Uncategorized

جمر الجليد شروق مصطفى ١

هتف وليد بدهشة: – انتو تعرفوا بعض؟! قهقه بدر، وهو يربت على كتف عاصم: – طبعًا! ده حبيبي وأعز صديق، بس بقالنا كتير ماشفناش بعض. ردّ عاصم بمزاح: – الندالة ليها أصولها، عارف؟ أمال فين بنوتك؟ ردّ بدر محاولًا كتم ضحكته: – لا وانت الصادق… الندالة ليها عنوان، وعنوانها إحنا! ضحك وليد وهو يشير نحو الأطفال: – ونِعم الصحاب! همس صادرت بنتك خلاص… دول طلعوا صحاب كمان في المدرسة! ظلوا يتحدثون وينشغلون في الحوار، ثم انضم إليهم معتز وعامر. استمر عيد الميلاد حتى نهايته، وكانت النهاية مليئة بالسعادة للبعض، واللامبالاة للبعض الآخر، وبعض الشفقة في قلوب آخرين…

.. كان يقود سيارته، وكل تركيزه منصب على الطريق أمامه، في صمتٍ تام حتى قطعته سيلا قائلة:
– جميل عيد الميلاد أوي.
ردّ دون أن يلتفت إليها:
– آه… أوي. عاد الصمت من جديد، لكن عقلها لم يتوقف عن التفكير فيما رأته سابقًا؛ حين رأت معتز، شقيق زوجها، يسير بصحبة فتاة وقد تبادلا لمساتٍ حميمية وكأن بينهما علاقة حب! وكأن ما حدث مؤخرًا لم يكن على باله أصلًا. استطردت حديثها، والحزن يعلو ملامحها: – إيه اللي معتز عامله ده؟ ومين اللي معاه دي؟ لحق ينسى مي ويرتبط بالسرعة دي؟

أخرج عاصم زفيرًا طويلًا، ثم شدّ قبضته على المقود حتى أبيضت عروقه، وازدادت سرعته دون أن ينتبه، ثم قال بغضبٍ مكتوم، مكررًا ذات الكلمة:
– غبي… متسرع. أحست سيلا بالخطر، فحاولت تهدئته، منادية برجاء: – أهدي يا عاصم، خلي بالك من الطريق… هدي السرعة، أرجوك. انتبه أخيرًا لحالته، فخفّف السرعة وتوقف بجانب الطريق، ثم اعتذر بهدوء: – آسف… محسّتش بنفسي، أنتي كويسة؟
هزّت رأسها بالإيجاب، ثم أردفت: – متقلقش… كويسة. صمتت لثوانٍ، ثم تابعت بنبرة حزينة:

– هو خلاص كده؟ مفيش أمل لرجوعهم تاني؟ واللي بيعمله ده بيوصلنا إنه مش في دماغه أصلًا وبيعيش حياته… يعني ليه؟ مش قادرة أصدق إن قصتهم تنتهي كده. قال عاصم بأسف: – للأسف… بقى شخص تاني معرفهوش، آه لو أعرف بس السبب! تنهدت سيلا بأسى: – أنا حاولت أكلم مي كتير بس مفيش فايدة… ورُحتلها لاقيتها سافرت عند خالتها، حالتها مدمّرة، حرام اللي بيحصل بينهم ده. قال عاصم وهو يدير المقود بسخرية: – ماسك بنت معاه… مش عارف بيضحك على نفسه ولا على مين. غبي

سألته سيلا بتساؤل واضح: – مش الدكتور كان ضمنكم آخر مرة وبقى كويس؟ ليه اتغير كده بعدها؟ أجاب عاصم بقلة حيلة، وهو يشعر بقلبه يؤلمه: – مش عارف حاجة بجد… بعد الحادثة اتغير، رغم إن مي ما سبتوش، لكن جواه اتغير. قالت سيلا بدعاء صادق:
– ربنا يرد ضالته ويهديه ويرجع لصوابه قبل فوات الأوان. – يارب… – تنهد عاصم مجيبًا. ثم حاول تغيير الأجواء قليلًا، فابتسم وقال: – بس كنتي زي القمر النهارده يا أميرتي.

ابتسمت سيلا برقة:
– أميرتك مرة واحدة؟ بكّاش أوي على فكرة! ضحك عاصم وهو يجذبها إليه بين ذراعيه:
– بكّاش في حب أميرتي وبنوتي… إيه بقى؟ قالت بحبٍ صادق:
– ربنا يباركلي فيك يا رب… ويفرحك زي ما بتفرحني بكلامك وحنانك عليا. ردّ عاصم وهو يقود، ممسكًا بيدها وقبّلها: – أنتي أول فرحة ليا… دخلتي حياتي ونوّرتيها، ومش عاوز حاجة غير كده. فجأة، دوّى صوت من بعيد: – روح يا بني هاتلنا جوز الكناريا دول على جنب!

نظر عاصم في المرايا الجانبية، ورأى أمين شرطة يلوّح له وهو يقود على مهل. تمهل في القيادة، وتوقف على جانب الطريق عندما رأى لجنة أمنية أمامه. اقترب أمين الشرطة منه، وبصوتٍ أجش قال: – تعالالي يا عم النحنوح… على جنب كده، خلّي اللي وراك يعدّي، شكلك هتأنّسنا شوية! نظرت سيلا إلى عاصم بصدمة، ثم تبادلا النظرات، وحاول عاصم تهدئتها، مشيرًا لها بألا تخرج من السيارة. لكن لم تمضِ ثوانٍ حتى أصدر الأمين صوت طرقٍ على سقف السيارة وهو يهتف:

– يلا انزل… إنت والأمورة اللي معاك كده! يتبع رايكم لو لاقيت تفاعل 50 لايك اقل حاجة هنزل الفصل الثاني وع فكرة دي حصري اول مرة تنزل بقلم شروق مصطفى
لو حد عايز الجزئين يكتب في تعليقاات ومتابعه للصفحة لوصول الجديد الفصل الثاني وانصهر الجليد ج3 بقلم شروق مصطفى
– يلا انزل… ياعم النحنوح أنت والأمورة اللي معاك كده وريني نفسك.. نزل من السيارة بكل شموخ وكأن الأرض لا تسعه، وبدون أي تمهيد، انقضّ على الأمين ممسكًا بياقة بدلته، وصوته يخرج كصفير الأفعى، حادًا وباردًا:

_ إنت أد اللي عملته دا. أخرج الكارنيه الخاص بجهاز المخابرات، لا يزال مشتبكًا معه، يحدّق فيه بعينين ملتهبتين بالغضـ،ـب، وكأن نظرته وحدها كفيلة بإيقاع العقاب. لم تمر لحظات حتى وصل الضابط الآخر، وحين أبصر وجه عاصم عرفه مباشرة، أدّى له تحية عسكرية خاصة، نبرة صوته خافتة ومليئة بالرهبة:
_ تمام يا فندم، إحنا آسفين جدًا، معاليك. لم ينبس عاصم ببنت شفة، اكتفى بنظرة صارمة، قبل أن يستدير، يركب سيارته، وينطلق مبتعدًا. وبينما كانت عجلات السيارة تلتهم الطريق وصوت أنفاسه عاليه، انطلقت ضحكة عالية من المقعد المجاور. التفت إليها بنظرة نارية، لكنها كانت تحاول عبثًا كتمان ضحكتها.

قالت سيلا، بصوت مرتجف من الضحك: _ بس ما تنكرش إنك كنت نِحنوح… واتمسكنا متلبسين يا حضرة الظابط نحنوح… غمز لها عاصم بنظرة ماكرة:
_ فرحانة فيا؟ ماشي… لينا بيت، يا سيلا، وشوفي النحنوح ده هيعمل فيكي إيه. ابتسم بمكر، وضغط على دواسة البنزين، منطلقًا في الطريق. وصلوا إلى البيت ترجل من السيارة ودار حولها ببطء، فتح لها الباب وأشار بيده وهو يقول بنبرة منخفضة، تنضح بالثقة:
_ اتفضلي يا حرم النحنوح. ضحكت سيلا وهي تخطو إلى الداخل:
_ إنت ناوي على إيه بالضبط؟

أغلق الباب خلفها بهدوء، وخطا نحوها، صوته ينساب كهمس الليل، يحمل شيئًا من المزاح وكثيرًا من التهـ،ـديد اللذيذ: _ ناوي أورّيكي يعني إيه تعيشي مع ضابط مخـ،ـابرات نِحنوح. قهقهت وهي تبتعد عنه قليلاً، تقول بخفة:
_ بس إنت شكلك واخد الدور بجد. مدّ يده نحوها بخفة:
_ تعالي هنا، وخليكي جريئة زي ما كنتي من شوية. تقدّمت منه خطوة، عيناها لا تزالان معلّقتين بعينيه، ثم فجأة، أطلقت ضحكة قصيرة، ضحكة ملأت المكان بشيء من الحياة والعبث، وقالت بمرحٍ مراوغ، وكأنها تؤجل المواجهة للحظة التي تختارها هي:
– دا بعدك.

ثم استدارت بسرعة، وركضت بخفة نحو الداخل، ضحكتها تسبقها، وأغلقت باب الغرفة خلفها في حركة مسرحية، تاركة عاصم واقفًا في مكانه، يحدّق في الباب المغلق، وابتسامة لا إرادية تتسلل إلى وجهه.
تمتم بحنق، وهو يخطو ببطء نحو الباب، نظراته مشتعلة بمزيج من التحدي والدهشة: – سيلا… إنتي بتلعبي بالنـ،ـار. اقترب أكثر، خطواته ثابتة كمن يتهيأ لمعركة من نوع خاص. وضع يده على المقبض، تأمله لحظة، ثم أدار المقبض ببطء، وكأنه يمنحها فرصة أخيرة للتراجع. لكن الباب كان مغلقًا من الداخل.

ابتسم ابتسامة جانبية، ساخرة، ورفع حاجبيه كأنها زادته إصرارًا لا تراجع فيه. تمتم مجددًا، نبرته تحمل وعدًا مريبًا: – ماشي… وريني بقى هتستخبي لحد إمتى. مدّ يده وطرق الباب طرقًا خفيفًا، نبرته هذه المرة أكثر هدوءًا، لكنها مشبعة بذلك الغموض الخطير: – افتحي يا سيلا… أنتي اللي بدأتي اللعبة. صباح اليوم التالي خلصتي يا سيلا ولا لسه؟ أعدي عليكي؟ أنا لسه طالع من الشركة. قالها عاصم من هاتفه وهو في طريقه إلى الخارج.

على الجانب الآخر، كانت سيلا تنهي بعض أعمالها داخل الجريدة وهي تهاتف زوجها:
– “ةلا يا عاصم، روح إنت. مي كلّمتني من شوية، هخلّص وأقابلها في كافيه. أنا ما صدّقت إنها كلّمتني أصلًا. عاصم بابتسامة دافئة:
– طيب يا حبيبتي، كلّيميني لو في حاجة. مع السلامة. أغلقت المكالمة، ثم أكملت كتابة بعض التقارير أمامها. وبعد دقائق، هاتفت صديقتها:
– ها يا حبيبتي، أنا خلّصت. أنتي فين؟
– “مي؟
– أه، خلاص، هلبس الطرحة وأنزل. هنتقابل في الكافيه… عارفاه؟
بقلم شروق مصطفى حصري
– سيلا: آه، عارفاه. تمام، هسلّم التقارير وأستناكي. باي يا قمر.

ربّتت والدتها على ظهرها بعد أن أغلقت مع صديقتها وقالت بابتسامة مشجعة:
– كويس، انزلي وغيّري جو. سيلا جدعة وبتحبك، اتكلمي معاها. طالما كاتمة جواكي، الكتمة غلط. – هحاول يا ماما، بجد هحاول. حاضر. – يكتبلك في كل خطوة سلامة يا رب.
– ما تحرمش منك يا رب. هنزل أنا عشان هي مستنياني. مع السلامة.”
– “سلام، يا قلب أمك. خرجت سيلا من المنزل، فيما جلست الأم على أقرب أريكة، تغالب دموعها التي انهمرت بصمت، وهي تهمس بحرقة:

– ملحقتيش تتهني وتفرحي يا بنتي… إحنا السبب. استعجلنا عليه وقلنا يتعدل ويتقي ربنا… آه يا حبيبتي… استغفر الله العظيم يا رب من كل ذنب. لك الأمر من قبل ومن بعد. ثم نهضت لتكمل روتينها اليومي، تحاول أن تتماسك، لكنها تحمل في قلبها غصة لن تزول بسهولة.
…. داخل الكافيه نهضت سيلا فور أن لمحت مي تدخل من الباب، واحتضنتها بشدة، ثم جلستا معًا من جديد. قالت سيلا بسعادة لرؤيتها:
– “إيه الغيبة دي كلها؟ وحشتيني أوي.”

ردّت مي باشتياق:
– “وإنتي كمان والله. أول ما رجعت من عند خالتي كلمتك على طول. وحشني الكلام معاكي بجد.” هتفت سيلا بمحبة:
– “يا قلبي! من وقتها وأنا بحاول أوصلك، معرفتش، وعرفت من مامتك إنك سافرتي لخالتك البلد. كل يوم أكلم طنط وأطمن عليكي، بجد مش مصدقين اللي حصل.” أجابت مي بتنهيدة حزينة ووجع داخلي:
– “نصيبي كده، هعمل إيه.”

انت في الصفحة 3 من 7 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى