Uncategorized

أصبحت قطعة مني

في ظل ما كان الجميع جالسًا يتحادثون ويأكلون من الكعك ويرتشفون العصائـر، رنّ جرس الباب فـ انطلقت يسرية إليه وفتحته، ابتسمت شفتيها المطليتين بلون وردي خفيف وقـالت بصوتها الرقيق – ازيك يا دادة يسرية. تسمرت يسرية في مكانها وحملقت في مَن أمامها بـص وخاصةً في يدها التي تتشبث بها فتاة صغيرة.. انحلت عُقدة لسانها واجابت بـإقتضاب – هو انتي. اختفت بسمتها وحل محلها تعبير حزين رُسم على وجهها، ابتلعت غصتها وقـالت – ياسين موجود؟

اومـأت يسرية بـحنق وأشـارت لها بالدخول، فـ خطت داخل المنزل ببطء منكسة الرأس لا تقوى على رفعها، كانت أول من رأتها هي براعم التي شهقت متفاجئة فـ التفت الجميع على أثـر تلك الشهقة…
اسودت عيني ياسين غضبًا، وانتفض واقفًا كـالملسوع وصاح غاضبًا – انتي بتعملي ايه هنا؟ ابتسمت بـحزن – ازيك يا ياسين؟ عـاد يصيح
– بتعملي ايه هنا يا رحـاب انطقي؟ تنهـدت بـقهرة ونظـرت للصغيرة التي تتشبث في دميتها من جهة وبيد والدتها من جهة أخرى…

وأخيـرًا انحلت عقدة لسانها وبـادرت بـ – جاية عشان أعرفك على بنتك! شهق الجميع وانتفضوا واقفين ، بينما هـدر ياسين منفعلًا – بنت مين وزفت ايه، انتي من كتر قذارتك وعلاقاتك مش فاكرة دي بنت مين وجاية تلبسيهالي؟؟ التمعت الدموع في عينيها وتجـاهلت إهانتها اللاذعة ونظـرت للصغيرة مُبتسمة بـألم هاتفة – سلميّ على بابا يا چويرية. اختبئت الصغيرة خلف والدتها وهي تهز رأسهـا بنفي هامسة بـصوتٍ طفولي بريء ممزوج بـحدة العناد والتحدي – مبسلمش على حد معرفوش!

#الفصل_الثاني تنهـدت رحـاب وقالت – من وقت ما انفصلنا وانا بربي چويرية لوحدي، بشتغل وبصرف عليها، يعلم ربنا يا ياسين ان عمري ما استغليت اسمك عشان اجيب فلوس لينا، طول عمري ماشية جنب الحيط، لحد ما اكتشفت من شهرين ان عندي كانسـر، قعدت أفكـر هعمل ايه وچويرية هيبقى ليها مين من بعدي، معنديش حد غيرك يا ياسين، متكسفتيش ارجوك! صـاح ياسين منفعلًا – ما تتكسفي ولا تتنيلي، البت دي مش بنتي وانتي عارفة دا كويس يا خاينة يا زانية.

صـاح ثروت بـحدة – ياسين. استدار له ياسين يُطالعه بـأعين حمراء من شدة الغضب – عايز ايه من زفت. توقف لبرهه، وعاد بنظره لـرحاب وتساءل – انتي سجلتيها بـإسمي ازاي؟ ابتلعت رحـاب ريقها ونظرت لـثروت بتوتر، فـ ابتسم ياسين بـسخرية وعض على شفتيه في غيظ وهنا أردف ثروت – اسمعها يا ياسين..يمكن تكـو…. قاطعه بـحدة – اسمع ايه؟ دي تخاريف، دي استحالة تكون بنتي. وأشـار على الصغيرة المتشبثة في ملابس والدتها تُطالع انفعالات ياسين بـهدوء لا يليق بـطفلة في سنها، مما يؤكد صلتها بـياسين!

تحدثت رحـاب من بين دموعها الحزينة – تقدر تعمل DNA. صـاح مستنكرًا – وانا هعمل دا ليه طالما انا متأكد انها مش بنتي. قاطعه ثـروت بهدوءٍ – ما تعمله يا ياسين هتخسر ايه يعني! زفـر ياسين حانقًا، ومرر يديه في خصلاته يشد عليهما بغضب زائد، والجميع يتابع ردة فعله في توجس، تخصـر ياسين وهو يرمق الصغيرة بنظرات نافرة مزدرية، لـتبادله بنظرة بريئة عنيدة، وكـأنها تتحداه من إنكار أبوته لها!

في طريقهم إلى المشفى، كان لا بد من خروج احدهم مع ياسين ورحـاب، خوفًا من أن يتعرض لها ياسين فـهو معروف بـغضبه الجحيمي المُدمِر، فـ قرر نـاصر الذهاب معهم، وجلس في الأمام بينما جلست رحـاب وچويرية بـالخلف، قـاد ياسين السيـارة بسرعة جنونية مميتة، فـ صرخت به «چويرية» خوفًا – ما تقلل السرعة احنا هنطير!! كبت نـاصر ضحكته فـ رمقه ياسين بـحدة أخرسته، ورمق چويرية في مرآة السيـارة وبـعنادٍ زاد من سرعة السيارة الضعف، فـ حاوطت رحـاب ابنتها وملست على خُصلاتها تُهدئها..

وفـي غضون دقائق وصلوا للمشفى وترجلوا جميعهم، قبل أن يدخلا لم ينس ياسين أن يـرمق رحـاب بـإزدراء، لم تلحظه ولكن الصغيـرة لاحظت وبادلته
-بدلًا من والدتها- النظـرة بمثلها..حاقدة، ونافرة! ❀❀❀ يجلس ياسين بـركن من أركـان المنزل ينفث سيجارته في شراهة، وكأنه يفترسها، فـ ظهور طفلة له من العدم يعيقه على التركيز بأي شيء، يجعله غاضبًا منفعلًا لا يريد سوى تحطيم وجه تلك الخائنة، لا يريد نسخة أخرى منها تمثل عليه وتكذب مثلها وتخون ثقته بها كما فعلت الحقيـرة!

رآها تنهض هي والطفلة قائلة بخجلٍ – انا هروح، على ما التحاليل تظهر. اعتـرض ثروت بـهدوءٍ – لأ ابدًا، الدكتور قـال هتطلع بعد بكرا، استني معانا. نظـرت لياسين بـحرج – مالوش لزوم. وأخيـرًا تحدثت أمانـي بعد صمتٍ – اقعدي يا رحـاب، دي مهما كانت بنتنا برده، لحد ما نتأكد هتفضلي هنا.. نقلت نظرها لإبنها – ولا انت ايه رأيك يا ياسين؟ قـال ببرود وهو ينهض بعدما دهس السيجارة في المطفأة – اللي انتوا شايفينه، كده كده انا مش مهتم..

تركهم وتوجه صوب باب المنزل وفتحه منسحبًا من بينهم كما جـاء، بينما تنهدت رحـاب حزينة وأخفت رأس طفلتها داخل أحضانها.. ❀❀❀ مر اليومين سريعًا، لم تتعامل العائلة كثيرًا مع رحـاب أو چويرية، حتى ياسين لم يأتي طوال هذين اليومين، لم تـأنس چويرية احدًا سوى آسر، قريبًا من عُمرها ويفهمها! كــانت رحـاب تقف أمـام المرآة تمشط خصلاتها، فـ رأتهم يخرجون في يدها، تقع خصلاتها أثـر المرض، ويتألم صدرها من فكرة ترك صغيرتها وحيـدة! جذبت الصغيـرة ملابسها وهي تقول

– مامي، مالك؟ أخفت رحـاب خصلاتها خلف ظهرها وابتسمت بـزيف للصغيرة مردفة – ايه يا چوري يا حبيبتي..منزلتيش ليه؟ امتعضت ملامح الصغـيرة – محبتش العيلة دي. عقدت رحـاب حاجبيها – ليه؟ رفعت منكبيها بعدم إكتراث – مفككين، وانا مبحبش الناس المُفككة! تحدثت رحـاب مُشجعة – في ايدك تخليهم سوا يا چوري. – وانتي؟
-آآ..انا ايه؟
– انتي هتمشي؟ التمعت الدموع في عينيها وقـالت – هخلص شغلي وأجي علطول، مش هطول. تنهـد چويرية بـحزن وقالت – مامي انتي بتكدبي، انتي تعبانة..سمعتك بتتكلمي مع الدكتور، متحسسنيش اني طفلة ومش هفهم.

رفعت رحـاب رأسها للسقف تغمض عينيها بـوجع، لا تريد إظهار ألمها الفتَّاك أمام طفلتها الوحيـدة، استدارت چويرية وقالت بينما تستعد للخروج من الغرفة – انا مش قلقانة، لأني واثقة انك هتنفذي وعدك..وترجعيلي تاني. ما إن خرجت الصغيـرة حتى انفجرت رحـاب باكية، تعلم انها لن تستطيع تنفيذ وعدها للصغيـرة، فـ هي ضعيفة لن تقوى على مقاومة مرضها المؤلم، ستنساها طفلتهـا وسـيحبها ياسين، وسيصبح أبًا حنونًا لها..هي تثق بعودة ياسين القديم! صمت مطبق يحيط بكل فرد من افراد العائلة المجتمعين حول طاولة الطعام، فقط أصوات اصطدام المعالق بالأطباق..

قطع الصمت حمحمة ثـروت الذي هتف بعدها بخشونة – التحاليل هتطلع انهاردا باين؟ أردف ناصـر مُجيبًا – ايوه يا حَج، بليل هروح اجيبها. أومأ ونظر لأماني قائلًا – ابقي اتصلي بإبنك خليه يجي، اما نشوف أخرة دلعه. اومأت أمـاني بـطاعة، وأكمل الجميع إفطاره زائدين طفلة لطيفة ادخلت البهجة على البعض! ❀❀❀ كـانت عشق تقف بـجوار ناصر الذي يشرح لها قواعد البناء واصول العمل، هي تدّعي التركيز..ولكن في الواقع هي مشتتة كليًا، فـ أشعة الشمس الحارقة تلذع وجهها لذعًا، لا تريد إخباره حتى لا يسخر منها كما اعتادت، اكتفت بالتمثيل أنها على ما يرام كلما نظر لها…

– هاتلنا اتنين لمون فريش يا صبحي معاكم. قالها لأحد العمال الذي ذهب لجلب العصائر والطعام، وجلس الجميع للإستراحة، فـ اليوم شاقًا ويحتاجون للراحة كي يكملوا…
وفي حين ما هم جالسون تحدث نـاصر وهو يقضم لقمة من الشطيرة القابعة بين يديه – بس مكنتش اعرف انك جامدة كدا. نظرت له بحدة وهـدرت – جامدة ازاي يعني؟ رفع كفيه بجانب رأسه بـإستسلام وقـال مبتسمًا – مقصدش اللي فهمتيه والله، اقصد قوية يعني، محوقش فيكي الشمس ولا التعب!

أردفت بـجدية – ما اصلي ما اتفحتش خمس سنين هندسة عشان في الآخر اقعد في بيتنا يا باشمهندس، الشغل محتاج تعب..وإلا ميبقاش شغل. ارتفع حاجبيه مع إبتسامة مُعجبة بقوتها وإصرارها، بل ودفاعها عن حقوقها في مجتمعٍ لا يعترف بالمرأة من الأساس..
ضيّق عينيه يرمقها نظرات ثاقبة ثم قـال – انتي عندك كام سنة يا عشق؟ نظرت للشطيرة وأخرجت نصفها من الغلاف الذي يحيط بها وقالت قبل أن تقضم لقمتها – مع ان ملاكش الحق تسأل، بس هجاوب..انا 24 سنة.

تساءل – عندك اخوات؟ هزت رأسها بإيماء وأجابت – أخت واحدة – وأبوكي؟ ألقت الشطيرة على الطاولة الصغيرة أمامهم وهدرت مستنكرة – مش شايف ان أسئلتك كترت يا باشمهندش؟؟ تنحنح مُحرجًا وهتف بـ – مقصدش..يا باشمهـ… زفرت بملل تقاطعه بفظاظة – ولّا تُقصد خلاص تآكله الغيظ وتابعها بـحنق، وأكمل كلاهما طعامه… ❀❀❀ «في المساء» كانت وداد تقرض أظافرها بتوتر قائلة – هنقول لياسين ايه..نتيجة التحاليل طلعت وهو ممكن يتعصب! تحدث ثروت بحسم – اخلصي يا وداد كلميه..مش هنفضل بنخبي عليه كتير

ابتلعت لعابها، وأخرجت هاتفها تتصل بياسين، بينما الجميع يجلس أمامها مترقبًا ردة فعل ياسين الجحيمية! التقط هاتفه وفتح الخط قائلًا بلهفة أخفاها ببراعة تحت قناع البرود – النتيجة طلعت؟ هتفت بتوتر – آ..ايوه..يعني..بـ..بص يا ياسـ…ين…هو لم تتحمل أعصابه وهدر فيها بحنق -اخلصي التحليل طلع ايه؟ ازدردت ريقها وألقت قنبلتها – چويرية بنتك يا ياسين انهت الجملة وأغلقت الخط بوجهه خوفًا من قنبلة الصراخ التي ستنفتح في وجهها إن فعلت… أما ياسين…فـ توقف به الزمن عن الدوران….وتجمد جسده مطرحه!

#الفصل_الثالث شدّ ياسين على خصلاته غاضبًا وهو يدور أمامهم حول نفسه بإهتياج.. وتوقف فجأةً يصرخ بـعـ,ـنف – يعني ايه تطلع بنتي؟ ازاي!! ردد ثروت ساخرًا – معلش، هنقول لربنا هو مش عايزها تبقى بنته، رجعها تاني! رمقه ياسين بـحنق وصـاح في زجهه – انت السبب، انت اللي خبيت الموضوع دا عني رغم انك عارف. هـدر ثروت غاضبًا من صياح ولده عليه بعد هذا العُمر – اخرس يالا، مترفعش حِسك عليا تاني.. وقف ياسين أمامه وزمجـر بـإنفعال

– لما تكون انت سبب في دماري يبقى لازم ازعق يا ثروت بيه. صاح ثروت معـ,ـنفًا – قولتلك وطي حِسك.. وعندما فتح ياسين فمه ليكمل الشجار، انطلقت صرخة وداد من الداخل وهي تأتي ركضًا قائلة – رحاب اغم عليها! انطلق الجميع راكضًا نحو المطبخ! ❀❀❀ موصول جسدها بأكمله بأجهزة المشفى الحديثة والمتعددة، وجهها شاحب تمامًا… تحدثت الطبيبة – لازم تفضل تحت العناية وتكمل جلسات الكيماوي اللي تقريبًا وقفتها بقالها كتيـر. تساءل ياسين بوجه مقتضب – وحالتها هتبقى عاملة ازاي؟

اجـابت الطبيبة بجدية – حاليًـا انا شايفة حالة متدهورة ولازمها رعاية، مقدرش احدد بعدين هتكون عاملة ازاي، الأقدار كلها في ايد ربنا. أومأ ثروت مؤيدًا – ونعم بالله. تنفس ياسين بـإضطراب، ونكس رأسه عاقدًا حاجبيه بـإنزعاج، لا بُد من التخلص من الكارثة التي ابتلته رحاب بها! ❀❀❀ – انت اتهفيت في مخك يا ولا ولا ايه؟ عايز تسييها في ملجأ!!
هـدر ثروت بتلك الكلمات وقد استطاع ياسين إثارة حنقه… رفع ياسين منكبيه بـبرود وتحدث – محدش فاضيلها، مين هيراعيها؟

تدخلت أماني وقالت – انت تراعيها! ابتسم متهكمًا واردف – آه..أصلي فاضي للهانم! زفـر ثروت بـإحباط وتحدث – يا ابني دي بنتك! دي حتة منك..المفروض تكون أحن عليها من كدا! انكمشت ملامحه بـملل وقـال – دا اللي عندي، عاجبكم اهلًا وسهلًا، مش عاجبكم يبقى ودوها الملجأ.. هـزت أماني رأسها في قلة حيلة – يا خسارة تربيتي فيك يا ابن بطني. لم يعيرها اي اهتمام وانطلق صاعدًا لغرفته في الأعلى، بينما جلست أماني بجانب ثروت الذي يضع رأسه بين يديه ويهزها بـخيبة أمل، فـ هونت عليه بأن ربتت على كتفه قائلة

– ربنا هيحلها زي كل مرة يا حَج.. رفع رأسه للسماء داعيًا – يـا رب. ❀❀❀ تضمها وداد إلى صدرها وتُربت على خصلاتها البنية المنسدلة على ظهرها في إنسيابية ونعومة..
تتعجب كثيرًا من حـال تلك الصغيـرة..
لم تبكِ ولم تصرخ ولم تنادي على والدتها..
وحيـن سألتها أجـابت بـ
«ماما بتكافح، وانا لازم أشجعها مش اعيط عليها!»
تفكيـر هذه الصغيرة يسبب عُقم في تفكيرها هي..
كيـف يمكن لصغيرة لم تتخطى السبع سنوات أن تُفكر بـطريقة مَن يبلغ الأربعين!
انفرج الباب بـعـ,ـنف وطلّ منه ياسين الذي صـاح في الصغيرة منذ دخل

– اسمعي يا بت انتي، انتي لا بنتي ولا اعرفك اصلًا، هيلمولك هدومك ويرموكي في دار الأيتام. هـدرت وداد بـشراسة وهي تضم الصغيرة المُرتجفة لـصدرها – ايه الكلام اللي بتقوله دا يا ياسين..انت مُدرك انت بتقول ايه؟ دي بنتك! صـاح بإنفعال جلي – لا بنتي ولا اعرفها، دي واحدة بنت حـرام اتولدت بسبب علاقات أمها القـذرة. دخل نـاصر عند تلك الجملة، وتحدث بـهدوءٍ محاولًا إيقاف أخاه عن إنفعاله – اهدى يا ياسين واعقِل كلامك، البنت صغيرة ومش فاهمة.

نـظر له ياسين بـغضب وصـاح بـصرامة – صغيـرة كبيرة مش هتفضل في البيت دا ثانية واحدة. انتفضت فـجاةً من بين احضان وداد، وقفت على الفراش وصـاحت بصوتها الذي سمعه لأول مرة – جرا ايه يا عم الحاج، ما تصلي ع النبي كدا وخد وأدي معايا متحسسنيش انك توم كروز وكل البنات تحت رجلك! توسعت عينيه مصدومًا، حقيقةً لم يكن وحده المصدوم، بل كان نـاصر يطالعها بـفاه فاغر و وداد ترمقها بـعدم تصديق – آآ..انتي متأكدة انك طفلة ست سنين؟

نـظرت لـناصر وتخصرت قائلة بـسخرية – مشبهش ولا مشبهش؟ ابتلع لعابه متوجسًا، بينما صـدح صوت ياسين صـارخًا وهو يشير عليها – شوفتوا..عشان اقولكم..دي مش بنتي، شايف بتتكلم ازاي، طب شايف حاطة ايدها في وسطها زي الرقصات ازاي؟ قـالت وداد ساخرة – متستهبلش يا ياسين..البت شبهك خالص! تنحنح بـحرج، ومن ثم عاد لغضبه يـقول بـسخط – مش موضوعنا، خرجوا البت دي من البيت فورًا. – چويرية مش هتخرج من هنا يا ياسين.
كان هذا كلام والده الذي دخل الغرفة يستند على عُكازِه…

فـ ازداد غضب ياسين الذي تحدث بنبرتهُ المخيفة – يعني ايه؟ هتف ثروت بـحزم – يعني محدش هيقدر يهوبلها، والبنت دي من الوقتي مسؤليتك انت يا ياسين، ومحدش فينا هيتدخل في تربيتها..واي حركة وحشة هتعملها معاها..اعتبر نفسك برا العيلة تمامًا..والمرادي هتكون انت اللي ولا ابني..ولا اعرفك! كور ياسين قبضته، وصك على أسنانه بـعـ,ـنف حتى شعر نـاصر الذي يجاوره انها تكاد أن تتهشم من قوة ضغطه عليها…
والآن من الموجب أن يقبَّل ياسين بـالوضع الحالي..إجباريًّـا!

رنّ المنبه في محاولة منه لإيقاظ ياسين النـائم بعمق، انتفض بـفزع ونظر للمنبه وعلم ما هو هذا الصوت الذي تغلغل لأحلامه..فـ اغلقه بـغيظ وفرك وجهه ليزيل أثر النوم..
نهض من الفراش يزيح الغطاء عنه بـعـ,ـنف، وارتدى نعله وتوجه بخطوات سريعة أشبه بالراكضة نحو الغرفة المجاورة له…
اقتحمها بدون طرق على الباب وهز “چويرية” النائمة كـالملائكة على الفراش، فـ تململت بـإنزعاج وهي تتمتم – سيبيني يا ماما شوية. هزها مرة أخرى بطريقة أشد عنـ,ـفًا – اصحي يا روح أمك الحضانة هتضيع عليكي.

نفخت بـحنق ودفنت وجهها في الوسادة، فـ شمر ياسين عن ساعديه والتقطها من ثيابها يمسكها بـقوة من الخلف يجرها معه ناحية المرحاض الخاص بغرفتها، أنزلها وأوقفها قسرًا وبدأ ينثر المـاء الغزير على وجهها حتى ان ملابسها البيتية تبللت….
جرها معه للخارج وألقاها على الفراش وتوجه صوب خزانتها ليُخرج ملابس الحضانة…
وبالفعل أخرجها وجذب الصغيرة التي عاودت النوم من جديد، جذب ملابسها العلوية قسرًا ليخلعها عنها وبدأ في إلباسها والصغيرة تتمرد بـإنزعاج…
حُشر وجهها في الجزء العلوي الخاص بملابس الحضانة فـ بدأت تزمجـر وقد شعرت بـالإختناق..

وكـان ياسين محتاسًا لا يدري ما يفعله، أنجده الله عندما استطاع ان يُخرج رأسها أخيـرًا..
انتهى وتوجه لحقيبتها يضع بها كل ما هو على المكتب الصغير الخاص بها…
وتوجه إليها جاذبًا اياها من يدها واليد الأخرى جذب بها حذائها حتى بدون أن يأتي بالجورب…
هبط بها للأسفل وقال – اقعدي البسي الجزمة هروح اشوف يسرية جهزت الساندوتشات ولا لأ، ما هو يوم باين من أوله. انطلق صوب المطبخ ليجد يسرية تقف خلف الرخامة تعد الشطائر، ليقول

– بسرعة يا يسرية الله يكرمك. وضعتهم في صندوق طعام الصغيرة -اللانش بوكس-
بسرعة وأعطتهم لياسين الذي التقطهم وهَرول للصغيرة، وضع الشطائر في حقيبتها وألبسها لها ودفعها ناحية باب المنزل يلقيها أمامه هاتفًا بـحزم – خليكي قاعدة هنا لحد ما الباص يجي. وقبل أن تفتح فمها وتتحدث أغلق الباب في وجهها، فـ زفرت الصغيرة بـإحباط وجلست على درجات السلم الصغير واضعة يدها أسفل خدها تنتظر مجيء الأتوبيس وهي تملس على شعرها الذي لم يُكلف نفسه عناء تمشيطه لها! ترتجف من برودة الجو كـدجاجة مبللة، تصتك على أسنانها والبرودة تملكت منها!
وهنا تمنت چويرية أن تكون والدتها معها وبجانبها !!

❀❀❀ ألقى ياسين جسده على الفراش وأغلق جفونه وما هي إلا دقائق حتى ذهب في سُباتٍ عميـق… ❀❀❀ ضحكت وهي تحتضن إحدى الصغيرات وتدفعها نحو الداخل برفق، وجاء الآخر واشار على الورقة المعلقة بالحائط والمرسوم عليها يدين يتصافحان، فـ صافحته بنفس الطريقة وهي تبتسم في وجهه بـلُطف…طريقة مناسبة للتعامل مع أطفال يدخلون مكانًا جديدًا للتو!
وكـانت الأخيـرة هي چويرية التي فركت عينيها بنعاس وكـادت تدخل دون أن تختار شيئًا فـ اوقفتها المُعلمة بـتعجب قائلة – انتي عاملة كدا ليه؟ شعرك مش متسرح ليه وهدومك مكرمشة!

تنهـدت الصغيرة بـيأس ونظرت لها بـبراءة، قبل أن تنكس رأسها خزيًا وصمتت بحزن! ❀❀❀ اندفعت وداد من الباب تصرخ بياسين النائم – ياسين..ياسين قوم..يا ياسين. تململ منزعجًا وتأفف حانقًا – فيه ايه ع الصبح. لغزته في كتفه قائلة – اتصلوا من حضانة چويرية وعايزين حد من أهلها ضروري. اندس تحت الغطاء وتحدث – ابقي روحي انتي. دفعته في كتفه صائحة بحنق – هي بنتي ولا بنتك، قوم لا أحسن يكون جرالها حاجة! تأفف حانقًا وصـاح بغضب جلي

– يووووه بقا، ما تولع ولا تتنيل انا عايز انام. جذبت الغطاء من عليه هادرة بـحزم – قوم يا ياسين شوف البت، يلااااا. ❀❀❀ ترجلت براعم من سيارتها واغلقتها بالمفتاح إلكترونيًا، عدّلت من وضع نظارتها الشمسية وتوجهت للداخل، وفي طريقها اصطدمت بـأحدهم، فـ رفعت رأسها بغيظ وكادت تصرخ به ولكن إعتذاره فاجئها – انا آسف جدًا عقدت حاجبيها بـإستغراب متسائلة عن هوية هذا الشاب فارع الطول، الذي ولأول مرة تراه في الجامعة! ابتسمت في وجهه بتهذيب واردفت

– مفيش مشكلة هز رأسه بـإيماء وعدّل من نظارته الطبية وتحرك صوب الداخل، في حين بقت براعم متعجبة! سرعان ما هزت رأسها تنفض أفكار معتوهة وتعمقت في الدخول للجامعة… ترجل ياسين من سيارته وهو يزفر حانقًا، توجه نحو باب الدخول للحضانة ومنه سأل احدهم عن مكتب المديرة، وبالفعل توجه نحو مكتبها ودخل من الباب المفتوح متحدثًا بجمود – مساء الخير التفتت إليه الفتاة الجالسة أمام مكتب المديرة، والتي لم تكن سوى مُعلمة چويرية، نهضت وقـالت في جدية مُفرطة

– حضرتك والد چويرية؟ تحدث بحدة – لأ عقدت حاجبيها بتعجب، فـ زفر محبطًا واومـأ مُجبرًا، وهنا اومأت المُعلمة وتحدثت معه بـعنـ,ـف وإندفاع – حضرتك تقدر تقولي ايه الحالة المزرية اللي چوري جات بيها انهاردا دي! رفع حاجبه متحديًـا وقاحتها واردف – حالة ايه مش فاهم؟ – البنت شعرها منكوش وهدومها مكسرة، انت متأكد انك أب؟ فين مامتها؟ تحدث ببرود – في المستشفى انزوى غضبها جانبًا واردفت بـقلقٍ – ليه مالها؟ هـدر فيها ياسين بعنـ,ـف

– ميخصكيش علفكرة! – انت إنسان همجي واسلوبك عدواني! استحالة البنت تعرف تتأقلم معاك! أشاح بيده – يا شيخة اتنيلي. شهقت بـعـ,ـنف وصـاحت بإهتياج – انت قليل الأدب رمقها بـغضبٍ جامح وصـاح فيها بصوتٍ جهوري – مين دا اللي قليل الأدب يا انثى البرص انتي! اشـارت على نفسها ب – انا انثى البرص؟ ربع يديه أمامه وتحدث بـجمود – اها.. تـابعت صراخها تلك المرة بـإنفعال – لااااا انت زودتها اوي يا حضرت! صدرت منه ضحكة سـاخرة واردف في إستهزاء

– وانتي نقصتيها يا أبلة. خبطت المديرة بكفيها على المكتب وهي تهـدر – بس خلاص، اتفضل يا أستاذ ياسين اقعد، وانتي يا روان، بطلي الدبش اللي بترميه دا. نفخت “روان” خديها بـحنق، واضطرت مجبرة الجلوس في هدوءٍ مزيف، بينما جلس ياسين أمامها يرمقها بحاجب مرفوع وعينين تُطلقان أسهم حادة… شبكت المديرة يديها أمامها على المكتب وقـالت – امسحها فيا يا أستاذ ياسين، روان دبش شوية بس. قـال بتهكم – شوية!!! صـاحت روان فيه – قصدك ايه؟

اوقفتها المديرة بـحدة – روان! استكانت روان ظاهريًا، بينما داخلها كانت تود الإنقاض على هذا المتعجرف وخرمشة وجهه الوسيم بأظافرها! – ايوه مش فاهم، وهي مالها البت جاية منكوشة ولا عريانة حتى! كـادت المديرة أن تجيبه ولكن روان انفجرت فيه صارخة – يرضيك بنتك تقعد مع زمايلها اللي لابسين هدوم نضيفة وشعرهم مهندم بلبسها وشعرها دا؟ اومـأ بهدوءٍ
– آه يرضيني! توسعت عينيها بـصدمة من وقاحته المُفرطة والتي تسبب لها نيران شديدة الحرارة تموج داخل صدرها!

قاطعت “رجاء” المديرة شجار كان سيُستأنف للتو بـقولها – يا أستاذ ياسين مينفعش دا يبقى منظر البنت في أول يوم حضانة ليها، خاصةً ان هي أول مرة تيجي الحضانة هنا والمكان مش هيكون مألوف بالنسبالها، والحقيقة انا مشوفتش اي حماس على وشها زي باقي الأطفال! هو انتوا بتعذبوها؟ قالت جملتها الأخيرة بـهمس…
فـ أجاب ياسين مرددًا – يعني مشكلتكم في لبسها؟ تحدثت روان – آه. نـظر لها ياسين بـحنق واردف – انتي مال أمك انتي حد وجهلك كلام؟

تنحنحت “رجاء” بـحرج وقـالت – انت كدا بتغلط فيا يا أستاذ ياسين! رفع حاجبه بـدهشة وقـال بثبات – انتي أمها؟ اومـأت رجاء فـ تحدث ياسين ببرودٍ أثار غيظها أكثـر – نصيحة مني ابقي ربيّ بنتك، لا أحسن يزقلوها بالطوب ببجاحتها دي. اشارت روان على نفسها – بقا انا اللي بجحة يا جحش؟ هـدر في وجهها كـأسدٍ شرس – ايوه يا اختي بجحة وستين بجحة كمان، دا ايه المصايب اللي بتتحدف علينا دي.
تمتم بتلك الكلمات وهو يهم بالإنصراف، وقبل أن يخرج التفت وقال لرجاء بتهذيب

– معلش يا مدام، هآخد البنت معايا. اومأت له رجاء وهي تبتسم في وجهه بلطف، فـ استدار برأسه ناحية روان، وقبل أن يذهب أخرج لسانه لها بحركة صبيانية مشاكسة جعلت الدماء تفور في جسدها، كم توّد الفتّك بهذا الرجل البربري!! #الفصل_الرابع ألقاها فـ تلقتها أماني داخل أحضانها تخفيها عن ياسين الغاضب الذي صـرخ فيها بـقسوة – انتي عايزة ايه يا بت انتي بالظبط! تحدثت وداد مدافعة عن الصغيـرة – هي عملت ايه بس يا ياسين

صـاح منفعلًا – لا عملت ولا أعمل، البت دي مش هتقعد في البيت دا ثانية واحدة..معدتش طايقها تحدثت أماني بـحدة – ياسين، البنت دي شايلة اسم عيلة المرشدي، ومش من الاصول نرميها في الشارع! ابتسم بـتهكم وقـال – عيلة المرشدي طول عمرها مُفككة، فـ متجوش تعملوا فيها عيلة كبيرة ومترابطة وانتوا هتموـ,ـتوا وتنهشوا في بعض لم تعلم ما دخل ما تقوله في ما يقول! لا بد وأن ابنها يمقت العائلة كثيـرًا، فـما فعله والده به ليس هينًا!

ملست على خصلات الصغيـرة ونظرت لوداد قائلة بهدوءٍ – خدي چوري لأوضتها يا وداد… اومأت وداد والتقطت كف الصغيرة وتحركت بها نحو الأعلى، بينما زفـر ياسين بـحنق وقـالت أماني بـوِد – تعالي نتكلم شوية يا حبيبي ظهرت ملامح الرفض على وجهه جليًا، فـ توسلته بعينيها قبل لسانها، وبـقلة حيلة انساق خلفها صوب غرفتها هي ووالده جلست بجانبه على الأريكة بالغرفة، وتحدثت بصوتها الحاني – لحد امتى هتفضل قاسي ع البت كدا؟ حرام عليك يا ياسين، دي بنتك..حتة منك!

غمغم بـرفض – استحالة اقبلها مالت برأسها في خزي وقالت – مش يمكن لما تقبلها، تلاقيها الملجأ اللي مقدرتش تلاقيه فينا؟ يمكن تكون هي الشخص اللي يشاركك كل حاجة انت مرضتش تشاركها معانا؟ كـاد يعترض على حديثها فـ تابعت في حزم – رفضك وبُعدك عننا معروف سببه، اللي مش معروف بقا ليه بتبعد عن أخواتك اللي ملهمش اي ذنب في اللي أبوك عمله؟ والأهم ليه بتبعد عن البنت اللي نزلتلك من السما نجدة ليك؟ قـال بإقتضاب

– مفيش سبب وبكل صراحة العالم، وبجرأة أخفتها سنواتٍ – انت كداب يا ياسين، ايوه كداب، انت أناني مبتفكرش إلا في نفسك، زعلان من أبوك عشان أجبرك تشتغل شغلانة انت مش عايزها؟ أجبرك تسيب جامعتك اللي دخلتها بطلوع الروح عشان تمسكله محلاته؟ طب إخواتك ذنبهم ايه؟ ذنب براعم البريئة اللي بتحاول تقرب من أخوها بأي شكل دي ايه؟ ذنب آسر اللي بيدور على أخوه القديم دا ايه؟ ذنب ناصر اللي بيدور على سند ليه ايه؟ ذنب وداد ايه؟ ذنب البنت البريئة اللي كل اللي تعرفه عن الحياة انها كلمة ايه؟ ذنبي انا..ايه يا ياسين؟

تهدجت أنفاسها بسبب كثرة الحديث المُر، كـالعلقم قابض المذاق عليها، سببًا في قطع أنفاسها عنها كما قُطعِت روحها عنها بعد إبتعاد أبنائها عن بعضهم البعض

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى