ابتسم الطبيب لسعادتهم، ثم قال بهدوء: – كما أخبرتك، مرحلة الخطر قد زالت، لكن سيظل معنا لفترة ثلاثة أشهر أخرى، نتابع خلالها نجاح العملية، ونعطيه الكيماوي على جلسات منتظمة، للاطمئنان على زوال الورم نهائيًا. بإمكانكم زيارته الآن، فقد نُقِل إلى غرفة أخرى، لكن لا تُجهدوه بالكلام كثيرًا حتى لا يتعب. وتهانينا لكم مرة ثانية. غادر الطبيب، فوجدت سيلا عاصم يبكي من شدة الفرح، فاحتضنته بسعادة، تبارك له، ثم مضوا مع وليد في طريقهم إلى غرفة معتز.
دخلوا بهدوء، فوجدوه ممددًا على السرير، رأسه مغطاة بشاش أبيض، وبعض الأسلاك تلامس صدره. ما إن شعر بوجود أحدهم، حتى فتح عينيه ببطء. هرول إليه عاصم، جلس إلى جواره، اقترب منه وهمس: – حمد لله على السلامة يا بطل… الحمد لله يا رب شوفتك منور الدنيا تاني… عاوزك قوي كده، تمسك في الدنيا، فيها حاجات كتير حلوة لسه… من حقنا نتمسك بيها، اوعى تيأس، ولا تقول خلاص… لا، غلط… اوعى تيأس من رحمة ربنا علينا… كل صعب بيهون، وعوض ربنا أجمل، فاهم؟
ابتسم معتز نصف ابتسامة لم تصل إلى عينيه، وتمتم بخفوت: – الله يسلمك يا حبيبي… حاضر، هعمل اللي بتقوله والله… بس حاسس بتعب… ودماغي مش قادر… في زنّ فيها كتير. ربّت عليه عاصم مطمئنًا: – مش لسه خارج من عملية؟ طبيعي… دلوقتي هانادي الدكتور أو أي حد من التمريض يديك مسكن… وترتاح. اقترب وليد منه، مبتسمًا: – وحشتنا يا مان… أيوة كده، بطلنا لازم يكون قوي… بس حاول تنام عشان الزن اللي في دماغك ده يروح، طيب؟
هزّ معتز رأسه، وعيناه تتطلعان إلى سيلا الواقفة خلف عاصم، تبتسم له برقة، وهمست: – حمد لله على سلامتك يا معتز… ارتاح ونام زي ما قالك وليد عشان الصداع يروح… بلاش تتكلم كتير عشان ما ترهقش نفسك. هتف لها معتز بصوت متهدج قبل أن يغلق عينيه ويغفو: – مش هرتاح… غير لما أشوفها قدامي… وتسامحني… أنا ظلمتها كتير… وقسيت عليها أوي… هي فاهمة غلط… أنا اللي وصلتها كده… “أنا السبب… مـ… يـ… ساامحيني… خ… خليها تسامحني… ن… نفسي… أشوفهااا”…
خرجت كلماته الأخيرة ببطء، تتقطع بين الحروف، وتنسحب مع أنفاسه المتعبة، بينما راحت عيناه تنغلقان رويدًا.
…
غفا بعد ذلك في نومٍ عميق، تأثّرًا بالمحلول المعلَّق إلى جواره، والذي احتوى على نسبةٍ من المسكنات والمهدئات. غير أن نومه لم يكن هادئًا، إذ تلوَّن بمشهدٍ مزعج كان آخر ما اختزنه عقله الباطن قبل أن يستسلم، فترجمه إلى صورةٍ واضحة:
رآها تقف أمامه، تضحك عليه وتشير نحوه بأصابعها، بينما تجلس إلى جوار رجلٍ آخر، تزفُّ إليه. كانت تقهقه بصوتٍ عالٍ وهي تنظر إليه بشماتة. نهضت تتمايل بفستانها الأبيض، يراقصها الآخر بامتلاكٍ ظاهر، دون أن تلتفت للواقف أمامها، الذي اغرورقت عيناه بالدموع ندمًا. لم تُعره أي اهتمام، وظلّت تضحك في وجهه وهي تمضي في فرحها، والآخر يمسكها ويهمس في أذنها.
بدأ جبينه يتصبب عرقًا، وصدره يتراقص تحت وطأة ضربات قلبه العنيفة، حتى بدأت أنفاسه تنتظم من جديد. على الجانب الآخر، نهضت فزعة، تصرخ باسمه. كان حلماً غريبًا يزورها لأول مرة منذ افتراقهما.
هرعت والدتها إلى غرفتها فور أن سمعت صراخها، جلست إلى جوارها تربّت عليها، وبدأت تتهدّى بالبسملة وتتلو بعض آيات من القرآن: – بسم الله، حلم يا حبيبتي، حلم. نامي يا ضنايا، يلا. ابتلعت ريقها وهي تتصبّب عرقًا من جبينها، تلهث في خوف وتردد بصوتٍ مرتجف:
– ش… شوفته يا ماما… دخل إيده… مسك قلبه بين إيديه… خرّجه من جسمه… وقدمه ليا… ووقع ميت قدامي! مات يا ماما! أنا… أنا خ خايفة أوي… هتفت نبيلة، وغمّة تخنق قلبها دون أن تفهم مصدرها: – عقلك الباطن اللي هيّألك كده. ارجعي نامي، ومفيش حاجة إن شاء الله. عادت إلى النوم مجددًا، وراحت والدتها تمرّر يدها على خصلات شعرها، تواصل ترتيل بعض الآيات حتى لاحظت انتظام أنفاسها، ثم غفت هي الأخرى إلى جانبها، حتى الصباح.
يتبع
تفتكروا هتقدر تسامحه ولا هتسمع كلام الطبيب هدفك قدامك مش وراكي؟؟؟؟
منتظرة توقعاتكم الفصل السادس والعشرون جمر الجليد الجزء الثالث حصري بقلم شروق مصطفى بعد مرور ثلاثة أشهر، يعود معتز إلى وطنه، متطلعًا لاستعادة ما فقده ذات يوم، وعلى أمل أن تعود حياته إلى طبيعتها مجددًا. انتهت رحلة العذاب أخيرًا، لكنه لم يعد كما كان؛ تغيرت ملامحه كثيرًا، وتساقط شعره، ونحل جسده قليلًا بفعل العلاج الكيماوي. ترجل من الطائرة ممسكًا بيد شقيقه، تسير بجانبه سيلا، ويتبعهم وليد، جميعهم عائدون،مجبورين.
استقبلهم عامر بحرارة، واحتضن معتز طويلًا، ثم اصطحبهم إلى السيارة. أنزلوا وليد أولًا، ثم توجهوا جميعًا إلى منزل العائلة، بينما هاتف عامر قائلًا: – وصلت رودينا، هتلاقوها هناك. هخلص كَمّ حاجة وهجيلكم على بليل. دلفوا إلى الداخل، فاستقبلتهم رودينا بشوقٍ كبير، وخصّت معتز بحض.نٍ حارّ، وكأنها تحتضن فيه الغائب والعائد والناجي في آنٍ واحد. اتجه معتز إلى غرفته، لكنه قبل أن يدخل، التفت إلى سيلا وقال بنبرة جادة: – ما تنسيش اللي قولتلك عليه، ماشي؟
هزّت رأسها ردًا سريعًا: – حاضر يا معتز. تركتهم وجَلست أمام التلفاز، شاردة الذهن. كانت كلمات معتز تتردد في عقلها: حديثه عن حالته، وطلبه منها أن تجمعهم لشرح كل شيء. تنهدت بيأس، فجلس عاصم إلى جوارها، يرمقها بدهشة، متأففًا: – مالك؟ في إيه؟ أجابته دون أن تنظر إليه، متجنبة مواجهته: – مفيش… عادي، مالي يعني؟ أنا كويسة أهو. تهرّبت من عينيه، لكنه أمسك بذقنها وجعلها تنظر إليه، وقال بنبرة حانية حازمة: – ارغي وقولي اللي في قلبك… أنا عارفك من عنيكي، في إيه؟ مضايقة من إيه؟
نطقت فج.أة وكأنها تنفج.ر بالكلمات التي حبستها: – معتز عايزني أكلم مي وأخليها تقابله، وأنا مش عارفة أعمل إيه! من آخر مرة كلمتها فيديو كول وشافها بعد العملية، وهو بينهار كل ما يشوفها أو يسمع صوتها وهي لسه بعيدة، أمال لو اتقابلوا؟! ما يعرفش هي جواها إيه ناحيته، هل ممكن ترجعلُه؟ وبقول أشرح لها أنا قبل ما يقابلها، مش راضي… مصمم يقولها هو بنفسه! قهقه عاصم من انفعالها، فاستشاطت غ.ضبًا، وهتفت متغا.ظة: – بتضحك عليا ليه؟! أنا خا.يفة عليه من والمواجهة، وانت تضحك! طيب اتصرفوا انتوا بقى، مش هخليها تقابله! ها! بس كده!
جلست عاقدة ذراعيها، مطبقة شفتيها للأمام كالأطفال، وأدارت وجهها للجهة الأخرى، غا.ضبة ومتوترة. ابتسم عاصم وقال بلطف: – يا بت، بضحك عليكي؟! بالعة راديو، لوك لوك مفصلتيش! طيب، ما تحكي لها عادي، مَهدي لها، شوفي ردة فعلها أيه، سيبك منه هو لما يتقابلوا، الموضوع هيكون أبسط شوية. ومتزعليش نفسك يا قمر انتي. – تعالي نطلع أوضتنا… مش قادر، جسمي متكس.ر، حاسس إني عاوز أنام شهر كده!
—
على الجانب الآخر، وخلال الأشهر الثلاثة الماضية، أنهت مي جلساتها العلاجية، وتمكنت من مواجهة مخا.وفها دون تردد. تبدلت شخصيتها، فأصبحت أقوى وأصفى ذهنًا، ولم تعد بحاجة إلى جلسات أخرى. لم ترَ طبيبها سوى صُدَف عابرة، إما من شرفتها، أو في الأسفل أمام البناية. احترم ر.غبتها في البعد، فلم يتحدث إليها إلا عند الضرورة، مكتفيًا بترك رقم هاتفه معها، لتتواصل إن احتاجت إليه يومًا. اليوم، حضرت سيلا إلى العمل بالجريدة بعد انقطاع طويل. شعرت مي بالسعادة لرؤيتها أخيرًا بعد غيابها منذ حا.دث سيلا وأصا.بتها العمى وعودتها المفا.جئة مع عاصم.
هتفت سيلا بابتسامة: – نخلّص الشغل، وتعالي أقعدي معايا نرغي شوية، إيه رأيك؟ ردّت مي وهي تلوّح بيدها: – من بيت لبيت لا مش لاعب! تعالي نروح أي كافيه، مش عاوزين خ.نقة بيوت. أصيبت سيلا بخيبة أمل لإفساد خطتها، فقد كانت تنوي تنفيذ طلب معتز بأن يراها ولو من بعيد. تنهدت وهي تحاول كتمان توترها: – طيب، خلّصي بسرعة، عشان عايزة أحكيلك اللي حصل. وبعد إنهاء العمل، ذهبتا معًا إلى الكافيه المعتاد، جلستا على طاولتهما المحببة، وبعد أن طلبتا مشروبهما، هتفت مي بحماس طفولي:
– إحكي! حصل إيه أول ما خ.طفك عاصم مننا؟ عملتي إيه؟ ورجعلك نظرك إمتى؟ والجنان اللي بينكم وصلكم لإيه؟ موعودة تتخ.طفي وتسافري ألمانيا يعني؟ بدأت سيلا تروي ما حدث منذ ذلك اليوم… لحظة اكتشافها أنها وحدها معه، إلى يوم استيقاظها وعودة بصرها. لكنها، مدفوعة برغبة في الانتقا.م مما فعله بها في تلك المهمة التي كانت سببًا في خسا.رتها له، قررت أن تخد.عه. حين استيقظت ولم تجده بجانبها، نه.ضت تبحث عنه. توقفت عند مقدمة السلم، فرأته بالأسفل، يجلس بجانب المدفأة، ممسكًا بكتاب في يده، يحتسي قهوته بهدوء. خطَت أولى خطواتها نحو السلم، وفج.أة مالت قدمها، فصر.خت باسمه.
هرع إليها تاركًا ما بيده، صا.ئحًا: – حااااسبي! أوقفي عندك! كاد أن يصعد، لكنها كانت تنزل بمرح، تقهقه بصوت عالٍ وتخرج لسانها له بطريقة طفولية مستفزة. هتفت مي وهي تضع كفها على وجهها، مدهوشة: – عملك بطاطس محمرة أكيد من الخضة؟ يا مفترية! قهقهت سيلا وهزّت رأسها مؤكدة: – آه، طلع شرارات من ودانه! خلاني رجعت أجري لفوق وأقول “الحقوني! خلاص حرّمت! وعيب بقى، مش هكمّل… احم احم”. ارتعد قلبها حين رأته يركض نحوها، كما ارتعد جس.دها كله. أدركت أن اللحظة قد حانت، وأن فعلتها لن تمر مرور الكرام. كانت نظراته كالسه,م، حادة، غا.ضبة، لا ترحم.
اندفع نحو باب غرفتها، طرقه بقوة حتى فتحته وهي تتراجع إلى الوراء، تشرح له وهي تراه يقترب: – هفهمك، استنى! رايح فين؟ هي جت معايا كده! آه… حرّمت! خلاص، حرّمت! قبض عليها بسرعة، رفعها من خصر.ها فج.أة، أجلسها على قدميه بوضعية مقلوبة، لتجحظ عيناها من ، وقد بدأ يصفعها على مؤخرتها ضر.بات متوسطة، وهي تبكي وتصيح كطفلة: – آه! حرّمت! خلاص! يا ماما تعالي خديني! خلاص، خلاص! هتف بها وهو لا يزال يضر.بها بخفة: – بقى تعملي فيا كده يا بت؟! والله ما أنا سايبك… خُدي!
– آآه… هزعل منك، إنت و.حش، وأنا اللي فاكراك هتفرح… آه! صر.خت فج.أة بصوت عالٍ، وهي تحاول التملص من يده: – إنت و.حش! ابعد عني بقى! هامسًا: – ده عقاب صغير كده، عشان خضّيتيني عليكي… ما تعمليش كده تاني فيا. .. فجأة، هزّتها مي من كتفيها وهي تشير أمام وجهها: – إيه يا بنتي فينك؟ إيه اللي جاية تنامي ده يا سيلا؟! تليفونك يا ماما مبطّلش “رن رن”.
أفاقت سيلا من شرودها على لمسة مي، وأخرجت هاتفها من حقيبتها لتنظر إلى الشاشة، فتنهّدت بتوتر حين وجدت اسم “معتز” ظاهرًا. أغلقت المكالمة فورًا، وضبطت الهاتف على الوضع الصامت، ثم التقطت بعض الأنفاس استعدادًا للمهمة القادمة. سألتها مي بدهشة: – مردتيش ليه؟! يا بنتي مش ده عاصم؟ هزّت سيلا رأسها نافية: – لأ، رقم غريب… مش برد على حد. سيبك إنتي، المهم خلينا في اللي جاية لك عشانه. قالت مي بمزاح وهي تغمز لها: – ها يا ست أشجيني، يلا، كلي آذان صاغية… وهعدّي لك اللي مرضتيش تقوليه بمزاجي.
قهقهت سيلا على حديثها، ثم قالت مازحة: – لمّي نفسك يا بت. لكنها ما لبثت أن صمتت، وتبدلت نبرة صوتها إلى الجدية: – مي… معتز عاوز يرجع. صاحت مي بدهشة، غير مصدّقة ما تسمعه: – إنتي يا سيلا اللي بتقولي كده؟! صمتت مي قليلًا، تجمع أفكارها، ثم أردفت: – إنتي مستنية أرد عليكي بإيه؟ أيوه موافقة؟ يا ريت؟ وأعيط من الفرحة؟ ولا إيه؟… في إيه يا سيلا؟! أمال لو ما قولتلكيش على اللي حصل! قاطعتها سيلا بسرعة لتكمل ما كانت تود قوله:
– يا مي… اسمعيني بس… لو شفتي معتز، … شكله اتغيّر خالص… قاطعتها هذه المرة مي، بنبرة غاضبة: – ماله شكله؟! إنتي هتستعبطي يا سيلا؟! وتقوليلي إنه يا عيني منها.ر وبيمـ,ـوت من بعدي والكلام ده؟! هتصدقيه بذ.متك؟! وماله شكله يعني؟! أخرجت سيلا هاتفها وأظهرت صورة له وهو حليق الشعر داخل المستشفى، وضعت الهاتف أمام وجه مي: – مي… بصّي كده. فعلاً معتز كان بيمـ,ـوت. إحنا كنا مسافرين الفترة دي عشانه.
معتز جاله ور.م على المخ، ونجا من العملية بأعجوبة.
نسبة نجاحها كانت خمسة وستين في المية، وكان المكان حساس جدًا، أي خطأ كان هيؤدي للشلل.
صمتت لحظة تراقب رد فعلها، ثم واصلت الحديث: – مي، معتز اعترف لي إنك أشرف بنت عرفها، وأول وآخر حب في حياته.
عمل كده غصب عنه، عمل زيي بالظبط لما فقدت الأمل في مرضي وهر..بت…
كان بيحاول يكر.هك فيه، علشان لو… لو… تلعثمت، لم تقوَ على النطق، ثم قالت بصوت متهدج: – يعني بعد الشر عليه… ما تزعليش ولا تبكي عليه. والله معتز بيحبك.
كان بينهار مننا لما يسمع صوتك… مرة لما كلمتك، ومرة لما شافك فيديو كول.
وكان هو اللي بيطلب مني كده كل مرة.
تنهدت تبتلع ريقها، ثم أردفت: – طيب، فاكرة الرقم اللي كان بيزاولك؟ هو اللي كان بيكلمك من أرقام كتير.
وكلمك من الفيس من أكونت فِيك.
عمل كل ده علشان يعرف أخبارك.
عمل كده علشان يبعد عنك كل حزن.
أنا معاكي، تصرفه غبي وغلط… بس… قاطعتها مي أخيرًا بتعبير خالٍ من المشاعر: – بس إيه؟ هو في لسه “بس”؟ بدّلت نبرتها وتحدثت بسخرية لاذعة:
– بس كتر خيركم والله!
جايين تقولولي دلوقتي عن حالته ومر.ضه ومعا.ناته؟ ليه؟ مش فاهمة!
أنا أعمل إيه بعد ما أعرف؟ أرمي نفسي تحت رجليه؟ أبوسها وأعيّط؟
ولا إيه؟ الدراما اللي إنتو فيها دي الصراحة أوڤر أوي… يا سيلا، إنتي ولا هو!
جايينلي بعد ما النا.ر اتحولت رماد…
عشان تطفُوها؟!
ما هي انطفت من غيركم… سبحان الله! توقفت مي للحظة، ثم نظرت لهاتفه بجمود قبل أن تستدير مغادرة: – لو إنتي جايباني هنا مخصوص علشان الكلمتين الخايبين دول…
إنتي ضيعتي وقتك على الفاضي!
وآه… نسيت، ألف سلامة عليه.
بلّغيه سلامي… سلام.
أشارت بيدها على رأسها وغادرت المكان بأكمله دون أن تلتفت. وقفت سيلا من ردّ الفعل، ثم نهضت تحاسب وغادرت هي الأخرى، تحدث نفسها بذهول: – إيه ده؟ مين دي؟!… دي مي؟!
— وصلت إلى المنزل، وما زالت مندهشة من ردّة فعلها، تتكالب الأفكار داخل رأسها، حتى وجدته أمامها، ينتظرها بلهفة، وعيناه تلمعان ببريق أمل. قال متلهفًا:
– ها… شُفتيها؟
مردّتيش عليا ليه؟ تخطّته، وجلست على أقرب مقعد، تمسح براحة أناملها جبينها بتوتر حاولت إخفاءه: – استنى… آخد نفسي الأول.
جلس مقابلها، يتطلع إليها بحماس ولهفة:
– كنت لابس ومستني تقوليلي مكانكم علشان أقابلها.
لما لاقيتك ماجيتيش هنا، قلت خلاص…
ها، أخبارها إيه؟
اتكلمتوا في إيه؟
اتكلّمي يا سيلا، أنا بشحت منك الكلام ولا إيه؟! يتبع انتظروا المواجهه بينهم والمفاج.أة…. تركها تحترق وسط نير.ان الظ.لم، يراقبها عن بُعد، عاجزًا عن مد يد العون. كان يظن أن القس.وة ستحميها، فصنعت منها روحًا باردة، قا.سية، كانت تسكب د.موعها في صمت، تداوي جرا.حها التي خلفها رحيله. ظن أن الوقت سيشفي، وأن المسافة ستخ.فف من الأل.م، لكنه أخطأ.
ما إن خمدت النير.ان، حتى أصبحت آثارها رمادًا عائمًا في الهواء، لا يعيد له الحياة، ولا يعيد لها ما ضاع. جر.حه أصبح ذاكرة، وذكرياتها أصبحت رمادًا لا يمكن إحيا.ؤه. ثم عاد، بعد أن استراحت الرياح وسكنت العا.صفة. عاد ليطلب العفو، يظن أن الكلمات قد تُعيد ما فاته، وأن الند.م قد يداوي الجر.ح. لكنه نسى أن الرماد لا يُشفى. كيف لروح أن تُشفى بعد أن سُحقت، وكيف لذكريات أن تعود كما كانت بعدما ضاع وهج.ها؟
لقد تأخر… وتكررت الأخطاء حتى أصبح الزمن هو الذي لا يعود. الرماد لا يشتعل، والذكريات لا تُحيى، والأل.م لا يندمل بعد أن مضى عليه وقت طويل. فماذا يمكن أن تعني الاعتذارات الآن؟ الفصل السابع والعشرون جمر الجليد الجزء الثالث حصري بقلم شروق مصطفى أخبارها إيه؟ اتكلمتوا في إيه؟
اتكلّمي يا سيلا، أنا بشحت منك الكلام ولا إيه؟! التقطت بعض الأنفاس وأخرجتها على مهل، محدثة بكذب:
معرفتش أجيبها هنا زي ما اتفقنا، قابلتها في كافيه عادي، ما اتكلمناش في حاجة معينة.
هتف إليها، مصدّقًا لذاته ومصمّمًا على مقابلتها:
طيب هتشوفيها إمتى؟ كلّميها وقابليها تاني، حتى لو في كافيه، مش مهم، بس لازم تسمعني. محتاج أقابلها ضروري، لازم أشرح لها كل حاجة بنفسي. متأكد إنها هتسمعني وتسامحني، أنا شوفت في عينيها إن لسه في أمل. تطلعت إليه بدهشة لما تحدث بعكس ما رأته اليوم في عينيها:
شوفتها إمتى يا معتز؟
تلجلج، خافضًا رأسه بأسى وندم، وقال:
شوفتها مرة في الغردقة. شوفت في عينيها نظرة أمل، لكن للأسف، شوفتها وداريت وشي، وعملت نفسي بكلم حد تاني وكأني ما شوفتهاش. كنت بتقطع جوايا، كان نفسي آخدها في حضني أوي. بس أنا حسبتها غلط. لكن فيه أمل يا سيلا، صح؟ قوليلي، إنتي صاحبتها وعارفاها، ممكن نرجع تاني، صح؟ أنا أمـ,ـوت لو شوفتها مع غيري. عارف إني ظلمتها، بس هتساعديني وتقفي معايا؟ مي ترجعلي، مش كده؟
لم ترد صدمته الآن، فهي مشتتة بين تبدل تلك الأخيرة إلى أخرى لم تعتدها بعد. كانت تعلم صديقتها جيدًا قبل الحادث الأليم الذي غيّر كل شيء، ومعه تغيّرت هي أيضًا. وبين حيرتها، وهو تراه نادمًا على كل ما اقترفه في حقها، راغبًا في تعويضها، ولهفة عينيه، ومعاناته من آلام جلسات الكيماوي التي ذاقت مرارتها قبله ، لم تُرِد أن يرجع خائبًا.
هزّت رأسها لأعلى ولأسفل، وحاولت الابتسام:
هساعدك، ما تقلقش. ارتسمت ابتسامة على شفتيه وهو يقول:
طيب كلميها، وشوفي هتشوفيها إمتى بسرعة.
ربّتت عليه وهي تنهض:
هشوفها في الجريدة، وأتفق معاها، وأبلغك. اطمن إنت بس… وقولي فين عاصم؟ أشار لغرفة المكتب، ثم توجهت إليه. طرقت الباب، ثم دلفت وجلست في مقابلته. قال مبتسمًا:
حبيبتي، اتأخرتي ليه كل ده؟ ها، عملتي إيه؟ هتفت له وهي تمسك قلمًا وجدته أمامها، وظلت تطرق به على المكتب عدة طرقات، هامسة بشرود:
جيت من بدري، بس كنت قاعدة مع معتز بره. أنا حكيت لها كل حاجة، وخليتها تشوف صورته كمان عشان تتأكد، بس…
وعندما طال الصمت، نظر إليها يحثّها على الاسترسال:
سكتي ليه بس؟ إيه يا سيلا؟ عملتي إيه؟ كمّلي. ابتلعت ريقها وتحدثت:
بس هي مش مي اللي أعرفها. دي واحدة تانية. كلماتها وأفعالها صدمتني. أنا عارفة مي، لو حد زعلها، تفضل آه، كاتمة جواها، مش تبين جرحها. ولو رجع يصالحها، ممكن تعند شوية، بس في الآخر تقتنع بكلام اللي حواليها وترجع.
اللي شوفتها النهارده عكس دي تمامًا، مش رمشت بعينيها حتى، ولا دمعة، ومشت وسابتني كمان، تخيل! بلاش معتز يقابلها، هاتجرحه. حاول تقنعه إنه يمهد لها قبل ما يقابلها.
ابتسم نصف ابتسامة ليطمئنها:
هتصرف أنا، ما تقلقيش. إنتي عملتي اللي عليكي. وخليكي جنبها برضه، وشوفي الدنيا معاها فيها إيه. وكلمة منك على كلمتين مني، وقت ما يشوفها يكون الموضوع هدي شوية من ناحيتها.
هي أكيد اللي عمله معتز مكانش قليل، وإنها تعمل أو تتكلم كده، معاها كل الحق. العيب منه، والغلط غلطته.
المفروض يشاركها آلامها زي ما شاركها الحلو والفرح. هو أناني، لغى دورها كشريكة حياته، ونسي إنهم المفروض يتقاسموا أدوارهم، ويقفوا جنب بعض.
مش لما حد يتعب، يبعد عنه علشان مش عاوز يزعله! ولا يحزنه!
ده مش صح. هو غلط، ولازم يتحمّل غلطه.
بنات الناس مش لعبة. هي تقرص ودنه شوية. لازم يتعلم الدرس.
بس يا رب نلحق، وما يكونش فات الأوان.
هتكلم معاها، ما تقلقيش، هي بتسمع مني. صمتا قليلًا، كلٌ منهما حزين على ما آلت إليه الأمور، حتى قطع ذاك الصمت صوت عاصم هاتفًا لها:
ها يا ست البنات، مش هتاكليني ولا إيه؟ أنا جعان! غمز لها، فابتسمت، ثم نهضت قائلة:
ساعة ويكون كله تمام. …
أخذتها أقدامها إليه، تريد أن تخرج ما بجوفها لتستريح. حرّرت الدموع من مقلتيها فور خروجها من المكان، وسارت دون هدف، حتى وصلت إلى عيادته.
تحدثت مع الممرضة، ورغم عدم حجزها المسبق، ومحاولة الأخيرة منعها من الانتظار بسبب اكتمال الحالات، إلا أنها أصرت على الجلوس. رفعت عينيها لأعلى، تقلب عينيها ويديها، تلوّح بهما أمام وجهها قائلة بخفوت:
“متعيطيش، إنتي مش عيلة عشان تعيطي، إنتي مش ضعيفة… اهدي بقى.” استمعت إلى صوته من السبيكر يخبر الممرضة بعدم استقبال أي حالة أخرى، فاقتربت منها مرة أخرى، وهمست برجاء:
“ممكن تقوليله… مي أخت هيثم… بس.”
في تلك اللحظة، فُتح الباب، وخرج آخر مريض، ودلفت الممرضة إلى الداخل قليلًا ثم عادت تُشير لها بالدخول.
تقدّمت الأخرى بتوتر، وأغلقت الممرضة الباب خلفها. استقبلها بقوله:
“وأنا أقول العيادة نورت فجأة! اتفضلي يا مي… أنا كنت سايب لها خبر، أي وقت تجي، ما تستنيش… تدخلي على طول.” بعد حديثه، أسبلت جفنيها خجلًا، قائلة بصوت خافت وما زالت متوقفة في مكانها:
“آسفة لو جيت من غير ميعاد.” حين سمع نبرة صوتها، أدرك أن هناك خطبًا ما، فهتف بقلق:
“اقعدي يا مي واحكي… إيه حصل؟ مال صوتك؟ إنتي كنتي بتعيطي؟”
مسحت دموعها التي حاولت كبحها، وقالت:
“حسيت إني محتاجة أفضفض مع حد.” توتر قليلًا عندما رأى حالتها تلك، ثم قال بلطف:
“احكي يا مي، أنا سامعك.”
هتفت بشرود:
“صدقني مش عارفة، جوايا لخبطه، بس اللي متأكدة منه… هو نفس إحساسك ولغبطتك لما طليقتك رجعتلك بعد ما حسّت بقيمتك وربنا نصرك.
بس أنا حاسة إني مش مبسوطة خالص… كلامك كان صح لما قلتلي الرقم اللي بيراسلني ده طليقي، لأنه مريض نفسي.
هو فعلاً مريض، بس مش نفسي… مريض عضوي، عنده ورم في دماغه، وده كان السبب الأساسي في بعده عني.
ده اللي وصلته ليّا صاحبتي بعد ما خلص علاجه وتم شفاؤه… وعايز نرجع تاني… تخيّل!”
وحين صمتت، هتف لها:
“وإنتي إيه مضايقك ومزعلك دلوقتي؟ وليه ملخبطة؟ إنتي لسه بتحبيه؟” لاحَت على وجهها ابتسامة جانبية تهكّمية:
“أحبّه! دي كلمة ماتت في قاموسي… ملهاش رجعة.
بس اللي مستغرباه ومضايقني، إني كنت بالنسبة له هوا… ولا حاجة.
مش عارفة هو عايز يرجعلي ليه، بعد ما طعن في شرفي، وهو اللي بعت كل الرسايل دي!
إيه الدماغ دي!
ماهونتش عليه لما ضربني وسحلني برا بلبسي… رمى لي الاسدال… كتر خيره!
أنا بجد من وقتها… بكلم نفسي.
بسهولة كده راجع؟
وإيه يفيد الندم دلوقتي؟
أنا اللي مزعلني وقاهرني… نفسي، والله نفسي…
قد إيه كنت مهمشة في حياته، ده ولا كأني مراته، متعة لوقت الفرح بس، أما غير كده لأ.
ما شاركنيش في تعبه، رغم إني كنت فعلاً شايلة، في حادثة… ولما كان فيه شلل في رجله، عمري ما اشتكيت، وكنت بحب أعمله كل حاجة.
ليه يعمل كده؟!
ليه؟
قد إيه كنت رخيصة في نظره.” صمتت تبتلع ريقها، ثم قالت:
“أنا صعبان عليّا نفسي أوي…
أنا اديت له فرصة قبل كده، ما حافظش عليها.
أنا مبقتش فعلاً أحبه… ولا أكرهه.
كل اللي محتاجاه… يبعد عني، خلاص.”
ختمت كلماتها وهي تمسح عبراتها المتساقطة، ثم نهضت فجأة، فوقف هو أيضًا، وقال لها بابتسامة هادئة قبل مغادرتها:
“بهدوء… عندك فرصة، فكري فيها.
لو لسه في بذرة حب بينكم، وتقدروا تتخطوا اللي حصل…
وفي الآخر، ده قرارك النابع من جواكي.
محدش يقدر يتدخل فيه.
فلو حاسة إنك مش مرتاحة… ابعدي.
وربنا يوفقك في أي قرار نهائي تاخديه.” ابتسمت له دون حديث وغادرت متوجهة إلى منزلها. دلفت إلى غرفتها لتبدّل ثيابها، ثم بدأت في روتينها اليومي، بمساعدة والدتها في تحضير الغداء.
مر بعض الوقت، وأثناء تناولهم الطعام، لاحظت والدتها حزنها وسألتها بقلق:
“مالك يا مي؟ من أول ما جيتي ما بتتكلميش معايا.” فاقت من شرودها، وهي تقلّب ما بداخل الصحن:
“ها يا ماما؟ بتكلميني؟ عاوزة حاجة؟” أجابت والدتها برقة:
“عاوزة سلامتك يا حبيبتي.
مش متعودة منك إنك تسكتي كده، وجاية متأخرة النهاردة عن ميعادك.
خير؟ في حاجة؟
كنت مستنياكي تتكلمي… وانتي ولا هنا، قولت أطمن.” تطلعت مي إلى والدتها بابتسامة حزينة، ثم تركت ما بيدها وقالت:
“أصلي اكتشفت النهارده إني كنت غبية قوي…
وإني ولا حاجة… هامش، أو ممكن لعبة!”
قصّت لها تفاصيل لقائها بسيلا، وما حملته من حقائق مُرّة، ثم ابتسمت بتهكم:
“شفتي بنتك كانت إيه؟!” هتفت نبيلة، بقلب أم مكلومة:
“اللهم لا شماتة يا مي في المرض.
والحمد لله، ربنا نجّاه منها، وعطاه فرصة جديدة للحياة.” قاطعتها مي، وقد غلبها الضيق:
“أنا عمري ما أشمت في تعب ولا موـ,ـت حد أذاني.
قولت لها كده: ألف سلامة عليه.
بس هعمل إيه أكتر من كده؟
محدّش يطلب مني حاجة أنا مش هقدر أعملها!
مش هينفع أقدّم حاجة تانية.
ربنا عطاه فرصة تانية… بس مش معايا أنا.”
ربّتت نبيلة على خصلات شعرها بلطف:
“محدّش هيطلب منك حاجة، يا حبيبتي.
أنا بتكلم عليه هو، ربنا نجّاه وقدمله فرصة، يستغلها بعيد عنّا.
أنا عن نفسي مش هحط إيدي في إيد العيلة دي تاني.
أنا مش مستغنية عنك،
وهو… ربنا ابتلاه عشان ظلمه ليكي، واتهاماته الكاذبة…
قذف مُحصنات؟!
هو في كده يا ناس؟!”
نهضت نبيلة بغير رضا، تقلب كفيها وهي تدلف إلى المطبخ، تتمتم دون أن تسمعها مي:
“لك الأمر من قبل ومن بعد، يا رب.
يبهدل بنات الناس، ويتّهمها، ويرميها،
ولا كأنه أخدها من الشارع!
عشان خايفين نزعل عليه؟
ولسه… ياما نشوف.
ربنا يهديكي يا مي،
وتعدي الأزمة دي على خير،
وأشوف عوضك قريب يا بنتي.” صباح اليوم التالي، داخل الجريدة، جلست سيلا إلى جانب مي بعدما لاحظت تجاهلها الواضح، فسألتها بنبرة مترددة: – مي، انتي زعلانة مني؟
كانت مي تشغل نفسها أمام الحاسوب، توحي بانشغالها بالعمل، وأجابت دون أن تحوّل نظرها عن الشاشة: – لا يا سيلا، أزعل منك ليه؟ إنتي عملتي حاجة تزعل؟ هتفت سيلا بإصرار، وقد بدا عليها الانزعاج: – أصلِك ما كلمتنيش خالص، وأخدة جنب مني. حينها، تركت مي ما كانت تنظر إليه، ووجهت عينيها مباشرة نحو سيلا، تحدثت بثبات، دون أن ترمش: – بصي يا سيلا، احنا قبل كل ده صحاب وعِشرة سنين، تمام؟ فلو عاوزانا نكمّل صداقتنا، ما تجيبيش سيرة معتز قدامي نهائي، بأي حال من الأحوال. بس كده. شوفي سهلة إزاي.
ابتسمت سيلا ابتسامة لم تصل إلى عينيها، والأخرى أعادت نظرها إلى الحاسوب تتابع عملها. وضعت سيلا يدها على كتف مي تؤيد حديثها قائلة: – طبعًا احنا أصحاب، وهنفضل طول عمرنا، ومفيش حاجة تقدر تفرقنا عن بعض. … عقب انتهاء الدوام، ذهبت مي برفقة سيلا، التي أوصلتها إلى منزلها. نزلت مي من السيارة، ودّعتها، ثم أخرجت مفتاحها وولجت إلى الداخل. غير أن قدميها تسمرتا فجأة عند سماع صوت مألوف صادر من الصالون. انقادت قدماها ببطء نحو المصدر، لتجده ينهض فور رؤيتها، ويهتف بلهفة:
– مي! إزيك؟ ليكي وحشة يا بنتي، عاملة إيه؟ جالت مي بعينيها في المكان، وحمدت الله أن “هو” لم يكن هناك. ابتسمت بتكلّف وأجابت: – الحمد لله يا عاصم، وانت عامل إيه؟ تدخلت نبيلة الجالسة بجواره قائلة: – عاصم جاي للصلح بينكم. قولت له اللي فيها، وهو عاوز يتكلم معاكي. هسيبكم تتكلموا عقبال ما أعمله شاي. تركتهم وذهبت لتحضير المشروب. أما مي، فزفرت أنفاسًا متتالية بضيق، وقد أخفضت رأسها، تنظر إلى الأسفل حائرة من أمر هؤلاء؛ ألم يكفيهم ما حدث؟ أم يريدوا ألم اكثر؟ ثم تنحنح عاصم، وقال بهدوء:
– مي، مش هقولك معتز مريض وملاك وسامحيه وارجعيله، لأ… أنا بقولك ما ترجعيش له. رفعت مي رأسها تنظر إليه بصدمة، وهتفت بدهشة: – أنت اللي بتقولي الكلام ده؟ طب ليه؟ ده اللي جاي عشانه؟ تابع عاصم ردود أفعالها بصمت لحظات، ثم قال بنبرة صادقة:
– بصي، معتز غلط، ومغلطش غلطة بسيطة، لأ… غلط مع ناس كبيرة، مش صغيرين، غلط مع راجل أمنه على بنته، وهو ما صانهاش ولا كرّمها في بيته. معتز دلوقتي زي العيل اللي كان هيتجنن على لعبة، وأول ما مسكها لعب بيها شوية، وخاف يكسرها، ركنها على جنب… وقت ما يحتاج لها، هيلاقيها. فاهمة؟ هو محتاج يتربى من جديد ويتعلم.
هو مصمم يقابلك بنفسه، ويشرح لك كل اللي عمله، ويبرر لك.
أنا مش طالب منك غير إنك تسمعيه… بس تسمعيه.
معتز بيحبك يا مي، وعارف إنك لسه بتحبيه.
ادوا لنفسكم فرصة تانية… بس بعد ما يتعلم الأدب.
وليكي مطلق الحرية برده.
هزّت مي رأسها يمنة ويسرة بسخرية مريرة، وأجابت: – فعلاً ليا مطلق الحرية في دي، عندك حق.
بس مين قال إن في حب جوايا له؟
انت غلطان يا عاصم، الحب مات جوايا وقت ما طلقني، وبعتلي ورقتي، ومسكتها بإيديا، لحد ما صدقت فعلًا إنه عملها.
وفي أسباب تانية… أحب أحتفظ بيها لنفسي.
آسفة، عرضك مرفوض. وفي اللحظة التي لفظت فيها جملتها الأخيرة، دخلت نبيلة بالمشروب، فوضعت الصينية أمامه وقالت: – اتفضل يا بني، الشاي.
بدا الضيق واضحًا على ملامح عاصم، وقد بدت عليه الحدة من فعل أخيه وما سبّبه من حرج. قبض كفّيه بقوة حتى برزت عروقه، لكنه حاول السيطرة على انفعاله، وقال بأسف: – عندك كل الحق، مقدرش أجي عليكي.
أسف لو جيت ضايقتك بكلامي.
أسف ليكي يا حجة، زعلك على راسي.
إحنا دخلنا البيت، وخدنا بنتكم، ومعرفناش نحافظ عليها. قالت نبيلة بصوت مشوب بالغصة:
– العيب مش منك انت يا عاصم، ما تزعلش مننا.
لكن أخوك غيرك خالص، عكسك.
وأنا، زي ما قولتلك، مش هأمن عليها معاه تاني، بعد ما جات لي يومها مطرودة من بيته بهدوم البيت… دمعتها على خدها.
تمتم عاصم بخفوت أسفا على ما حدث:
– عندك حق مقدرش اغلطكم هستأذن أنا. وكاد أن يفتح باب الشقة ليغادر، حين خرجت إليه مي من خلفه، تهتف بقرارها الأخير، كأنها تُنهي صراعًا داخليًا طال أمده: – عاصم… أنا موافقة أقابل معتز.
شوف إمتى وفين. صُدمت نبيلة، ونظرت إلى مي بعينين تحاولان أن تثنياها، إذ كانت تعرف تمامًا لما أرادت مقابلته. أما عاصم، فالتفت نحوها، وتهلّلت ملامحه ببعض الأمل، وقال: – هكلمك وأقولك فين.
شكراً يا مي… بجد.
ابتسم لها عاصم وألقى كلماته الأخيرة، ثم غادر، تاركًا خلفه صدمة لا تزال ترتسم على وجه والدتها. التفتت نبيلة إلى ابنتها، وهتفت غير مصدقة: – هتقابليه بجد يا مي؟ بعد كل اللي قولناه ده؟ رفعت مي عينيها إليها وسألتها بهدوء: – ماما، انتي بتثقي فيا ولا لأ؟ هتفت نبيلة بإيجاب دون تردد، فاستطردت مي بثقة حذرة: – يبقى اطمني… بس أنا فكّرت، وحسّيت إني لازم أقابله. في حاجة لازم أعملها وأتأكد منها، ومش هتنفع غير لما أقابله.
ردّت والدتها بنبرة يغلبها عدم الرضا، تعبيرًا عن قلقها مما تنوي ابنتها الإقدام عليه: – بلاش يا مي، انسيه وخلاص، كفاية وجع قلب. هتستفيدي إيه؟ استدارت مي نحو غرفتها، وقبل أن تغلق بابها، التفتت إليها قائلة بحسم: – لازم أقابله، وأشوف عينيه… وأقهره زي ما انقهرت. تصبحى على خير.
…
في مكان آخر، كان جالسًا على شرفته يتناول قهوته الصباحية بهدوء. أمامه، على الطاولة، رنّ هاتفه. مدّ يده وأجابه: – حبيبي، واحشني… فينَك يا عم من آخر مرة؟
وبعد أن استمع إلى الطرف الآخر، أجابه مبتسمًا:
– آه، فاضي… بس تصدق أنت في معادك؟ هشوفك فين؟ ما تيجي نروح نتفرّج على ماتش الأهلي. أغلق الهاتف بعد أن اتفق مع صديقه على اللقاء غدا.
….. مساء اليوم التالي، دلفت نبيلة إلى غرفة ابنتها تحاول ثنيها عن الخروج في هذا اليوم المشحون: – يا بنتي، ملهاش لازمة النزول… توجّعي قلبك تاني ليه؟! إحنا ما صدّقنا تشدّي نفسك، اعتذري لعاصم وفضّيها سيرة.
هتفت مي بإصرار، بينما كانت تربط حجابها وتُعدّل من ثيابها أمام المرآة. ارتدت بدلة رسمية كلاسيكية سوداء من ماركة فاخرة، مع حجاب أحمر قاتم وقميص أبيض أنيق. جذبت حقيبتها وهي تقول: – لازم أقفل صفحته للأبد. متأكدة إنه مش هيسكت، ولازم أنهي كل حاجة النهاردة. وبعدين، مش لوحدي… سيلا معايا، وعاصم كمان، بس هيكونوا قاعدين جانبنا. وبعدين، دي ساعة ومش هتأخر. ادعيلي بس يا أمي. قبّلتها والدتها من وجنتيها بصمت فيه قلق، ثم غادرت مي متوجهة إلى المكان المتفق عليه.
هاتفَتها سيلا فور وصولهم، وأغلقت مي المكالمة بعدها بلحظات، ثم وصلت إلى المقهى المحدد. زفرت عدة أنفاس متلاحقة محاولة طرد الضيق من صدرها، تستجمع قواها لتلك المواجهة المنتظرة، ودلفت إلى الداخل بحسم. استقبلتها سيلا على الباب، احتضنتها بودّ وهتفت بإعجاب: – إيه الحلاوة دي كلها؟ قمر يا مي، طول عمرك. ابتسمت مي ابتسامة باهتة لم تبلغ عينيها، وأجابت بحزم: – بصي يا سيلا، أنا مش عاوزة أتأخر، ماشي؟ هي ساعة… مش أكتر. هتفت سيلا في هدوء، وهي تمشي بجوارها:
– حاضر، تعالي بس… يلا. عند وصولهما، وقف معتز في مكانه، لم يحِد نظره عنها، ولم ينطق. عيناه اشتاقتا لملامحها، وحضوره شُلّ أمام حضورها الطاغي. لاحظ عاصم توتر أخيه وشروده، فبادر بالترحيب: – أهلاً يا مي. ردّت مي بابتسامة رسمية لم تصل إلى عينيها، فأشار عاصم إلى سيلا قائلاً: – تعالي يا سيلا، نسيبهم يتكلموا شوية. أمسكت سيلا بيد مي، تضغط عليها تطمئنها، ثم غادرت برفقة زوجها.
كان معتز محدقًا في مي، تحدّق عيناها الساحرتان اللتان اشتاق إليهما كثيرًا.
تاهت الكلمات من على لسانه، وهو يراها تجلس أمامه بتأفف، قائلة بنبرة حادة:
– هتفضل تتفرج عليا كتير كده؟ انت جايبني للفرجة؟ أفهم بس عشان نوفر الوقت وأمشي. أخرجت هاتفها، تنظر إلى الوقت، وزفرت بضيق من نظراته المتفحصة. تنحنح، وجلس أمامها متحدثًا بشوق خافت: – وحشتيني يا مي. نظرت إليه بجمود، وردّت بنبرة جافة: – سمعت إنك عاوز تقابلني، خير؟ ادخل في الموضوع ياريت، بلاش لف ودوران والمُحن بتاعتك دي. تجمد مكانه، وقد صدمه أسلوبها القاسي، ثم قال بأسف ظاهر:
– مي أنا آسف على كل اللي عملته في حقك، وعارف إن قلبك أبيض وبيسامح، وأنا طالب منك العفو. سامحيني ونفتح صفحة جديدة مع بعض. مش قادر أعيش من غيرك. كنت غبي لما فرطت فيكي. ظلت تحدق فيه، تستمع دون أن تقاطعه، وكأنها تبحث عن شيء داخلي، تتأمل وجهه، تستفز ذاك الجزء الذي طالما خُذل:
هل ما زال القلب ينبض؟ هل ما زالت تضعف أمامه؟
لكنها لم ترد، فقط صمتت، بينما تابع هو برجاء:
– عارف إني غلطت في حقك جامد، وقسيت عليكي، وظلمتك… بس والله عمري ما خنتك. كل اللي اكتشفتيه في تليفونك، من تخطيطي ومحادثات، أنا اللي كنت عاملها عشان أوهمك إني بكلم غيرك. حتى الرسايل اللي وصلتلك… كانت مني أنا. كنت ببعدك عن حياتي… مش عارف عملت كده ليه. بجد مخي مش قادر يستوعب اللي عملته، لحد دلوقتي. قد إيه كنت غبي وحمار. توقف لحظة، يبتلع مرارة الحديث، ثم خلع الكاب عن رأسه وهمس بصوت متهدج:
– مي… أنا شفت المـ,ـوت بعيني. كل دقيقة مرت عليا، كنت بدعي ربنا يريحني من وجع الكيماوي. بس كنت بهوّن على نفسي وأقول أتحمل عشانك، عشان أرجعلك سليم.
مكنتش عاوز أشوف دموعك عليّا، مكنتش عاوزك تتعبي وتترملي بعدي.
كنت بكرهك فيا… بس كنت أنا اللي بمـ,ـوت ألف مرة، وأنا بعمل كده. وربنا شاهد عليا. تناول كوب الماء الموضوع أمامه، وارتشف منه ببطء. تنهد بثقل، ثم استأنف:
– حتى يوم المؤتمر… شوفتك، وكان هاين عليا آخدك في حضني ونبعد عن الدنيا دي كلها. بس لقيت نفسي بعمل العكس تمامًا.
عمري ما سبتك… كنت معاكي، وبكلمك طول الوقت.
أرجوكي، سامحيني… أنا بحبك، بحبك بجنون.
مش بنام الليل من كتر التفكير فيكي. ظل ينظر إليها بشوق ولهفة، ينتظر ردها، يرجو أن تعترف له بأنها ما زالت تحبه.
كل ما فعله، ظن أنه دفاع بدائي عن حبها، عن حياته معها، ظن أن الهروب سيحميها من الفقد… لكنه لم يعلم أنه تسبب لها بأقسى وجع.
ظلت عيناه تتنقل بين شفتيها المرتجفتين وعينيها المتردّدتين، يقرأ في ملامحها ترددًا قد يخفي خلفه قبولًا. لم يزل الأمل حيًا في صدره، يراوده حلم العودة، وفتح صفحة جديدة تجمعهما.
ينتظرها بلهفة، يترقّب كلمةً واحدة تفتح له باب الرجاء، وحين طال صمتها، نطق بصوت راجٍ يشوبه الحنين: – متزعليش مني يا مي… بحبك. كادت ترد عليه، لولا صدمة باغتتها فجأة، حين أبصرت مازن يقف قبالتها على بُعد خطوات، وإلى جانبه شخص آخر، يتجهان صوب طاولتهما، غير أن عين مازن كانت مثبتة عليها… مصدومًا، مذهولًا، لا يُصدق ما يرى.
تجمدت في مكانها، وعيناها تتسعان بدهشة، ثم التفتت إلى معتز، تحدّق فيه بنظرة تحمل خليطًا من الخذلان والشك، كأن ما حدث انتزع ثقتها من جذورها.
رددت كلماته الأخيرة، وكأنها تُعيدها لتستوعبها: – ازعل منك؟! نطقت تلك الكلمة باستهزاء وسخرية، ثم تابعت حديثها بحدة لا تخلو من وجع قديم:
– يعني في عشم يا معتز؟ وأنا مفيش بيني وبينك أي عشم! كان فيه زمان، آه، بس بإيدك وبأفعالك ق تلته.
إنت مـ,ـوتت كل حاجة حلوة بينا، لمجرد إنك عرفت بمرضك، ما فكّرتش لحظة واحدة بس تحكيلي!
كنت شوفني الأول كده… اختبرني حتى، مش يمكن كنت هبعد عنك بدل المسلسل اللي عملته كله كنت وفرته عليك؟! صمتت لحظة، تتأمل وجهه، كأنها تعيد شريط الذكريات، ثم تابعت بمرارة:
– شوف إنت عملت إيه وإنت بين إيدين ربنا، وكنت ظالمني! مفكرتش لحظة إنك لو رحت له وإنت ظالم حد… إزاي كده؟!
خايف عليا وعلى مشاعري وحزني، ومش هامّك عذاب ربنا؟!
بص، من الآخر، مفيش عتاب، عشان العتاب بيكون بين الحبايب… وإحنا مش كده. توقفت لبرهة، وصوتها انخفض قليلًا لكنه ظل صارمًا: – طيب، تصدق؟ أنا مش بكرهك… والله ما بكرهك، لأن لو بكرهك يبقى لسه فيه اهتمام، وأنا لا باهتم بيك، ولا حتى فرحانة إنك قدامي.
إنت بقيت عادي بالنسبالي، يا معتز، بجد… لا فيه لهفة في عيني، ولا ده بيدق زي الأول.
وأشارت إلى قلبها عند الكلمة الأخيرة. كان معتز يتطلع إليها، نادمًا على ما اقترفه بحقها، فعاد يرجوها، صوته مكسور: – وحياة العِشرة القديمة… والسنين الحلوة اللي بينا، افتكريلي أي حاجة حلوة عشناها سوا. قهقهت ضاحكة، بصوت بدا كأنما خرج من صدرٍ أنهكته الخيبات، بدت كالصلب، امرأة لم تعرف الحب يومًا: – وحياة العِشرة… وكمان القديمة؟!
إنت طيب أوي يا معتز، والله. زفرت أنفاسها على مهل، وتطلعت إليه من أعلى لأسفل بنظرة شاملة:
– إنت مش مجرد غلطة غلطتها زمان، لما وافقت إنك تكون أماني وسندي، وصدقت إنك اتغيّرت.
إنت كنت كل حاجة في حياتي، لكن أنا مكنتش ليك زوجة… أنا كنت للحلو بس،
أما الحزن والمُرّ، فبعادني عنهم!
خليك على موقفك للآخر، عشان أنا مستحيل أأمنلك تاني.
إنت كنت فاهم الجواز غلط، خالص…
كنت متجوزني للمتعة بس!
اللي ماتعرفوش إن الجواز مشاركة بين اتنين،
وإنت كنت أناني أوي في النقطة دي،
فـهنيئًا لك وحدتك… اللي اخترتها بإيدك.
أطرق برأسه يحاول مداراة دموع لم تسعفه كرامته على كبتها، سالت رغمًا عنه، فأغمضت مي عينيها بألم وهي ترى حالته تنهار أمامها بسبب كلماتها.
فتحت عينيها بعد لحظة، كأنها جمعت شتات نفسها، ونطقت بنبرة حاسمة تُنهي بها اللقاء: – معتز، طلب واحد هطلبه منك… لو عملته، هرجعلك بعدها على طول. تطلع إليها بلهفة مشتعلة:
– أي حاجة تطلبيها، مستعد أعملهالك، حتى لو طلبتي لبن العصفور… حالًا. ابتسمت بوجع لم يصل إلى عينيها، وقالت بسخرية ناعمة:
– مش للدرجة دي… هو طلب واحد، وقتها ممكن أرجعلك تاني، ودلوقتي لو تحب كمان. ثم التفتت إلى مازن، تستمد منه الثبات، قبل أن تعود بعينيها إلى معتز، تتأمل نظراته المتلهفة لسماع طلبها،
ذلك الطلب الذي، إن تحقق، سيكون سبيله الوحيد للعودة إلى قلبها.
نطقت بصوت متماسك يخفي تحت سطحه ألمًا حارقًا يمزق قلبها إلى نصفين: – هديلك فرصة تانية… أخيرة، يا معتز، لو… يتبع تفتكروا هينفذ طلبها؟
يتبع بقلم شروق مصطفى