– سيلا، أنا كنت بعكسك مش أكتر، لكن من بكرة هتلاقي مكتبك هنا، معايا… مقدرش تغيبي عن عيني، بعيد… نظرت له باندهاش، وتساءلت: – يا سلام! يعني لو ماكنتش جيت وقلتلك، كنت هتخليني هنا برده؟ ابتسم وطلب منها الاقتراب: – تعالي بصي كده… قلب شاشة الحاسوب إلى موقع الأرشيف، ثم قال: – أنا كنت شايفك من هنا، ومستنيكي تيجي… وأهو حصل. ضحكت وهي تتذكر أيامهما الأولى:
– أه منك، لسه فيك الحركات دي، برغم إنك تقاعدت عن شغلك خلاص… فاكر يا عاصم لما هربتني من البلد؟ وخطفتني بره؟ وأنا أعمل كل مصيبة والتانية، وتكشفني بسهولة؟ وأنا أبدًا ما أتعلمش؟… أه منك… قهقهت وهي تردد الذكريات، لكن سرعان ما غيّر نبرته إلى الجدية: – سيلا، مش عايز أفتكر الأمور دي… أنا اتغيرت بسببك. كنتي المفتاح اللي فتح قلبي، ونور حياتي… كانت لمسة منك كفيلة ترجّع قلبي ينبض من جديد. لما بفتكر اللي حصل، واللي عملته… قلبي بيوجعني، بلاش يا سيلا…
همست، وقد بدا الندم على ملامحها: – أنا كنت عنيدة يا عاصم… إنت كنت بتحميني، ماكنتش أعرف إني كنت مهددة فعلاً بالتصفية، ما استوعبتش وقتها… كنت شايفة إنك شخص بيبعدني عن أعز صديقة ليا، فهاجمتك، وعاندت… لكن انت كنت بتنفذ واجبك لحمايتي. إحنا عيشنا أوقات صعبة جداً، وعدّينا كتير… الحمد لله على كل حال، مش قصدي أضايقك ولا أوجعك… تنهدت، وتابعت: – عاصم، أنا عايزة أقولك… إنك كل حاجة في حياتي، سندي وظهري… بس لما شوفت الكاميرا دي، افتكرت أيام زمان، واللي عشناه سوا… كنا قط وفار…
نهض عاصم وهو يجمع أوراقه، ثم نظر لها قائلاً بابتسامة دافئة: – طيب، بما إنك طالبة ذكريات، تعالي نروح مطعم نتغدى… أنا جعت، يلا بينا… بعد قليل، جلسا يتناولان الطعام في هدوء، لكن نظرات العشق التي تبادلاها كانت تفضح ما تخفيه قلوبهما. لم تصدق سيلا أن كل ما مرّ بهما أصبح من الماضي، وكأن حكايتهم لا تُصدّق. عشقهم لو روي، لصنعوا منه كتابًا وسمّوه “جمر الجليد”. هو كالجليد، وهي الجمر… لكن الله وضع بذرة صغيرة في طريقهما، تحوّلت إلى نار عشق ولوعة لا تنطفئ.
لاحظ عاصم تغيرات غريبة في ملامحها، فسأل بقلق: – مالك يا سيلا؟ هتفت الأخرى بنفور مفاجئ من الطعام: – مش عارفة، مش متقبلة الأكل… حاسة معدتي مقلوبة، أو هو زفر. ذاق بعض اللقيمات من صحنها ذاته، وقال مطمئنًا: – لأ، مش زفر خالص. دا مطعم السمك اللي بتحبيه، وذوّقت الأكل، مفيش حاجة… طيب اشربي شوربة السي فود، جميلة. لكنها أبعدت الطبق في ضيق: – مش حلو يا عاصم، قولت زفر! كل شوية هعيد كلامي يعني؟ أنا هستناك في العربية لحد ما تخلص.
نهضت غاضبة، وتركت الطاولة مغادرة المكان. دُهش عاصم من تصرفها المفاجئ، فقام سريعًا، دفع الحساب، ثم لحق بها. ركب السيارة، وأدار المفاتيح، وهتف بحدّة: – ممكن أعرف إيه اللي عملتيه جوه دا؟ أسميه إيه؟ – مش هكرر كلام تاني، الأكل وحش، قالتها وهي تنفخ بضيق. صاح بصوتٍ عالٍ، وقد بدأ يفقد صبره: – سيلا، إيه الجنان المفاجئ دا؟ شكلي دلعتك أوي!
أدارت وجهها ناحية النافذة، تستنشق بعض الهواء الطبيعي، فمدّ يده وأغلقها مشغّلًا المكيف. عاندته، ففتحت النافذة من جديد، فزاد غيظه، وأغلقها مرة أخرى، وأعاد تشغيل المكيف. نظرت له من جانب عينيها، وأعادت فتح النافذة، فوقف بالسيارة جانبًا، والتفت إليها قائلًا: – بت، مالك؟ إيه الجنان دا؟ عارفة يا سيلا، لو شغل الجنان دا عشان أقولك مش هاخدك معايا الشغل تاني، ارجعي شغلك دا بعينك. فنهدأ كده بدل ما أقولك مفيش نزول خالص، ماشي؟!
كانت كلماته الأخيرة مصحوبة بنبرة غاضبة، كأنما فقد السيطرة على أعصابه. وفجأة، انفجرت سيلا في البكاء. انخلع قلبه من هيئتها، وتنهد بضيق، يمرّر أصابعه في شعره من توتره. هدأ حاله قليلًا، ثم التفت نحوها بنبرة حانية: – يا سيلا، ممكن أعرف مالك؟ أنتي هتجننيني! ما كنا حلوين الصبح… تعالي. ضمّها إلى صدره، يمسّد على ظهرها ليهدئ من روعها. تطلعت إليه من بين دموعها، وقد تذكرت موقفًا قديمًا جمعهما في السيارة ذاتها، فابتسمت وسط بكائها وقالت:
– فاكر يا عاصم الظابط اللي قفشك في العربية؟ وقالك “رخصك فين؟”، لما كنت معاك كده برضه؟ وقالك “دا فعل فاضح في الطريق العام”… قهقهت بصوت عالٍ وهي تبتعد عن أحضانه، لا تزال تذكر الموقف، وتضحك رغم ما كانت تشعر به. ضحك معها عاصم، متذكرًا كيف أخرج كارنيه الخدمة الخاص به حينها، وسمح له الضابط بالمرور. أمسك بياقة فستانها مداعبًا، وقال وهو يضحك: – يا بنت المجنونة، منين بتعيّطي وبتضحكي؟ ضرب كفّه بكفّه، وأدار المقود، متجهًا إلى منزلهما. ساد الصمت بينهما، إذ لم يفهم بعد ما جرى، حتى وصلا.
دخل إلى الغرفة، أبدل ثيابه بشورت، تاركًا جسده العلوي عاريًا. دخلت بعده وقد أخذت حمامًا باردًا ينعشها بعد يوم طويل. لم تكن تفهم بعد ما يحدث لها. أرادت أن تبكي فبكت، والآن غلبها النعاس بشدة. اقتربت منه، وأسندت رأسها على ذراعيه، فضمّها إليه بحنان، وطبع قبلة على جبينها. لم تمر دقائق، وكانت قد غفت بين ذراعيه، فلم يلحق حتى أن يحادثها…
–
في صباح اليوم التالي، استيقظ مبكرًا كعادته، وجدها لا تزال نائمة، اقترب منها ووضع قبلة خفيفة على جبينها دون أن يوقظها.
ثم دلف إلى الحمام، أخذ حمامًا باردًا، وما إن خرج، حتى وجدها جالسة على الفراش، وآثار النوم ما زالت عالقة بجفنيها، تتأوّب بكسل وهي تقول: – صباح الخير يا حبيبي، هقوم حالًا ألبس. ردّ عليها وهو يلتقط منشفة صغيرة: – خليكي كمّلي نوم، وخدي أجازة النهارده. ابدأي من بكرة لو حاسة إنك تعبانة. نهضت على مهل، واقتربت منه تعانقه وتهمس بدلال: – لأ لأ، أنا لازم أنزل… أصل المدير بتاعي صعب خالص ومقدرش أغيب عنه، قصدي شغلي…
غمزت بعينيها بعدما طبعت قبلة على وجنتيه، ثم توجهت إلى الحمام. تابعها ببصره وهو يحرك رأسه في صمت، وكأن لا حيلة له أمام مزاجها المتقلّب. داخل المكتب، كان قد جهّز لها مكتبها الملحق بجانب مكتبه الخاص، وجلس منهمكًا في إنهاء الأعمال المتراكمة، خاصة مع غياب كلٍ من أخيه معتز، وابن عمه وليد. لم يلتفت لها كثيرًا، فانشغل بمتابعة الكشوفات والمحاسبات التي لم تكن تفهم منها شيئًا، مما دفعها للتأفف بصوتٍ خافت.
أسندت ذراعيها على المكتب، ووضعت رأسها عليه، وغفت دون أن تشعر. مرّ الوقت، وعندما انتبه لها، ابتسم تلقائيًا على هيئتها. أنهى ما بيده، ثم نهض مقتربًا منها. اعتدلت من نومتها، تتأوّب وهي تقول: – خلصت؟ يلا بينا… – يلا. ليه حاسس إني جايب بنت أختي معايا؟… أووه! مسكتك!! اختل توازنها فجأة، فأمسك بها قبل أن تسقط، وأسندها برفق حتى صعدت إلى السيارة. ما إن جلست، حتى أرجعت المقعد إلى الوراء، وأكملت غفوتها. – مش عارف أنا شغل إيه دا بس… ما كانت نامت في بيتها أريح، تمتم بها ساخرًا وهو يقود السيارة في طريق العودة إلى المنزل.
في صباح اليوم الثالث، استيقظ ولم يجدها إلى جواره. أنهى حمامه، وارتدى ملابس أنيقة: بنطال بيج، وقميص أبيض، ثم نثر عطره المفضل، وغادر الغرفة. وجدها في المطبخ بكامل أناقتها، وقد حضرت الإفطار. استقبلته بابتسامة عريضة قائلة: – صباح الخير يا حبيبي! شوفت النشاط؟ صاحية قبلك، وجاهزة كمان! – آه طبعًا، حبيبتي نشيطة جدًا، ردّ وهو يقترب منها يطبع قبلة على جبينها. – ثواني والقهوة تجهز… – خلي دادا سعاد تعملها، وتعالي نفطر سوا.
– ماشي.
……… . … . …… .. … ….…… …
داخل المكتب، جلست إلى جواره، تتابع ما يقوم به، تراقب الأوراق وتدقيقاته، فشرع يشرح لها خطوات عمله. وبإشرافه، بدأت في تنظيم بعض الملفات وترتيبها في أماكنها المخصصة. – الملف دا كمان، إحفظيه مع التانيين، وخلاص كده شغل النهاردة خفيف. نهضت لتحفظه، لكن فجأة، شعرت بدوار حاد. تراخت قدماها حتى أصبحتا كالهلام، لم تسعفها يداها لتسند المقعد، فسقطت مغشيًا عليها. انتفض فزعًا، وهرع نحوها، جاثيًا على ركبتيه، رفعها بين ذراعيه وأجلسها على المقعد محاولًا إفاقتها، يربّت على وجنتيها بلطف وهو يهتف:
– سيلا! سيلا في إيه؟ مالك؟ فوقي يا حبيبتي… لم ينتظر أكثر. حملها سريعًا بين ذراعيه، وخرج بها راكضًا خارج المكتب، ليقف موظفو الشركة مذهولين من المشهد الذي أمامهم. فتح باب السيارة، أراحها على المقعد الخلفي، ثم قاد بسرعة جنونية نحو أقرب مشفى. وما إن وصل، حتى تولّى الطاقم الطبي أمرها، وتم نقلها إلى غرفة الفحص، بينما بقي هو بالخارج، يسير ذهابًا وإيابًا في الممر، أعصابه تالفة، يلوم نفسه على إنهاكها اليوم. وبعد قليل، خرج الطبيب، فهرع إليه عاصم يسأله بلهفة:
– مالها يا دكتور؟ طمّني! فاقت، صح؟ – اطمن، هي بخير. علّقنا لها محاليل، ضغطها كان واطي شوية، وده سبب الإغماءة. بس هي محتاجة تغذية، عندها أنيميا، وده خطر على الجنين… – تمام، ممكن أشـ… توقّف فجأة، وكرّر في ذهول: – قولت إيه؟ جنين؟ متأكد يا دكتور؟!!! ابتسم الطبيب بهدوء: – مبروك، المدام حامل في تلات أسابيع. زي ما قلتلك، محتاجة تغذية كويسة جدًا، عندها أنيميا. هسيب لك الروشتة فيها الفيتامينات اللازمة، وتتابع مع دكتور مختص من دلوقتي.
تركه الطبيب ودلف عاصم إلى الغرفة بخطوات متسارعة، فوجدها جالسة على السرير، تمسك بطنها، وعلى شفتيها ابتسامة رقيقة. اقترب منها واحتضنها بقوة، يُقبّل وجهها في كل موضع وهو يبكي، يهمس بالحمد والشكر، بينما بادلته العناق، تبكي بدورها، شوقًا وفرحًا. طالما دعَت الله في سُجودها، أن يرزقها، وها هو قد استجاب، بعد سبع سنوات من الانتظار. جلس إلى جوارها، ومسح دموعها بأنامله، ثم أخذ يُقبّل كل دمعة تسيل منها بشغف وامتنان، يردد من قلبه: – الحمدلله، الحمدلله يا رب… مش لاقي كلام أقوله، ألف حمد وشكر ليك يا رب.
نظرت إليه وهي تهمس بذهول: – عاصم، أنا مش مصدقة… أنا مش بحلم، صح؟ – لأ، مش حلم. ومش عاوز أشوف دموعك. الحمدلله، ربنا رضانا، وكمان كام شهر، هييجي فرد جديد ينور حياتنا. – عشان كده كنت متقلبة اليومين اللي فاتوا! جننتيني… تضحكي، تعيّطي، تنامي فجأة… أنا شكّيت فيكي. – يعني عايز تقول إني مجنونة؟ – وأحلى مجنونة بحبك…
تمت بقلم شروق مصطفى
انتهت حكاية مي ومعتز ماكنش فراقهم لحظة غضب، ولا قرار لحظي… كان نهاية طبيعية لحب اتوجع واتكسر كتير.
مي سامحته كتير، وصبرت أكتر، وشالت فوق طاقتها سنين.
كانت بتشوفه بعين القلب حتى وهو عاجز، فمستحيل كانت هتتخلى عنه وهو مريض.
المشكلة كانت في تفكيره، في أنانيته.
هو اختار نفسه، ومي أخيرًا اختارت نفسها. دلوقتي مي مش مستعدة تبدأ من جديد.
مش علشان قلبها اتقفل، لكن علشان لسه بتجمع شتاتها،
بتقفل كل باب قديم، وبتلم جراحها واحدة واحدة.
الحب ماينفعش يدخل قلب مكسور، ولا طريق يتبني على أرض لسه بتهتز.
لما تبقى مي قوية تاني، لما تحس إنها فعلاً استردت نفسها،
ساعتها بس ممكن تفكر تفتح باب جديد…
لكن لحد اللحظة دي، حكايتها مع معتز انتهت… وبكرامتها.
بعض القلوب يربطها رباط قوي ومتين، لا يستطيع أحد كسره، وإن ارتخى أحد طرفيه، أمسك الطرف الآخر به بشدة حتى النهاية. فحبّهم هو أقوى ما يجمعهم، مثل عاصم وسيلا.
ورغم توفر المادة، إلا أن بعض النواقص في حياتهما لم تكتمل، لكن رباط الحب ظلّ أقوى. وهناك من تفرّقوا، لأن الرباط بينهم كان هشًا وضعيفًا، وأنانية أحدهم مزّقته بيديه، ثم ندم على ما اقترفه… كما فعل معتز مع زوجته.
وآخرون، ينعمون ببعض الاستقرار والأمان، مثل همسة ووليد؛ فمركبهم تسير بهدوء وسط بحار الحياة. نختم روايتنا ونبدأ رواية صراح بين الحب والوهم هتنزل فصول مكتوبة صفحة قصص الحياة دون لينكات وكمان واتباد. لو حبين قصة مي ومازن مع بعض ممكن أضيفها في رواية تانية مستنية ردكم في تعليقات يتبع