فهمت ما يرمي إليه، فأجابته بمشاكسة وهي تبتسم: – عاصم، أنا الشغل هو اللي هيطلعني من المود اللي فيه.
وبعدين، إنت مش حرمني من حاجة، ولسه جايين الشهر اللي فات من الغردقة.
أنا عاوزة أحس إني بعمل حاجة.
أكيد مش هكون زي زمان وشغل التنطيط من مكان للتاني،
يكفيني حتى إن يبقى ليا كيان وأحس بالاستقلالية، وأعمل كاريزما لنفسي كده!
وبعدين أنا وافقت أشتغل معاك، إيه رجعت في كلامك؟ ضحك ساخرًا وهو ينهض من على الكرسي:
– ماشي يا كارزما هانم، قدامي… هنتأخّر على الشركة! داخل السيارة، كانت تتأمل الطريق وتحدثه بحماس: – ياه، لو تخلّيني سكرتيرتك الخاصة!
أرتّب المواعيد، وأرد على الاتصالات، وأتعامل مع العملاء وكده… أخفى ابتسامته خلف وجه جاد حتى لا تفضح نواياه: – لا، إنتي مكانتك أعظم من إنك تكوني سكرتيرة… بس. سيلا، وقد اشتعل حماسها: – طيب قولي، هشتغل إيه معاك؟ عاصم وهو يقود:
– نوصل بس، وهفهمك… هتنبسطي أوي. بعد قليل، وصلا إلى الشركة.
لكن عاصم توقف أولًا بمكتب السكرتارية، ثم طلب من سيلا أن تنتظره قليلاً في مكتبه حتى يلحق بها.
دلفت سيلا إلى الداخل، وبعد دقائق قليلة، دخل هو الآخر،
وابتسامة عريضة على وجهه: – عجبتك الشركة؟ التفتت إليه بانبهار وابتسامة صادقة: – حلوة أوي أوي! ومكتبك يجنّن! رد بنظرات ماكرة وبنبرة واثقة: – مممم… ومكتبك هيعجبك أوووي، متأكد. كانت كلماته تنطق بتأكيد مبطن، لكنها لم تنتبه إليه،
بل صاحت بحماس وصفّقت بيديها: – متحمسة أوي أشوفه! عاصم مبتسمًا: – أنا وصّيت السكرتيرة، وشوية وهتدخل تاخدك وتروحي تشوفيه، وهي هتفهمك كل حاجة. وقفت بجوار مكتبه، وأسندت يدها إلى المقعد، تقترح:
– طيب، ما تخليني معاك هنا في نفس المكتب؟
أنا شايفة إنه كبير، بص دي…
(وأشارت إلى الأريكة المقابلة لمكتبه)
ملهاش لازمة، نشيلها و… قاطع حديثها طرقات على الباب، تبعها دخول السكرتيرة، فقال عاصم بحزم: – رضوى، خدي الأستاذة سيلا ووريها مكتبها، وفهميها المطلوب بالضبط. ثم وجّه حديثه لسيلا: – روحي معاها، وشوية وهجيلك. خرجت مع رضوى، وسارا معًا نحو مكتبها.
لكن ما إن دلفت إلى الداخل، حتى وقفت مصدومة من موقعه. كان في آخر ممر جانبي، يكاد يكون بعيدًا عن كل شيء،
وبدا كما لو كان قبوًا تحت الأرض!
بدأت رضوى بشرح طبيعة عملها مبدئيًا،
لكن سيلا لم تكن معها، ولم تسمع شيئًا.
كانت نظراتها معلّقة بالمكان،
حتى غادرت رضوى دون أن تلاحظ تجاهل سيلا لها. ثم، انفجرت في حديث مع نفسها غير مصدقة: – ماشي يا عاصم!
تجيبني في آخر مكان في الشركة؟ ده تحت الأرض ده ولا إيه؟
أعمل إيه في الأرشيف أنا بقى ده؟
(ثم قلدت صوته ساخرًة)
إنتي مكانك أعظم من إنك تكوني سكرتيرتي…
الأرشيف! آه، لو شفتك دلوقتي… وقفت ومربعّة يديها، وزفرت بضيق،
حتى دلف إليها عاصم بوجه متصنّع البراءة، يخفي ضحكة تفضحه:
– حبيبي، عجبك مكتبك؟ تفاجأ بردّها، إذ توقّع أن ترفض،
لكنها واجهته ببرود يخفي بركانًا بداخلها: – تحفة يا حبيبي… جميل! ده فعلًا أعظم من السكرتيرة! ممكن بقى تسيبني أشتغل؟ ابتسم بثقة، وقال: – عايز أشوف شطارتك. أثبتي نفسك الأول هنا… صرخت بتحدٍ وابتسامة عريضة: – ماشي يا عاصم… وأنا مرحّبة جدًا!
—
غادر عاصم المكتب وقد أعطاها ظهره، فدبّت بقدميها على الأرض غاضبة، وجلست تتأمل المكان الذي بدا ضيقًا، يأخذ شكل حرف (L)، يضم ممرًا حادًا مليئًا بالأرفف الثقيلة التي تكدّست عليها ملفات ورقية عديدة. وضعت كفيها على وجنتيها، ونفخت بضيق وهي تجلس على ما يُطلق عليه مكتبًا، وهو بالكاد يكفيها. قطع تذمّرها رنين الهاتف، فرفعت السماعة لتجد السكرتيرة على الخط، تخبرها بشيء، فردّت سيلا بدهشة: – لأ، معملتش حاجة لسه!
قصدك أجمّع ملفات آخر تلات سنين؟
طيب، وليه؟ مش دا شغل المحاسب برضه؟ يشوف كسب كم خلال المدة دي؟
استمعت لردها، ثم تمتمت بفتور:
– تمام، حاضر… أغلقت السماعة، لتبدأ في السباب الخافت، تشتم حظّها الذي أوقعها في هذا المأزق. كانت تهيّئ نفسها لنوع مختلف تمامًا من العمل. “قال أعمل كاريزما! أنا كارزمتي ضاعت هنا بقى!
أنا أجمع وأحسب ليه؟ سنين فاتوا، مش خلصت وكسبوا ولا اتنيّلوا؟ أنا مالي؟!” تمتمت في ضيق، تنفخ بحدة وهي تبحث عن تلك الملفات، حتى جذبت ثلاث مجموعات منها أمامها. قلبت الأوراق واحدة تلو الأخرى، ولم تفهم شيئًا مما تراه. أغلقتهن بعنـ,ـف، ثم وضعت قدميها أعلى سطح المكتب، وأخذت تنظر لأعلى وتصفّر بلا مبالاة.
في الجانب الآخر، كان عاصم يجلس في مكتبه، يتابعها من خلال الحاسوب أمامه، حيث تظهر له عبر الكاميرات، يتأمّل ما تفعله من تذمّر واضح قهقه بصوت عالٍي:
– مجنونة يا سيلا… ضحك طويلًا حتى دمعت عيناه، غير قادر على تمالك نفسه. وتذكّر، في لحظة شرود، ما مرا به سويًا من وجع وألم وخوف، وتلك الأيام التي تحملت فيها وحدها عبء المرض اللعين. قلّت عزيمتها حينها، لكنها لم تستسلم. يحمد الله الآن على وجودها بجانبه. لم تكن فقط زوجته، بل كانت ابنته، حبيبته، صديقته، وشريكة حياته التي أعادته إلى النور بعد عتمة طويلة.
لم يكن يومًا أنانيًا، لكنه الآن لا يريد لها أن تُرهق نفسها. يعلم كم حلمت بالأمومة، وكم تمنّيا ذلك معًا بعد سبع سنوات من الزواج. وهو يدرك تمامًا كم تشعر بالوحدة بداخلها، لكن خوفه عليها أكبر من كل أحلامها. فاق من شروده حين لاحظ غيابها عن الكاميرا، جال بعينيه في الزاوية التي كانت بها، فلم يجدها. كاد أن يلتقط هاتفه ليطمئن عليها، لكنه فوجئ بمن يقتحم المكتب فجأة… كانت سيلا، وقد فقدت صبرها تمامًا، دفعت الباب دون استئذان، واقفة أمامه تنظر إليه بشراسة.
– آه، قاعد مرتاح طبعًا، ومكيف ومروق، وسايبني تحت الأرض!
ثم قلدت صوته بسخرية “هشغلك معايا، مكانك أعظم من السكرتارية!”
بقى كده يا عاصم؟ دا مكاني عندك؟! تغيّر صوتها من الغضب إلى رجفة قريبة من البكاء، فتوقّف عن الضحك، واقترب منها بعينين يغمرهما العتاب، يحاول أن يُخفي خوفه الشديد عليها.
لم يكن يريد سوى إبعادها عن المشقّة، من دون أن يُخبرها بما قاله الطبيب بشأن حالتها.
كان يعلم أنها ستغرق في الحزن، وقد قرر أن يلهو معها قليلًا اليوم، لكن يبدو أن طفلته لم تصبر…
– فعلاً… مكانك أعظم عندي،
مش مجرد أرشيف، ولا سكرتارية…وأشار إلى صدره مكانك هنا… وبس. أنهى كلماته وهو يتأمل شفتيها، ثم انحنى يُقبّلها متذوقًا رحيقها.
فتحت عينيها مذعورة، تحاول الابتعاد وقد أدركت أنهما في مكان العمل، لكنّه لم يسمح لها. ارتجفت وهي في أحضانه، أنفاسه الساخنة تداعب عنقها،
اندمجت معه وتناسيا كل ما حولهما،
حتى ابتعدا قليلًا، يلتقطان أنفاسهما،
وظلّ يتأمل عينيها، بينما عضّت على شفتيها بحرج،
وهمست بخفوت: – في مكتب المدير، وقف عاصم أمامها بينما كانت هي تلتفت حولها بقلق، همست بصوت مرتجف:
– عاصم… إحنا في الشركة، عيب كده… حد ممكن يدخل! رفع أحد حاجبيه في مكر، وعيناه تتفحصان ملامحها بشغف: – مش كل الناس زيك يا حبيبتي تدخل، دا مكتب المدير… بدت وكأنها تذكرت للتو الغرض الذي جاءت من أجله، ونظرت له بتوتر ممزوج بعتاب. كم هو ماكر، يعرف كيف يشتّت انتباهها: – ما تنسنيش اللي جايه عشانه يا عاصم… أنا مش هينفع هنا، أنا عايزة أرجع شغلي كصحفية، دا مش مكاني… اقترب منها خطوة، بينما تراجعت هي إلى أن التصقت بالحائط. قال بمكر، ونظراته لا تفارق عينيها:
– تصدقي؟ كان عندك حق فعلاً إنك تشتغلي سكرتيرتي… إنتي مكانك هنا فعلاً… انحنى برأسه وطبع على شفتيها قبلة صغيرة، أربكتها، فاندفعت بعناد بعدما أفلتت من بين ذراعيه: – لأ، أنا غيرت رأيي أنا كمان، ماله الأرشيف! بقول أروح أكمل شغلي، لأحسن المدير عصبي… أنا ماشية، دا ما صدق دا ولا إيه… كادت تخرج، لكنه سحبها إليه بذراعيه وأعادها إلى الداخل، وهو يضحك: – تعالي يا بت هنا، رايحة فين؟ قولت خلاص، هشيل الكنبة دي، ملهاش لازمة… خلاص، هتفضلي هنا، في تكييف بقى، معايا وكده…
غمز لها بعينيه وأجلسها أمامه، ثم عاد إلى مقعده. نظرت له وقالت بصوت خافت: – خلاص يا عاصم، هرجع مكاني، مش عايزة أعطلك… – لأ، ما إنتي عطلتيني خلاص، أحلى عطلة دي ولا إيه… أحمرّ وجهها خجلًا من تصرفاته، ومن نظراته التي لا تهدأ، ومن ابتساماته التي تعشقها… كم تتمنى أن تسعده، بل وتحمل في أحشائها طفلًا يشبهه. ساد الصمت لحظات، ثم بدّد عاصم السكون بصوت جاد: