مسح وجهه بغضب، ثم كَوَّر قبضته وضرب بها المقود بقوة، وهتف بانفعال:
غبي… غبي ضيّع حياته في لحظة غباء منه!
آه لو بس كان جالي وقالّي على حالته…
استغفر الله العظيم يارب وضعت سيلا يدها على ذراعه لتهدئته:
اهدى يا عاصم…
إحنا بشر، ووارد نغلط المهم نتعلم من غلطنا.
خليك جنب أخوك، ما تسبهوش لوحده.
هو دلوقتي محتاج سند، حتى لو غلط.
ولما يحس إن في حد جنبه، أكيد هيتخطى المحنة دي أكيد أخد درس عمره ما هينساه،
ويا رب، ربنا يلين قلوب الناس،
وجايز يلين قلوبهم من جديد…
ويكونوا لبعض من تاني مين عالم
قطع تواصلهما صوت رنين هاتف عاصم، كان المتصل صديقه بدر.
حبيبي! فينك؟ عامل إيه؟ بعد أن تبادلا السلام، صمت عاصم قليلًا، ثم ضرب جبهته بكفّه متأففًا، وقال: نسيت أقولك خالص…مش لاقيها من آخر مقابلة بينا. اتلهيت في كذا حاجة كده… آسف يا صاحبي.
طيب، لو معاك الصورة، ابعتها لي واتساب،
أحسن. تمام… هستناك مع السلامة يا حبيبي. أغلق عاصم الهاتف وهو يزفر ببطء، ثم التفتت إليه سيلا مستغربة، وسألته: “مين ده؟ ونسيت إيه؟ أجاب وهو يعيد الهاتف إلى موضعه:
واحد صاحبي من زمان، كان مكلفني أدور على حبيبته. مديني صورة ليها، أو بالأصح رسمة هو رسمها بإيده من أكتر من عشر سنين. رفعت سيلا حاجبيها بدهشة حقيقية: رسمة؟ وبتدور عليها برسمة؟ يعني إزاي؟! دي حاجة شبه مستحيلة! ضحك بخفة، محاولًا أن يخفف من وطأة الأحداث التي مرا بها مؤخرًا، وهز رأسه قائلاً:
أيوه، بس الدنيا اتغيرت يا سيلا. دلوقتي فيه برامج وأجهزة بتقرّب ملامح الأشخاص وبتحوّل الرسمة لصورة شبه واقعية. وفيه ناس متخصصين في المجال ده. هو كان متعلق بيها أوي، وبيدور عليها من ساعتها. بيقول إنها كانت حاجة مختلفة، وكان حاسس إنها هتكون ليه يوم من الأيام، لكن فجأة أختفت. نظرت إليه سيلا مطولًا، تتأمل ملامحه وقد ارتسمت على وجهها علامات الحذر، ثم سألت بهدوء: ومفيش أي معلومات عنها؟ اسم، عنوان، بلد؟ هز رأسه نافيًا، وأجاب بنبرة يغلفها الحنين:
اسمها دهب. الحاجة الوحيدة اللي حافظ عليها إنه سمّى بنته على اسمها. بيقول إنه أنقذها من الغرق وهي طفلة عندها عشرة سنين، وهو كان في بداية العشرين. اختفت فجأة من حياته، ووقف حياته عليها لحد ما اتجبر على الجواز. اتجوز وخلف، ومراته ماتت. ومن وقتها، قلبه مقفول عليها ولسه محتفظ بالرسمة، على أمل إنه يلاقيها. سادت بينهما لحظة صمت ثقيلة، تبادل خلالها نظرات حائرة، قبل أن تهمس سيلا بصوت خافت: ولو قابلها بعد السنين دي، مش جايز تكون اتجوزت أو مش فاكراه أصلاً؟
رد بنبرة حازمة، تخفي خلفها حزناً دفيناً: هو عايز يطمن عليها إنها بخير، مش أكتر. لأنها تعتبر يتيمة، رغم إن أبوها عايش. قصة كبيرة هحكيهالك بعدين. اللي أقدر أقوله إن هي عانت بعد مـ,ـوت أخوها يوم أنقذها. قالت سيلا بخفوت، وكأنها تحدث نفسها: غريب أوي الحب اللي بيعيش كده… من غير ما يخلص، ومن غير ما يمـ,ـوت. نظر إليها عاصم بعينين دافئتين تلمع فيهما لمعة صدق نادرة: هو ده الحب الحقيقي يا سيلا، اللي ملوش شروط ولا منطق. رغم كل اللي مر عليه، لسه بيدور عليها.
“دي روايتي الورقي أسمها” بين ظلال الحب” أبطالها “دهب وبدر” ودا ملخص قصير للاستفسار ابعتولي في تعليقات هرد عليكم
—
مرّ أسبوع على أبطالنا، وكانت حياة كلٍّ منهم تمضي على وتيرتها الخاصة. معتز، ظل حبيس غرفته، لا يغادرها، يجلد ذاته، ويؤنّب ضميره كطفل تائه فقد والديه لم يستمع لأحد، وظل يلعن ضياع حبيبته من يده، لكن ما نفع الندم الآن؟ خرج أخيرًا من غرفته، بدا وكأنه شخص آخر.
لحيته طولت، وملامحه شحبت، وجسده هزل في تلك اللحظة، رآه عاصم وهو يحمل حقيبة بيده، فسأله بدهشة:
معتز! أخيرًا طلعت من أوضتك! إنت ماشي؟ وإيه الشنطة دي؟
وقف معتز قبالته، وقال بنبرة جامدة: أنا مسافر هستقر في الفرع الجديد في أسكندرية وأتابع الشغل بدل الوكيل محتاج أبعد عن هنا. صُدم عاصم من قراره المفاجئ:
متأكد من الخطوة دي؟ هتقدر تعملها وتقعد لوحدك؟ خليك وسطنا يا معتز… أحسن.” قال معتز بنبرة هادئة وقد لمعت في عينيه مسحة من التصميم: هبقى كويس، متقلقش عليا…وبعدين كلها ساعتين بينا، لو حبيتوا تشوفوني، تعالوا. ربت عاصم على ذراعه بحنان، وهتف قائلاً:
طيب تعالى… هوصلك سيلا كمان نفسها تروح هناك أوي يلا بينا، هطلع أناديها ونروح سوا.
بقلم شروق مصطفى حصري الفصل التاسع والعشرون جمر الجليد الجزء الثالث حصري بقلم شروق مصطفى قررت مي أن تستقيل من الجريدة نهائيًا. لم تُرِد أي احتكاك أو معاتبة من أي نوع، ولم ترغب في خسارة صديقتها أيضًا؛ فقد رأت أن ذلك هو الحل الأمثل لها. ورغم حزن سيلا على هذا القرار، فإنها ارتضت به في النهاية. اندمجت مي خلال تلك الفترة في قراءة بعض الروايات الإلكترونية، علّها تُحسّن من مزاجها وتشغل عقلها عن دوامة الأفكار. دلفت إلى الشرفة، ثم شردت قليلًا في هاتفها، واغرورقت عيناها بالدموع، وانسابت عبراتها في صمت.
وفجأة، قطع رنين هاتفها لحظة اندماجها. رفعت الهاتف وردّت بصوت حاولت إخراجه طبيعيًا:
ـ ألو، مازن.؟
فزع مازن بعد رؤيتها، وما إن دلف إلى الشرفة حتى وجدها تبكي: ـ بتعيّطي ليه؟ حد حصله حاجة؟ أو عملّك حاجة؟ في إيه؟ طمنيني؟ نظرت له في العمارة المقابلة، تُعيد في عقلها كلماته، واستعادت صورة مرحها القديمة، على النقيض من حالتها الآن وقالت ببلاهة: ـ أبدًا… أنا كنت بقرأ رواية اسمها صراع الحب والوهم اندمجت أوي فيها… بس ليه بتقول كدة؟
استشاط غضبًا لفعلتها، وخفق قلبه لرؤية دموعها، ظنًّا منه أن مكروهًا قد حدث. ضرب بيده على سور الشرفة بانفعال، ثم رفع أحد حاجبيه وهتف: ـ كل المحزنة دي علشان بتقري رواية يا مي؟! ـ آه… بسلي وقتي عادي يعني ويلا، اقفل بقى عشان أكمل. صقر عمل إيه مع مايا قبل ما أفصل من المود، أيه دا، أنت بدور على اية؟
كان هو يكاد يُخرج الدخان من أذنيه لفعلتها، وجال بعينيه في شرفته باحثًا عن شيءٍ ما. حتى وجده، التقطه بيده، ثم فجأة، قذفه عليها، فأصاب شرفتها نظرًا لتقارب العمارتين من بعضهما، استمع لصرختها، وهي تنظر حولها في ذهول بحثًا عن الفاعل، فوجدته ينظر إليها مبتسمًا… بابتسامته الصفراء. دبّت بقدميها على الأرض بغضب، وتهاتفه:
ـ والله ما هسيبك يا مازن! أبعد عني دلوقتي، فصيل بجد… هف! هتف لها بمرح وهو يقهقه:
ـ أحسن! عشان انتي خوّفتيني، وفي الآخر تقولي رواية وبتاع ابقي وريني لو عرفتي تكمّليها.
نفخت وجنتيها وتركته في شرفته، ودخلت إلى الداخل:
ـ سيبتهالك أهو! حتى البلكونة مش عارفة أدخلها منك. استمعت إلى حديثه بعدما هدأ قليلًا، ثم قالت له:
ـ مش بنزل، أنا سبت الشغل أصلًا بقالي أسبوع كده. أراد أن يكسر الحاجز بينهما، فهتف إليها بشيء ما، فردّت:
ـ مش عارفة يا مازن، بجد. أنا أصلًا كنت بشتغل في المركز قبل كده هشوف هيثم لو فيه مكان متاح ليّا، يا ريت لأني زهقت من البيت… وحابة أنزل الشغل جدًا.
بعد أن استمعت إلى حديثه، هتفت بضيق:
ـ سكرتيرتك؟!
ـ مش عارفة… هفكّر، طيب، واردّ عليك. هتف لها بصوت مسموع، يعلوه بعض المزاح الممزوج بالجدية:
ـ في إيه محتاج تفكير؟ الشغل موجود ومستنيكي، ومن بكرة كمان!
ولو عاوزاني أبلّغ هيثم، أنتي كده هتكوني قريبة منه.
ها؟ في إيه تاني؟ روحي كمّلي روايتك، اجري!
ومتتأخريش على شغلك، من بكرة الساعة واحدة الظهر، يلا اجري من قدامي بقى، عشان أكمّل باقي شغلي… عطلتيني بجد! قهقهت مي على أسلوبه الذي يُلقي به كلماته، ثم أغلقت معه المكالمة، وتوجهت إلى والدتها لتتحدث معها.
وبعد أن قصّت عليها ما دار بينها وبين مازن، هتفت مترددة:
ـ ها يا ماما، إيه رأيك؟
أجابتها نبيلة بهدوء:
ـ اللي تشوفيه انتي.
عموماً يعني، الراجل ما شفناش منه حاجة وحشة، ووقف جنبك، وزميل أخوكي، وفي نفس المركز اللي كنتي فيه قبل كده، يعني مش جديد عليكي.
المهم، انتي هتكوني مرتاحة؟ تطلعت الأخرى بعينين زائغتين، لم تستطع الرد سريعًا، فقد كان عقلها مشغولًا بالكامل.
زفرت بعض الأنفاس الحارة، وقالت بصوت خافت: ـ عارفة يا ماما؟ والله هو جدع وكل حاجة، ووقف جنبي، ما سبنيش في محنتي، ونفس ظروفي كمان…
بس مش عارفة أعمل إيه، بجد… عقلي مشتّت لسه.
ابتسمت والدتها، تربت على يدها بلطف، ثم قالت:
ـ قومي نامي، وبكرة شوفي هترسي على إيه.
ومتنسيش تصلي استخارة قبل ما تنامي. هزت مي رأسها موافقة على كلام والدتها، ثم قبّلتها من جبينها، ونهضت قائلة: ـ تسلمي يا ست الكل… يا رب اللي فيه الخير ربنا يجيبه بإذن الله.
… في الجهة الأخرى، في منزل عاصم بالإسكندرية، دلفت سيلا برأسها إلى داخل المكتب، وابتسمت بمرح:
ـ ممكن أدخل؟ أشار بيده أن تدخل، وهو ما يزال ينظر إلى بعض الأوراق أمامه، وقال بنبرة هادئة:
ـ تعالي… قرّبت أخلص.
تطلعت إليه بحيرة، تفرك يديها في توتر، وقد أدرك هو اضطرابها.
ترك ما بين يديه من أوراق، ونظر في عينيها باهتمام وسكينة: ـ مالك يا حبيبتي؟ فيه حاجة؟ شايفك متوترة… عايزة تقوليلي حاجة؟ ابتلعت ريقها بتردد، وقالت محاولة إخفاء ارتباكها:
ـ لا، مفيش… بس قولت أقعد معاك شوية، وحشتني… فيها حاجة دي؟ ابتسم بمكر وهو يغمض عينيه، مجبرًا نفسه على تصديقها، لكنه لم يقتنع تمامًا:
ـ لا، مفيش حاجة يا حبيبتي… بس قولي! عنيكي فاضحاكي، عيبك مش بتعرفي تخبي عليا، قولي.
غمغمت ببعض التردد، أخرجت أنفاسًا مكتومة، ثم زفرتها ببطء وهي تنظر له برجاء وتوسل: ـ أنا فكرت في حاجة كده يعني…
إيه رأيك في التبني؟ بس نختاره رضيع صغير…نفسي بجد يا عاصم أحس بشعور الأمومة، ووقتي يتملي… نفسي أحس إني أم، ويقولي يا ماما… نفسي أسمع كلمة “ماما” أوي…إنت ليك معارف، ممكن تتوسط لنا…
ونتبنى… أرجوك يا عاصم، مترفضش ووافِق.
تابعت نظراته وردود أفعاله، تراقب حركة ملامحه… لكنها لم تستطع تفسير شيء، فوجهه ظل جامدًا.
زفر بعمق، ثم ابتسم لها نصف ابتسامة لم تصل إلى عينيه، جمع أوراقه، وأغلق الحاسوب، ثم نهض واقترب منها، جذبها من ذراعيها برفق، ووقف أمامها، يحتضن خصرها بتملك، وقرب أنفاسه منها، متحدثًا بهدوء:
ـ بس أنا عاوزه من صُلبي… ومنك إنتي.
بجد مش عاوز في الدنيا دي غيرك…
إنتي بنتي، وأمي، وأختي، ومراتي، وكل دنيتي. ولو شعورك ناحية الأمومة، إحنا ممكن نكفل يتيم. لكن التبني، حتى لو عندي واسطة أو معارف… حرام يا سيلا لكن الكفالة مش حرام، ومن بكرة ننزل نروح نكفل أي طفل.
ولو عاوزة خمسة كمان يا ستي!
روحي الدار يوميًا، اقعدي معاه، جيبي له مستلزماته، ونتحمل مصاريفه لحد ما يكبر…
ده اللي نقدر عليه، يا قلبي.
اختلطت أنفاسهما معًا، وقد ذابت مشاعرها من قربه وهمساته، لم يمنحها فرصة للرد، بل أخذها بين أحضانه في رحلة طويلة،
لم يتركها إلا عندما احتاجا إلى بعض الهواء.
تلامست نظراتهما، وعيناه تلمعان بشغف، ثم غمز لها بخفة:
ـ تعالي لما أقولك نعمل إيه في موضوعك… بس في أوضتنا! دفعته بخفة من صدره:
ـ قليل الأدب! أنا غلطانة إني بكلمك في موضوع جاد. قهقه عاليًا وهو يلاحقها بعينيه:
ـ الله! ما هو ده جاد برده، ولا مش جاد؟!
استني بس… رايحة فين؟
ركضت إلى الخارج، تشير له بيدها ساخرة، وجلست أمام التلفاز.
بعد قليل، خرج وجلس بجوارها، حاوطها بذراعيه وتحدث بمرح: ـ مش عيب؟! تمشي وتسيبيني؟
مش قلنا نكمّل الموضوع؟ تهربي ليه؟ جبانة أوي! كتمت ضحكتها وخجلها، وقالت:
ـ بس بقى… خليني أتابع المسلسل، ده جميل أوي.
“الحب لا يفهم الكلام”، البطل ده بحبه أوي، والبطلة كـ… التفت لما تشاهده، ثم جذب الريموت وأغلق التلفاز. حاولت أن تأخذه منه، لكنه خبّأه وراء ظهره وهي تحاول الإمساك به:
ـ يووه يا عاصم! بطل برود بقى!
سبني أتفرج… قفلته ليه؟ هاته بقى، هزعل منك بجد! بحركة سريعة، نهض فجأة، وأوقعها على الأريكة،ثم علاها مكبلًا يديها بمكر: ـ مش عيب؟ تهربي مني وتيجي تتفرجي على البتاع ده؟
“الحب ما يفهمش الكلام دا” والواد الملزق ده؟!وجوزك جنبك؟
مش عايزك تجيبي سيرة راجل غيري…
لا الواد الملزق ده ولا تتفرجي عليه أصلاً… ماشي؟ حاولت التملص، لكنها لم تستطع.
تطلعت في عينيه، تحاول كتم ضحكتها: ـ أنت بتغير؟! بس أنا معجبة بتمثيله، مش شكله.
هو أنا ناقصة ذنوب؟! إنت مكتفني كده ليه؟ مش عارفة أتحرك! سيبني بقى!
هز رأسه رافضًا، وقال بمكر:
ـ ما تستعبطيش… لا تمدحي شغله، ولا تجيبي سيرته! وكمان عاجبني الوضع كده!
مش إنتي بتهربي مني؟ اشربي بقى!