دفعهُ فريد فـ زحف الأخير ليبتعد عن مرمى يداه حتى ذهب من أمامُه و هو يركض و كإنه يركض من جان يود أن يتلبسُه، إلتفت إلى تلك الواقفة على مقربة منه، لفظ بداخلُه “يا الله”! إن كانت ملامحها من بعدٍ فاتنةٍ، فهي من كثب باهية!
وقف صامتًا يحاول السيطرة على نظرات عيناه التي سارت بدايةً من منبت خصلاتها البنية نزولًا لأعين حائرة من نفس لون خصلاتها، و تلك الشلاه المكتنزة الذي ودّ لو أن يتذوق حلاوة مذاقهمها، و عنقها المرمريّ الذي تمنّى لو بإستطاعته وصمُه بعلاماتٍ كـ صك ملكيته لها، و قبل أن يتنحدر عيناه لما هو أكثر من ذلك عبر صوتها العالٍ على أذنه يخرجه من شرودٍ كادت أن تجعلُه يجن، تردف بنبرةٍ حادة عنيفة:
– إنت مين!! و مين سمحلك تدّخل و تعمل اللي عملتُه ده أصلًا!
و لأول مرة تتلبسُه دهشةً من ردة فعل إحداهن، ألن تشكرُه و تخبره أن لولاه لكانت الآن بيد أيادي عديم الشرف ذاك؟ ألن تُخبره بأنها بالغة الإمتنان له؟ ألن تعطيه إبتسامة ودودة شاكرة؟
عادت تقول بحدة:
– إنت يا بني آدم! أنا بكلمك .. ولا الكلام مش واصل عندك فوق! هتفت ساخرة من طوله مقابل قامتها التي كانت طويل بين أقرانها لتشعر الآن بأنها أمامه باتت قزمًا، حاول الإحتفاظ بهدوء أعصابه فـ قال بهدوء لم يكن سوى هدوء ظاهري:
– ده بدل ما تشكُريني؟ كان زمانك دلوقتي مهروسة منُه!!
شهقت بصدمة ليتعالى صوتها قائلة بحدة:
– نــعــم!!! مين دي اللي تتهرس يا أخينا ده إنت رحمتُه مني، ده أنا كنت هخليه يندم إنه عرفني في يوم من الأيام!! – ششش!! مش عايز لَت كتير، تعالي إركبي هوصلك!!!
هتف و هو يشير بعيناه لسيارته ذات الباب المفتوح الذي لم يهتم بقفله بعدما رآى ما تتعرض هي له، نظرت لسيارته و بعنف صاحت به:
– رِكبك عفريت يا بعيد!!! إنت شكلك مجنون و عيلتك عارفة!! أركب مع مين إنت فاكرني واحدة من اللي بيتاخدوا ورا مصنع الكراسي ولا إيه ده أنا آآ!!
بتر عبارتها مصدومًا و لأول مرة من تصرفات فتاة أمامه يقول بحدة:
– إخرسي!! بكابورت زبالة إتفتح عليا ولا إيه!!! أنا غلطان إني إعتبرتك زي أختي و جيت أساعدك وىمش عابزك تمشي في إنصاص الليالي لوحدك، بس إنتِ متجيش ربع تربية أختي و لا أدبها، م هي اللي تخرج في إنصاص الليالي و تجّري الرجالة وراها تبقى زبالة و اللي بيتاخدوا ورا مصنع الكراسي أحسن منها!!! و لأول مرة يشعر بأنه قد ندم على شيء، رأى عيناها تمتلئ بالعِبَرات المكتومة رافض كبريائها نزول دمعاتها، لتصمت للحظات ثم تقول و قد شعر بغّصتها:
– إنت بني آدم زبالة و مش محترم!
ثم إستدارت و تركتُه تذهب للشارع الرئيسي بخطواتٍ بطيئة، وقف مكانه ولم يتحرك خطوة واحدة، لِمَ الذهاب الآن؟
كيف تذهب هكذا و الدمعات مكتونة داخل عيناها لربما ستشوش عليها الرؤية، و لِمَ تلك الرغبة المقيتة في معانقتها و إخفاء جسدها داخل جسدُه لكي لا يرى نظرة الحزن تلك بعيناها، وقف بنظر لها حتى إستقلت ميكروباص و هي شاردة بالفراغ، فـ ءهب لسيارته ليضربةبقدمه بقسوة سيارته ثم إستقلها يذهب بأعلى سرعة لـ مكان بيتها حتى قبل ذهابها هي إليه، صف سيارته بعيد عنها قليلًا كي لا تراه، فـ وجدها تترجل من السياره تسير بعيناها قوّّة تحاول بها مداراة حزنٍ قد تغلغل بمقلتيها ليصل لقلبُه فينخر به كما ينخر السوس بالخشبِ، تنهد بإرتياحٍ عندما إطمئن من دخولها للمنزل، ليشعل محرك سيارته
ثم غادر حارتها المتواضعة. • • • • • صورٌ مُختلفة بين يداه لها، يقلب بينهما بين كفيه و يقف عِند كل صورة و الأخرى ما يُقارب النصف ساعة، يتأمل كل إنش بها و يُمتَّع عيناه بمِحياها و ضحكتها و عبوسها و عنفوانها، سار إبهامُه فوق شفاهٍ يحلم بضمها بشفيه، و أكتفاٍ صغيرة يحلم بتخبئتهما بين ذراعيه، و خصرٍ يود لو أن يطوقه بذراعيه، أعين لا تنظر سوى إليه، و خصلاتٍ يدفن بها أنفه يستنشق عبقٍ لا يليق سوا بـها هي! لا ..
لن يتحمل، سيذهب و يتزوجها الآن شائت أم أبت، نهض بالفعل يرتدي ثيابٍ رسمية تليق به، يصفف خصلاته و ينثر عطره ليترك ڤِلتُه و يترجل سيارتهةو في بضع دقائق كان يصف السيارة أمام بيتها ليثير بذلك تساؤلات الجيران عن ماهية ذلك الشخص، دلف للبناية ثم صعد الدور الثاني و رُفعت يدُه لكس يطرق الباب و لكن أوقفُه صرخاتٍ مكتومة جعلت قلبُه يرتَّج! لم يستطع تمييز إن كان صوتها أم لا لكن هنالك شعور يخبرها أنها هي، لم يطرق الباب، بل ضربُه بقدمُه عدة مرات حتى فُتح الباب الذي لم يتحمل إرتطام قدمُه القوية به، فوجد منظر لن ينساه طيلة حياتُه ..
حبيبتُه .. الفتاة التي عاهد نفسه على جعلها ملكُه و بحمايته منذ أول مرةٍ رآها متكومة فوق الأرض و تآوهات مُتألمة تخرج من بين شفتيها، وجهها شديد الزُرقة وشفتيها بيضاء تشهق بين الحين و الآخر، تُنادي بصوتٍ مكتوم:
– مـ .. مـامـا!!! لم ينتظر، لم يتردد حتى في الهرولة لها و الجلوس على مرفقيه عيناه تسير فوق وجهها و جسدها بقلقٍ يمسح فوق خصلاتها المتعرقة الملتصقة بجبينها يبعدها عن وجهها لكي يراه بوضوح هامسًا و القلق يأكل خلايا جسدُه:
– فيكِ إيه!!!!
لم ترُد عليها سوى بمناداتها لأمها بصوت ضعيف مكتوم، أسرع بوضع يداه أسفل ركبتيها و الأخر على ظهرها يحملها كالريشة بين يداه يغادر بها تلك الشقة يترجل بها من فوق السلم و لأول مرة يشعر بسرعة دقات قلبه حتى كادت تصُم أذنيه، أدخلها سيارتُه ثم قاد هو يتراجع ىلخلف لكي يخرج من تلك الحارة و يذهب لأكبر مستشفى في محافظة الأسكندرية متغاضيًا عن شهقات الجيران و تساؤلاتهم عندما وجدوه حاملًا نور وصل بها للمشفى ليترجل من السيارة و صوت أنفاسه باتت عاليه من شدة خوفُه عليها، دلف بها للمشفى ليهتف إلى موظفة الإستقبال بحدة يقول:
– العناية فين؟!!!
أسرعت الأخيرة تقول في عجلةٍ و قد علمة هوية من أمامها:
– في الدور التاني ثواني هطلب لحضرتك سرير!!! لم يستمع لباقي حديثها بل سار على قدميه حاملًا إياها ساخرًا من تلك التي تود أن تجعلها تنام بأحضان الفراش و ليس بأحضانه هو، صعد بها السلم دون أن يستخدم المصعد يحاول جاهدًا إبعاد عيناه عن وجهها، فـ وجهها الشاحب يُفزع قلبُه و يجعله يود أن يضمها لصدره حتى يشعر بإلتصاق عِظامها، وجد في آخر الرواق غرفة العناية فـ سار لها لتوقفه ممرضة قائلة برسمية:
– حضرتك واخد الهانم ورايح على فين يا فندم!!
– عايز أدخلها العناية، حالًا!!!
قال بأعيُن جامدة ينظر ألى الممرضة التي إرتابت من نظراته فـ أسرعت قائلة:
– طيب هجيب تروللي و آجي لحضرتك – مش هتتحط على سراير، أنا هدخلها!
قال بهلهجةٍ عنيفة فـ هتفت الأخيرة بضيق:
– مينفعش يا فندم تدخل العناية، هي لوحدها لإننا بنلبسها لبس مُعين عشان تدخل! – طيب بسرعة!!
قال بضيقٍ لا يود أبدًا إضاعة الوقت في تراهات على حساب حياتها، تركته الممرضة واثب في منتصف الرواق، لينظر لتلك المغشي عليها منذ أن حملها، تستند برأسها على صدرُه فـ يتغلغل إليه شعورٍ غريب لم يمر به بـ حياته، رفعها أكثر فـ باتت رأسها فوق مكتبه العريض و أنفاسها تضرب بشرة عنقُه، قاطع ذاك الشعور التروللي و هو يُجر بواسطة تلك الممرضة، وضعها فوقه برفق ثم أزاح خصلاتها من فوق جبينها ينظر لوجهها للحظات ثم تركها، لتلج داخل الغرفة المُجهزة، و يدلف ورائها أكثر من طبيب بعدما علموا أن المستشفى الخاصة بهم نالت شرف وجود فريد الزيات عِندهم، أوقف أحدهم يقول
له بمُنتهى الهدوء:
– لو جرالها حاجه، هقفلكوا المستشفى دي! و إنت عارف فريد الزيات لما يدي كلمة و لو متعرفش .. أعرَّفك! أومأ له الطبيب يقول في توترٍ:
– حاضر يا بيه، بإذن الله هنعمل كل حاجه عشان تبقى كويسة أشار له بالمغادرة فـ أسرع، جلس فريد على ذلك المقعد الذي يشبه بروده برود المكان، يستند بـ ظهره بـ قلقٍ يحاول إخفاؤه، تُرى ما الذي حدث لها؟ و لمَ لم يكُن سواها في البيت؟ هل قام أحد بأذيتها و تركها وحدها تعاني .. هل زوج أمها من فعل!!
خفق قلبُه بعنف من تخيُل فكرة لو أنها تقطن من رجلٍ وضيع يحاول التقرب منها، قلبه لم يتحمل الأمر فـ نهض و سار ذهابًا و إيابًا في المشفى، و تلك الفكرة تكاد تُفجِّر راسُه، لم يستطع الصمود و خرج من المشفى يدفع لموظفة الإستقبال تلك ثم وقف بعيدًا عن مبنى المشفى يُدخن سيجارة تلي الأخرى يُخرج بها غضبُه و إضطراب تفكيرُه، يقسم لو حدث و كان ذلك الرجل السبب في أذيتها و لن يتردد!! دخل للمشفى بعد ساعة ليصعد في المصعد ثم ذهب يجلس لثواني قبل أن يخرج الطبيب، فـ نهض يُردف بـ ثباتٍ:
– كويسة؟
هتف الطبيب بـ ضيق مما رأى:
– هي كويسة، بس آثار الضرب اللي على جسمها مهمِداها جدًا، هننقلها غرفة عادية عشان حضرتك تقدر تشوفها! لم يستمع فريد لباقي حديثُه، فقد توقف عقله و صُمَّـت أُذنيه عندما إستمع لأول جملتُه، لتستوحش مِحياه .. أيَّة آثار ضربٍ؟ من تجرأ و فعل!!
كيف بتلك الشخصية التي تمتلكها تقبل أن يضـ.ـربها أحد، من تجرأ على الإقتراب منها و مسّها بسوءٍ و هي تخصُه، أذيتها تعني أذيتُه، يقسم أنه فور ما سمع جملة آثار الضرب تلك و جسده أصبح يؤلمه و كأن جسدُه هو من ضُرب، رآها تخرج على الفراش و هي لازالت لم تستفيق، دلف خلفها الغرفة العادية، ثم مال يحملها ينقلها للفراش الآخر، فـ خرجت الممرضة من الغرفة تغلق الباب خلفها، سحب هو مقعد و جلس جوارها، عيناه تتفحص هيئتها يبحث عن تلك الآثار، لكن ذلك الرداء الطبي حجب كل شيء، زاح ذلك الغطاء الطبي من على خصلاتها فـ إنسابت جوارها، ربت فوق
شعرها يحادثها بصوتٍ إمتلئ ضيقًا:
– مين .. مين اللي عمل فيكِ كدا و إتجرأ يقرّبلك؟ ميعرفوش إنك تخُصي فريد الزيات .. و إني مش بسيب حاجه تخصني!! – مين ضربك .. و أنا أقطعلك إيدُه اللي إتمدت عليكِ!
يمسح فوق خصلاتها برفق يرى لون وجهها الطبيعي يعود شيئًا فـ شيئًا، ظل على هذا الحالة ساعة كاملة حتى همهمت بألم تستفيق و هي تتآوه:
– آآآه .. آه!!
تلك التآوهات التي تنبثق من بين شفتيها تؤلم قلبه، أبعد كفه عن خصلاتها كي لا تفزع منه، فوجدها تفتح عيناها تحاول الإستناد على مرفقيها تقول بـ وجع جسدي فائق:
– آآه .. أنا .. فين!!! – إهدي .. إنتِ معايا!
قال بهدوء فـ إلتفتت له تنظر لملامحه بأعين ضاقت و هي موقِنة أنها رأت هذا الوجه من قبل، إعتصرت ذهنها فضربها الصداع أكثر فـ أنَّت لتغمغم و هي تعود برأسها للخلف-
– عايزة أمشي .. القسم .. عايزة أروح القسم!!!
قال بجدية:
– و تروحي ليه .. القسم كلُه ييجي لحد عندك!!! لم تستوعب كلماته تحيط برأسها بألم رهيب، فـ تابعها بعيناه يقول بقلقٍ:
– راسك واجعاكِ؟ أومأت بأعين زائغة فـ ضغط على زر جوارها لتأتي المُمرضة فـ قال لها:
– هاتي حباية مُسكن، و فرخة مسلوقة بـ شُربتها بسُرعة! – حاضر يا فريد باشا!