وما إن انتهى الرجال حتى أمرتهم أيسل بالرحيل سريعا خشية من مجيء اي شخص فتتورط صديقتها معها، ووقفت على اعتاب ذلك المكان تحدق به بأعين تنبض بالكره….
وفجأه سمعت صوت يأتي من الخارج فاستدارت لترى رجلاً ما غريب تراه لأول مرة، فسألته بنبرة لم يخفى منها القلق:
-انت مين وعايز إيه؟
لم يجيبها الاخر بل اقترب منها بسرعة وبلمح البصر كان يُقيدها بينما يداه الاخرى تغطي أنفها بقطعة قماش بها مخدر ليتسرب الوعي من بين قبضتا أيسل رويدًا رويدًا و…………..
*** احتيال وغرام الفصل الثامـن :- بلحظة كان “بدر” يقتحم ذلك المكان، ليجد ذلك الرجل يحمل أيسل ببطء شديد وهو يترنح في مشيته، لتستعر نيران غيرته التي اشتعلت بين جنبات صدره وهو يرى ذلك القذر يحملها ويداه تصل لأي جزء من جسدها..!
زمجرة عنيفة تود إختراق حنجرته لتصل للنور، لا يحق لأي مخلوق لمس ما هو له… ما يخصه.. يخصه وحده.. أيسل أصبحت ملكية خاصة له..
النيران التي نشبت بكل خلية بجسده لم تجعل عقله يسعفه ليذكره بمَن تكون ومن يكون وما الظروف التي اجتمعا بها… بل اصبح كالثور الهائج لا يرى سوى الخط الاحمر امامه…
إندفع نحوه يجذبه من ملابسه بعنف ودن أن يعطيه الفرصة كان يكيل له اللكملات ليفرغ به كل غضبه وجنونه وغيرته…
كانت الجولة محسوبة لبدر حتى قبل أن تبدأ، فقد كان ذلك الرجل ثمل فاقد السيطرة على اجزاءه لا يستطع جعل جسده يثبت في مكانه… فقد الرجل وعيه دون عناء يُذكر، فتركه بدر مرمي ارضًا وهو يبصق على وجهه ويصيح بجنون:
-كلب ابن **** وخسارة أوسخ ايدي بيك
ولكن حينما سار خطوتان إنتبه للبنزين المسكوب في كل ركن من ذلك المكان، فعاد ينظر للرجل للحظات ثم تقدم منه ليجذبه من ملابسه نحو الخارج بسرعة ثم رماه في ركن ما في الشارع على بُعد مسافة معقولة من الملهى الليلي، و ركض وبسرعة يعود للملهي ليركض نحو البار ويجلب ماء ثم عاد لأيسل التي كانت مُلقاه ليجلس جوارها بسرعة ثم وضع رأسها على قدمه، وبدأ يلقي ببعض قطرات من الماء على وجهها وهو يضـ,ـرب على وجنتاها برفق مناديًا:
-أيسل، أيسل فوقي يلا، أيسل
اعاد الكرة أكثر من مرة، واخيرًا قررت أيسل العطف على بدر الذي كان القلق ينخر روحه نخرًا..!
وتفرق جفناها لتبزغ حياته من بينهما في نفس لحظات بزوغ عينيها البنية التي شابهت وجه القهوة…
ليحيط وجهها بين يداه متنهدًا بعمق، وهو يناديها من جديد بصوت أكثر إصرارًا:
-أيسل، فوقي وركزي معايا يا أيسل لازم نمشي من هنا
أمسكت أيسل برأسها وهي تعقد ما بين حاجبيها تحاول نثر التركيز والوعي بين بقاع عقلها المظلم في عالم اللاوعي.. وما إن إرتكزت نظراتها عليه حتى همست بتعجب مشدوهه:
-بدر !!
أنت جيت هنا ازاي وبتعمل إيه؟
-زي السكر في الشاي، قومي الله يرضى عنك مش ناقصة غباء
قالها بدر بتلقائية ونفاذ صبر وهو يمسك جسدها ليعاونها على النهوض، فنهضت هي باهتياج تتفحص ملابسها لتجد كل شيء كما كان فتنفست الصعداء ليسألها هو بقلق يشوبه الحنان:
-انتي كويسة ؟
اومأت هي برأسها وتمتمت بخفوت:
-كويسة الحمدلله دايخة شوية بس
لكنها أردفت بعدها بصوت جامد:
-بس أنا مش همشي من هنا قبل ما أكمل اللي جيت عشانه!
لم يكن ينوي محاسبتها في هذا المكان، ولكن يبدو أنها لن ترضخ حتى ينفث بوجهها كل غضبه الأسود الذي يجعل احشاؤوه تتلوى بضراوة وهو يكتمه بشق الأنفس..
وبالفعل أطلق العنان لذلك الوحش الكامن داخله ولم تستكين نيرانه بعد، فراح يزمجر فيها بشراسة وهو يقترب منها خطوة:
-إنتي مجنونة؟ إنتي بكامل قواكي العقلية جيتي المكان القذر ده وشوفي اللي كان هيحصلك لو لا قدر الله كنت اتأخرت شوية!
هزت أيسل كتفاها بلامبالاة ظاهرية بينما داخلها ينتفض جزعًا كلما حاوط عقلها أشباح ذكرى الدقائق الفائتة:
-واديك جيت وربنا سترها الحمدلله
كز بدر على أسنانه بعنف…يكره دور الباردة الذي تصطنعه، يكره تصنعها للامبالاة بينما هو يرى من هنا قمم جبال ثباتها وبرودها تنهار لتنصهر بين ألسنة اللهب التي تحاوطها من كل جانب…!! ثم هدر فيها بجنون وجسده كله يشع عنف:
-بطلي ام البرود واللامبالاة دي، ولا اه سوري أنا نسيت إنك بتفرحي لما بتلفتي نظر الرجاله وبتفرحي لما بتحسي إنهم هيتجننوا عليكي !
-أنت واحد مش محترم
صرخت بها أيسل ورفعت يدها تنوي صفعه ولكنه كان الأسرع ليمسكها قبل أن تصل لوجهه، ليلوي ذراعها خلف ظهرها وهو يجذبها له ليلتصق ظهرها بصدره دون عناء… لفحت أنفاسه اللاهبة العنيفة جانب وجهها لتشعر بدقات قلبها تتبعثر والفوضى تعم كيانها كله، بينما هو استطرد جانب اذنها بوحشية عاطفية:
-انا اللي مش محترم ولا انتي اللي انسانه معندكيش احساس ولا دم، مش مدركة انا في الدقايق اللي فاتت حسيت بإيه وأنا شايف حيوان سكران شايلك وانتي مغمى عليكي ومعرفش إيه اللي حصل وعمل فيكي إيه، لمسك ولا لا؟ عراكي عشان يرضي غريزته القذرة ولا لسة ؟؟!!!!
كانت أيسل تتنفس بصوت مسموع، تدرك مدى عمق جرحه الذي يتناثر نزيفه بين حروفه، تكاتلت عليه وحوش الغيرة التي غذاها ذاك المشهد لتمزقه ببطء وبقسوة…!
ولكن لن تتراجع وتخمد نيرانها هي حتى تتم ما جاءت من أجله… فابتلعت ريقها قبل أن تتشدق بصوت مبحوح تتمنى أن يفهم ما تعانيه:
-أنا مش هقدر أمشي لو معملتش كده يا بدر افهمني بليز
أخذ بدر زفير عميق قبل أن يفلت يدها من بين قبضته القاسية ببطء فاستدارت هي لتصبح في مواجهته، امامه تمامًا ولا يفصلهما شيء…
هنا…حيث السكون… حيث لا يدوي صوت سوى صوت أنفاسهم اللاهثة، حيث عينيها المُخضبة بالوجع حين تمتزج بعيناه السوداء العميقة في وصال حار مُهلك من العاطفة جعل الدنيا صغيرة جدًا خلال تلك اللحظات في نظرهما…
لتهمس هي قاطعة ذلك الصمت، بصوت متهدج.. مبعوث من رماد الألم بعدما حُرقت بقسوتهم مرارًا وتكرارًا :
-أنا لازم اوجع قلبهم على المكان القذر ده زي ما وجعوا قلبي بقسوتهم وجحودهم، لازم أحرق المكان ده علشان يعرفوا إن القرف ده ممكن يغور وميبقالوش وجود في أي لحظة، لكن أنا لأ، انا بنتهم من لحمهم ودمهم… أنا اللي هفضل باقية ليهم !
لم يملك بدر سوى أن يومئ برأسه مؤكدًا، لا يستطع ألا يوافقها وهو يراها تفرش أمامه ولأول ما يجول بصدرها ويجعل قلبها يضخ ألمًا بدلاً من الدم…!
ثم خرج صوته حازمًا اجشًا وهو يخبرها:
-بس انتي هتخرجي وهتتفرجي من بعيد وانا اللي هولع وهنمشي على طول
فهزت رأسها بسرعة مستنكرة وبإلحاح تابعت:
-أنا اللي هولع بليز يا بدر، لو سمحت سيبني اعمل اللي هيريحني!
نظر بدر يمينًا ويسارًا ولحسن الحظ لم تكن توجد كاميرات كما خطر بباله، فامسك بيدها الصغيرة بقبضته بإحكام ثم سحبها للخارج بهدوء حتى أصبحوا على أعتاب ذلك المكان لتقف أيسل اولاً وبدر خلفها… أمسكت عود الكبريت ثم أشعلته لتلقيه بعيدًا عنهم بخطوات وبلحظة ودون ذرة تردد…
وفي تلك اللحظات تشكلت علاقة عكسية، إشتلعت النيران بذلك المكان ليصبح الرماد المتبقي منه تميمة تُحيي روحها هي من بعد موـ,ـتها…
حاول بدر سحبها ولكنها كانت متيبسة ترفض الخضوع وتحدق بتلك النيران بوله وكأنها السكين الذهبية التي نالت بها قصاصها…
ليردف بدر بحدة مُحذرًا إياها:
-يلا يا أيسل أكيد الناس هتتلم دلوقتي اول ما يحسوا بالحريق
اومأت أيسل برأسها بسرعة:
-طيب يلا
ولكنها حينما تحركت لم يسعفها الحذاء ذو الكعب العالي والبنزين المسكوب ارضًا لتلتوي قدمها وتسقط ارضًا لتمسها تلك النيران للحظات معدودة من الزمن ولكنها صرخت بألم وهي تبتعد بسرعة في نفس اللحظات التي سحبها بدر بها بقوة…
ليمسكها من كتفاها برفق متساءلاً بنبرة نضحت منها اللهفة والقلق:
-انتي كويسة؟؟ النار طالتك؟
فأومأت هي بألم وهي تمسك ملابسها عند ظهرها، ثم غمغمت عاقدة حاجبيها:
-أيوه إتلسعت بس بسيطة يلا نمشي
وبالفعل غادروا معًا بسرعة قبل أن يأتي أي شخص…….. **** في القرية….
تحديدًا في غرفة “قاسم البنداري”…
كان طريح الفراش.. ممسكًا بصورة متهالكة وقديمة جدًا لشابة في العشرينات من عمرها، وضعها جوار قلبه وهو يتحسسها متمنيًا لو كان القدر سنح له ليتلمس ملامحها المشرقة يومًا ما…!
خرج صوته حاملاً الاشتياق… ذلك الشعور المتزايد حد الوجع.. حينما تشتاق وتجن معاقيل روحك لروح لم تعد في دنيانا… ولم يمهلك القدر فرصة لتنتشل بضع ذكريات من مخالبه لتعيش عليها….. بل تركك خالي الوفاض.. تعاني مرارة الأمرين والاشتياق مشتركًا بينهما…!
-وحشتيني يا زينب، وحشتيني وهتفضلي وحشاني لحد ما اجيلك
ثم هز رأسه ليكمل بوجع:
-بس انتي مش وحشاني من يوم ما مُتي بس، لأ يا زينب إنتي وحشاني من يوم ما أخبارك إتقطعت عني، من يوم ما اتجوزتي راجل تاني واتحرمتي عليا !
ثم إرتسمت ابتسامة عرجاء ضعيفة على ثغره وهو يستطرد بذات النبرة:
-بس تعرفي يا زينب، بنتك مش شبهك، ممكن تكون شبهك في الشكل، لكن الروح لا… بتك قوية وشرسة وقادرة تدافع عن الراجل اللي بتحبه ماستسلمتش للواقع… بتحارب وهتحارب