Uncategorized

جمر الجليد اخير بقلم شروق مصطفي

كنتي قايلة لي إنك بتغيري… منين؟ منين؟! قال الأخيرة بصوت متفكر، تتحرك بعشوائية، وقد أدركت نواياه.قهقه بصوت عالٍ، ثم بدأ في دغدغتها: ـ لا لا! أوعى يا عاصم! آه! بس خلاص، مش ههرب تاني، خلاص خلاص! نهض من فوقها، يعدّل من ثيابه، ثم قال مبتسمًا: ـ أيوه كده!
تعالي بقى… كنا بنقول إيه؟ في المكتب جوه! وما إن فكّ عنها حصاره، هرولت بعيدًا وهي تضحك، فأشار لها بمكر وهو يتبعها: ـ يا بت! تعالي هنا بقى… كده ماشي؟
مصيرك توقعي تحت إيدي!
أعمل إيه؟ بحبك وبم\وت فيكي يا طفلتي…

همس بها ثم دلف إلى غرفته، فوجدها نائمة على الفراش.
تمدّد إلى جانبها، واحتواها بذراعيه.
تمسّحت به كقطة، تشتم رائحته، وهمست:
ـ بحبك…
ردّ عليها، يربت على رأسها:
ـ بحبك…

ثم غفيا معًا إلى عالم الأحلام.
…
صباح اليوم التالي، داخل عيادة الطب النفسي بأحد المراكز الطبية،
جلس مازن ينتظر حضورها يترقب قدومها بفارغ الصبر. استقبل الحالات واحدة تلو الأخرى، حتى أشرف اليوم على نهايته. زفر بضيق عدة أنفاس متتالية، فقد غابت، ومجيئها اليوم كان سيكون بمثابة بداية جديدة لقصتهما معًا. كان ينتظرها بشوق، ومع تأخر الوقت أمسك بهاتفه واتصل بها، وما إن جاءه الرد حتى تحدث بنبرة عتاب امتزجت بالضيق: – هو ده اللي اتفقنا عليه برده يا مي؟ ينفع اللي بتعمليه ده؟

استمع إلى أنفاسها المترددة، وحين طال صمتها، بالأخير جاءه ردها!! فهتف بضيق:
– انتي شايفة كده يعني؟ ده اللي فهمتيه من كلامي طول الفترة دي كلها؟ صمتت قليلًا، ثم جاءه صوتها متوترًا:
– مازن، أنا مش بفكر في أي ارتباط خالص. لو لسه طلبك ليا موجود، أحب أقولك تلغيه تمامًا، لأن أنا معنديش حاجة أديها لحد. أما في موضوع شغلك ليا، وتوفيرك وظيفة معاك، لو فاكر إن ده ممكن يقربنا من بعض، يبقى انت غلطان بس حبيت أوضح بعض النقاط عشان متستناش على الفاضي.
عارفة إن كلامي جارح، بس آسفة بجد… أنا مش مستعدة.

استمع إلى كلماتها حتى النهاية، ثم أجابها بصوت هادئ لكنه يحمل جرحًا خفيًا: – على فكرة، أنا مش بوفرلك شغل عشان مستني منك حاجة…
أنا فعلاً محتاج سكرتيرة في عيادتي، أكون واثق فيها، ومش هلاقي غيرك أثق فيه
وأنتي كمان ما تنزليش أي شغل مع حد مش محل ثقة. ولو مش واثقة فيا، تمام، فهمت ردك.
بس أنا مش هضغط عليكي يا مي، عارف اللي مريتي بيه، ومقدر ده كله، لأنك شبهي للأسف.
هسيب الأيام تثبتلك كده.
وانتي عارفة كويس إني عمري ما هفرض عليكي حاجة فوق إرادتك أنا مضطر أقفل دلوقتي عندي حالة مع السلامة.

أنهى المكالمة، وألقى الهاتف بإهمال على الطاولة، لم تكن هناك أية حالة تنتظره كما ادّعى. أسند رأسه إلى المقعد وتمتم بصوتٍ خافت، كأنما يحدّث روحه التائهة كل ما المسافة تقرب نبعد ونرجع من الصفر
ليه كل حاجة حلوة في حياتي لازم تيجي في الوقت الغلط. مرّر يده على وجهه، يتنهد بعمق متمتمًا:
طب يا مي… ابعدي، بس أنا مش هبعد.
هفضل موجود… لحد ما تتأكدي إني مش شبهه، وإنك تستاهلي حد يحبك من غير ما يكسرك.

في الجهة الأخرى،
أغلقت مي الهاتف وهي تتنفس بضيق، ما أثار دهشة والدتها التي دلفت إليها قائلة: – مالك يا مي؟ كنتِ بتكلمي مين؟ ووشك مقلوب كده ليه؟ هزّت مي رأسها نافية: – مفيش… ده مازن… كان بيكلمني يشوف مجيتش ليه الشغل، وكان مضايق.
وأنا الصراحة، بعد تفكير طول الليل، مرضيتش أروح، عشان ميتعشمش فيّا أكتر.
خلّينا كده بعيد بعيد.
وبعدين إزاي بعد ما كان طبيبي، وحكيت له كل حاجة عني، أقدر أتعامل معاه تاني لأ، لأ… أنا كده صح أنا مش بفكر في أي ارتباط خالص دلوقتي.

ربّتت نبيلة على يد ابنتها، تخفي ابتسامة داخلية على حيرتها، وقالت بصوت دافئ: – عموماً، صوابعك مش شبه بعض يا بنتي.
فيه الأناني، وفيه البخيل، وفيه الكريم، والمريض، والصاحب، والزوج في نفس الوقت.
ليه نوقف على الوحش بس، لما ممكن ربنا يبعَت لنا الحلو بعد المُر؟
ربنا بعد الابتلاء بيعوّض، وعوضك هيكون خير، أنا متفائلة.
سيبيها على الله انتي. – ونِعْم بالله يا أمي… أنا راضية بنصيبي، الحمد لله، بس خايفة من التجربة تاني… خايفة من الفشل…
….

فتحت الباب ببطء وأدلت برأسها إلى الداخل.
وجدته جالسًا، وقد انشغل تمامًا بشاشة الحاسوب. شعر بوجودها، لكنه لم يتحدث، فقط أشار بيده مشيرًا إليها بالدخول. – تعالي، حبيبي، عايزة إيه؟ حمحمت بتوتر وجلست أمامه، تدرك تمامًا ما سيكون رده على ما تنوي طلبه. – حبيبي، عايزة أتكلم معاك شوية… وعارفة لما تدخل المكتب بتنشغل وقت طويل عني. أغلق الحاسوب، وركّز نظراته عليها بحدة: – ادخلي في الموضوع على طول، بلاش لف. أخذت نفسًا عميقًا، ثم زفرته، مستعدة لخوض هذه المعركة معه:

– صراحة أنا زهقت من القعدة. أنت عارف إن شغلي كصحفية كان إيه بالنسبالي… – تاني اللي هنعيده نزيده؟ قاطعها بملل واضح. – يا عاصم، مش كل مرة تنهي النقاش بينا بالعصبية دي. بحاول أرجع لحياتي العملية وأشغل وقتي. بص، أنا مقدرة إنك خايف عليّا أتعب تاني، بس أحنا عملنا تحاليل، والدكتور أكد إني أقدر أمارس حياتي عادي وأنزل الشغل. ليه الخوف بقى؟ نفخ بضيق، ولم يبدِ أي اهتمام، وكأنها لم تتحدث. فتح الحاسوب مجددًا دون أن ينظر إليها.

استشاطت من بروده وتجاهله المستمر، وهتفت غاضبة: – محتاجة أسلي وقتي. يومي طويل، وإنت دايمًا في الشركة طول النهار، وبالليل بتخلص شغل في المكتب. أفهمني، أنا من حقي كمان أشتغل. مش متعودة على القعدة كل ده. – مش فاكرة تعبتي إزاي؟ بعد ما مي سابت الجريدة، والشغل تراكم عليكي ووقعتي مننا. اسكتي يا سيلا، هنزعل من بعض بجد… قالها بنبرة لا تحتمل أي نقاش، ثم التفت لبعض الأوراق أمامه. – ومين قال إني هتعب؟ دا شغل إداري، مش سفر وإرهاق. هقول لصاحب الجريدة مش هسافر. بليز وافق، محتاجة للشغل.

حرّك رأسه بيأس من عنادها، ولم يرد. فتوقفت بتذمّر، واضعة كلتا يديها على خصرها. – بكلمك على فكرة، وبتناقش معاك. بلاش التجاهل دا معايا، وتبص لي من تحت لتحت. مش كل مرة ننهي الموضوع دا على فاضي… أخرج أنفاسًا متمهلة، وهو يتطلع إليها محذّرًا: – أنتي ناوية على خناق، مش كده؟ – لأ، مش كده. بس ممكن تسمعني وتفهمني؟ أنت من أول ما عرفتني وأنا بشتغل، مش حاجة لسه هجربها وجديدة. لانَت ملامحه، فاسترسلت في حديثها وهي تمسك بكفّ يده بين راحتيها.

جلسا على الأريكة المقابلة للمكتب، واستمرت تخاطبه بنبرة مليئة بالمشاعر: – عاصم، أنت علّمتني كل حاجة، ما سبتنيش. وقفتني على رجلي بعد ما كنت فاقدة كل حاجة.
أنت الدعم والسند لحد دلوقتي، ومحتاجاك جنبي بجد.
الوحدة اللي بحس بيها صعبة، لما تكون مش موجود، وانت غايب عني…
آه، أوقات همس أختي بتزورني هي وولادها وبيملوا عليّا اليوم،
بس في الآخر بيمشوا، وبافضل لوحدي… حاول تفهمني. مدّ يده ليمسد شعرها القصير، متحدثًا بنبرة هادئة:

– حبيبي، أنا مش عاوز أتعبك، ده أولاً.
وثانيًا، وده الأهم، عاوز أرجع البيت ألاقيكي قدامي،
سواء في المطبخ واقفة تعمّليلنا أكلة، أو قاعدة تتفرجي، أو نايمة.
لازم أشوفك أول ما أرجع.
لو اشتغلتي، وأنا بشتغل، مش هنتقابل إلا في أوقات بسيطة جدًا،
وممكن ما نشوفش بعض كمان. – عاصم، بجد عاوزة أشغل نفسي وأعمل حاجة.
طيب اقترحلي إنت، أعمل إيه؟ الفراغ مم\وّتني. حاول أن يثنيها عن فكرتها، لكنه فشل، فاقترح أخيرًا: – طيب، إيه رأيك تيجي تشتغلي معايا؟

– طيب، وأنا أعمل إيه عندكم؟
مش هفهم حاجة في شغلكم… أنا وشركات السياحة والطيران! ابتسم، وقال بنبرة حاسمة: – من الآخر يا سيلا، مش هخلّيكي تشتغلي بعيد عني.
يا توافقي نكون سوا، يا تفضلي زي ما إنتي كده. – خلاص، خلاص… موافقة، المهم أنزل شغل! هتفت بفرحة قبل أن يغيّر رأيه، ثم تمتمت بينها وبين نفسها: – إنت اللي هتخسر بقرارك ده… انتبه عاصم إلى همساتها: – ها، بتقولي إيه يا حبيبتي؟ – لا أبدًا، بقول موافقة طبعًا…

– ماشي، حبيبتي. بُكره ننزل سوا وأعرّفك على كل حاجة. توسطت بين ذراعيه وهمست: – حاضر يا حبيبي، بحبك أوي… خبّأت وجهها بين ذراعيه، بينما ارتسمت على وجهه ابتسامة ماكرة،
وفي عقله، كانت تتوالى أفكار كثيرة… لتطفيشها. في الصباح، نهضا معًا، وقاما بتجهيز نفسيهما، ثم تناولا الإفطار سويًا.
حاول عاصم مجددًا أن يثنيها عن فكرة العمل:
– حبيبي، إيه رأيك آخد أجازة أسبوع ونسافر أي مكان نغيّر جو؟ طالما حاسة بملل وزهقانة.

انت في الصفحة 3 من 5 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى