاء بإصبع مرتجف ، وعيناها تقدحان نارًا من الغضب والخـ،ـ،ـيانة : انتي تعملي فيا كده؟! إنتي كنتي أقرب حد ليا في الدنيا! هزت وسام رأسها بعدم تصديق ، ولم تُمهل دعاء فرصة للرد ، فأضافت بحدة حنجرة ينهشها الألم : جالك قلب؟! ازاي؟ ازاي قدرتوا تخبوا السنين دي كلها؟

قبضت وسام على ذراعي دعاء ، لتهزها بعنف يوازي انهيار روحها ، وصرخت بصوت مليئًا بالانفعال الحارق : اتكلمي! قوليلي ازاي قدرتي تخطفي جوزي مني؟! ازاي طلعتي خاينة ومقرفة وخبيثة بالشكل دا؟!

أغمضت دعاء عينيها بقوة ، فلم تستطع الصمود أمام نظرات وسام الملتهبة ، فانسحبت بخطوة إلى الوراء ، ودموعها انحدرت بصمت على وجهها المرهق ، قبل أن تتحدث بصوت مكسور ، كأنها تجرّه من أعماق روحها المحطمة : مخطفتش حد… ومعنديش كلام يشفع ولا يبرر… أنا مخونتكيش إنتي لوحدك يا وسام .. أنا خونت نفسي وخونت جلال كمان… لما اتجوزته وأنا بحب أخوه اللي مكنش همه غير مصلحته في الدنيا تسربت الكلمات من دعاء ، وكأنها تقذف حملًا ثقيلًا عن صدرها ، لكن كل كلمة كانت تزيد من اختناق وسام.

تهاوت دعاء على حافة السرير ، بعدما خانتها ساقاها تحت وطأة الانهيار ، ورفعت يدها لتجفف دموعها ، لكنها فشلت في إخفاء ارتجافة أصابعها ، وأكملت بصوت متقطع يقطر ندمًا : ماقدرش أقول إني مظلومة… أنا اللي اخترت الطريق ده .. وأنا اللي ظلمت نفسي وضيعت حقي .. وياريت علي ده بس لا! ظلمت ابني كمان في حاجة مالوش ذنب فيها غير اني امه .. وضيعت حقه واذيته .. لما قبلت يتكتب بإسم حد تاني غير اسم ابوه… ويعيش عمره كله يتيم وابوه عايش

اتسعت عينا وسام بصدمة أخرى زلزلت كيانها ، ووضعت يدها المرتعشة على فمها لتحبس شهقة صاعقة خرجت منها بصوت هامس : عز… يبقى ابن صلاح؟ ارتعشت وسام بقوة ، وهي تستوعب أن الطفل الذي كبر أمام عينيها ، والذي ظنّت أنه ابن أخ زوجها ، هو في الحقيقة ابن زوجها نفسه ، فتحولت نظراتها إلى خليط من الاشمئزاز والذهول ، وانفجرت كلماتها كطوفان الثائر : كنتي بتخوني جلال مع صلاح؟!

حاولت دعاء الدفاع عن نفسها ، لكن كلماتها خرجت متعثرة وسط دموعها التي لم تتوقف ، فمسحتها ببطن كفها البارد ، وهي تنطق اعترافها المثقل بالإثم : جلال… رمى عليا يمين الطلاق قبل ما يسافر لما عرف اللي في قلبي ناحية اخوه .. وصلاح قرب مني في لحظة ضعف وبعدها جالنا خبر استشهاد جلال وهو مكنش طلقني رسمي .. كنت في نظر الكل ارملته .. وبعدها اكتشفت اني حامل..

توقفت للحظة تلتقط أنفاسها ، ثم تابعت بخزي أشد ، وعيناها مثبتتان على الأرض: لما ولدت عز كتبه صلاح بإسم جلال .. واتحجج إنه ماينفعش نعترف إنه ابنه .. قال إنها هتبقى فضيحة في العيلة ومش مستعد يواجههم دلوقتي .. واتجوزني بعدها بأسبوعين عرفي… عند محامي كانت وسام تنظر لها بذهول وإحتقـ،ـار ، وكأن عقلها يرفض تصديق كل كلمة تسمعها ، فرفعت حاجبيها وصوتها خرج مليئًا بالدهشة والغضب في آن واحد :
مش قادرة أصدق إن كل ده عملتوه من ورا الكل… وليه دلوقتي؟ ليه دلوقتي قررتي تتكلمي وتكشفي السر ده؟

رفعت دعاء عينيها إليها ، بنظرة مليئة باليأس والحسرة ، وصوتها انفجـ،،ـر كصـ،ـرخة ألـ،ـم : عشان فاض بيا!! خلاص مابقتش قادرة اعيش في الدوامة دي .. نهضت من مكانها ، واكملت بإنهيـ،ـار : هيحصل ايه؟ هكون لوحدي!! ما انا بقالي سنين لوحدي وهو عايش معاكي في النور وانا سنين مدارية في الضلمة .. بس خلاص مش قادرة اتحمل اشوف ظلمو لإبنه اللي عايش تايه في الدنيا وهو ولا سأل فيه!!

حدقت وسام فيها بنظرة مشبعة بالاشمـ،ـئزاز ، كأنها ترى شخصًا غريبًا ، كائنًا لا يمكن وصفه إلا بالخـ،ـسة والخـ،ـ،ـيانة ، قالت بصوت تقطّره المـ،ـرارة والاحتقـ،ـ،ـار، وهي تخطو نحوها بخطوة واحدة واثقة ، وتقذف كلماتها الحـ،ـادة كالسـ،ـهـ،،ـام :
زي ماقولتي بلسانك .. انتي اللي وصلتي نفسك لكده .. وتستاهلي كل اللي انتي فيه .. انا اللي صعـ،،ـ،ـبان عليا هو عز .. حرام اوي واكبر ظلم ليه ان امه واحدة زيك..

صمتت للحظة ، قبل أن تضيف بصوت مخنوق ، نظرتها تهتز بين الحزن والإزدراء : مش عارفة ازاي كنت عايشة مخدوعة في اكتر اتنين بثق فيهم في الدنيا!! دا انتو طلعتو مقـ،ـرفين اوي… صوتها ارتفع فى نهاية جملتها ، ورعـ،ـشـ،ـة الغضـ،ـ،ب واضحة في جسدها كله ، قبل أن تهمس بصوت مليء بالقهـ،ـ،ـر : حسبي الله ونعم الوكيل فيكم وسام استدارت بعنف ، وخرجت من الغرفة ، وهي تجر خلفها ما تبقى من روحها المدمرة بص،ـ،ـواعق الخيـ،ـ،ـانة ، تاركة دعاء وحيدة وسط حطامها وخطاياها التي لا تُغتفر.

عند باسم استفاق باسم من نومه ، وعقله يترنح بين النوم واليقظة ، تتدافع فيه صور كابوسه المتكرر الذي دائما يراوده كأنه أشباح تُلاحقه بلا هوادة منذ سنوات ، بينما صوت الرعد القوي بالخارج يتداخل مع دقات قلبه التي كانت تنبض بعنف. اتسعت عيناه في الظلام الذي يغمر الغرفة ، مدّ يده بحركة متعجلة نحو المصباح الكهربائي بجانب الفراش ، ولكنه لم يستجيب ، ففهم أن الكهرباء قد انقطعت.

تنفس بعمق عدة مرات ، محاولًا تهدئة نفسه ، وتلمس جبينه بتوتر ، فوجد نفسه مبللًا بالعرق ، وجسده كله قد غمرته حرارة غير طبيعية ، وهو يشعر بكل عضلة فيه مشدودة كوتر مشدود على وشك الإنكسار. أدار رأسه ليجد إبريل نائمة بعمق بجانبه ، وجهها هادئ كالبحر الهادئ في الليل ، بينما هو غارق في فوضى أعماقه ، تأمل عيونها المغلقة ، وكأنها في عالم لا يشبه عالمه ، هذا الهدوء الذي يحيط بها جعل فوضاه تبدو أكثر وحشة.

نهض باسم ببطء من السرير ، متجهًا نحو الشرفة ، وحينما دفع باب الشرفة ، وجد نفسه في مواجهة الطبيعة في أسوأ حالاتها ، الأمطار تتساقط بغزارة ، وأصوات الرياح تعصف بشدة من حوله ، بينما السماء ملبدة بالغيوم القاتمة ، والجو بأسره يحمل في طياته شعورًا خانقًا يضاعف من ضيقه ، لكنه وقف تحت المطر بعدم اكتراث ، محاولاً التقاط أنفاسه بقوة. _باسم… قالتها ابريل برقة ، وهي تمد يدها برفق ، ووضعت كفها على ذراعه ، لكنه انتفض بعيدا فور ان شعر بلمستها ، وتلفت نحوها بعينين مترقبتين مليئتين بالذعر.

_دا أنا… أنا إبريل يا باسم؟ شعرت ابريل بنبضات قلبه السريعة ، فإستفسرت بقلق : مالك يا باسم؟ ابتعدت ابريل برأسها عن حضنه ، ورفعت وجهها إليه ، وعينها تفيض بالأسئلة واستكملت بنبرة حانية معاتبة : في ايه ؟وإزاي واقف تحت المطر في الجو الوحش ده؟! نظر باسم إليها عميقاً ، وشعره المبلل يلتصق بجبهته ، ثم أجاب بصوت رجولى مبحوح : بكره الكهرباء لما تقطع مابكونش مرتاح..

أمسكت ابريل وجهه بين كفيها برقة ، فأغمض عينيه وهو يشعر بدفء يتخلل أوصاله ، بينما نظرت إبريل إلى قطرات المطر التي تلمع على صدره العاري ، وهمست بحنان : انت غرقت مطر ومش لابس تيشرت حتى .. كده هتتعب وأنا كمان .. تعال ندخل وهنشغل الفلاش اللي جوا شابكت أصابعها في خاصته ، وسارت معه إلى الداخل. في ذات الوقت عند مني

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى