Uncategorized

غريبه في عالمك ٤ بقلم رحاب حلمي

الحلقة السادسة والعشرون
*آسف*
كانت حياة مستلقية على السرير و هي لا تزال غائبة عن الوعي وشعرها مبعثرا بشكل عشوائي على الوسادة ومريم تجلس بجانبها وفي يدها زجاجة عطر صغيرة وقطعة قطن تحاول أن تقربها من أنف حياة التي بدأت تحرك رأسها يمينا وشمالا وهي تستعيد وعيها تدريجيا إلى أن فتحت عينيها, فابتسمت مريم وهي تحمد ربها ووضعت ما بيدها على المنضدة الصغير التي بجوار السرير وقالت لحياة وهي تمسح على رأسها بحنان: حمدالله على سلامتك يا حياة, قلقتينا عليكي يا بنتي.

فحاولت حياة النهوض وهي تشعر بالوهن وساعدتها مريم إلى أن استطاعت الجلوس وهي تستند برأسها على الوسادة بالخلف, وضغطت على يد مريم والدموع تتجمع بعينيها وتسألها بتوسل: أنا كنت بحلم يا مريم, مش كدة؟ بالله عليكي لتقوليلي ان كل دة كان مجرد كابوس.
كانت مريم تتمنى أن تؤكد كلامها إلا أنها لم تستطع فنظرت إليها بعيون مليئة بالشفقة وهي تقول: للأسف يا حياة كان حقيقة, عماد شاكر عزالدين كان موجود هنا ولسة ماشي دلوقت وجوزك نزل يوصله بعد ما اتأكد انك بخير وكمان عشان يجيب حاجة من الصيدلية نفوقك بيها.

وما ان سمعت حياة ذلك حتى انهارت تماما وأخدت تلطم وجهها بيدها وتبكي بحرقة وتتفوه بكلام غير مفهوم استطاعت مريم أن تتبين منه القليل بصعوبة حيث كانت تندب حظها: ليه بس كدة يا ربي؟ بعد ما كنت بدأت أنسى؟ بعد ما كنت بدأت أعيش حياتي؟ هو أنا مش مكتوبلي أفرح بقا؟
فجذبتها مريم إلى حضنها وهي تبكي لبكائها و تقول لها مواسية: اهدي يا حياة واستغفري ربنا.
وبالفعل بدأت حياة تردد الاستغفار إلى أن شعرت بها مريم تهدأ قليلا فأبعدتها عنها برفق وأخذت تجفف لها دموعها وهي تقول لها محاولة التفكير بعقلانية:

حبيبتي احنا لازم نشوف دلوقت احنا هنعمل ايه في المصيبة دي؟
وكأنها بسؤالها ذلك أثارت دموعها من جديد, فقالت وهي تنتحب: مش عارفة, مش عارفة يا مريم, ياربي بقا من بين كل الناس يطلع دة صاحب جوزي, الانسان اللي دبحني؟
فحذرتها مريم وهي تضع اصبعها على فمها: هسسسس,وطي صوتك عشان يوسف برة وممكن يسمعنا.
حياة: طب قوليلي انتي يا مريم, اعمل ايه؟ وأتصرف ازاي؟
مريم: مفيش غير حل واحد. انتي لازم تقولي لوليد هو الوحيد اللي هيقدر يتصرف في الموضوع دة, واهو كدة كدة عارف كل الحقيقة ومش فاضل غير انه يعرف اسم الشخص دة.

فقالت حياة ترجوها وهي تحتضن يدها بتوسل: لا يا مريم, بالله عليكي بلاش وليد, عشان خاطري يا مريم وليد لا, وليد عصبي ودمه حامي ولو عرف ممكن يقـ,ـتله, ومحدش عارف الزفت اللي اسمه عماد دة ممكن يعمل ايه؟ دة واطي وندل وممكن يأذيه, وفي الحالتين هخسر وليد.
مريم وهي تبدي تعاطفا معها: امال هتعملي ايه بس؟ ومش جايز كمان عماد هو اللي يقوله؟
حياة: لا, مفتكرش, اللي زي عماد دة جبان ومش ممكن يعترف على نفسه بجـ,ـريمة زي دي.
فامتثلت مريم لطلبها:

خلاص, اللي تشوفيه يا حياة, بس قومي دلوقت ادخلي الحمام واغسلي وشك, عشان وليد مش لازم يشوف الدموع اللي في عنيكي دي.
وساعدتها مريم على النهوض وظلت معها حتى غسلت وجهها, وما ان خرجتا من باب الحمام حتى وجدتا وليد قد لحق بهما, فأسرع يأخذ بيد زوجته يسألها باهتمام بالغ: عاملة ايه دلوقت يا حياة؟ مش أحسن؟ ولا تحبي اتصل بالدكتور؟
فنظرت اليه تمسح تعابير وجهه بعينيها لترى فيه قلق ولهفة كانت تمنى أن تجدهما قبل الأن مما زاد من شعورها بالألم وهي تحاول أن تطمئنة بابتسامة واهنة: مفيش داعي, انا الحمد لله كويسة, كانوا بس شوية ارهاق.

فقال لها وليد لائما نفسه وهو يساعدها على الاستلقاء مجددا على السرير: انا آسف يا حياة, كل دة كان بسببي, ما كنش لازم أتعبك معايا اوي كدة.
فنظرت اليه حياة مطولا دون أن تعلق, فبالطبع لم يكن لديها ما يمكن ان تخفف عنه به, فتولت مريم الأمر وقالت بلهجة مرحة: يا سيدي دي مراتك بس بتدلع علينا شوية.
وليد دون ان يرفع عينيه عن حياة: تدلع براحتها بس ما تقلقناش عليها بالشكل دة.

تساءلت حياة بداخلها ان كان كل هذا القلق والاهتمام الذي يحاول أن يظهرهما لها هما بالفعل ما يشعر بهما بداخله أم أن ذلك ليس الا ستارا يضعه بسبب وجود مريم معهما بنفس الحجرة, ويبدو أن مريم شعرت بما يدور بخلدها فقالت وهي تتجه ناحية الباب: طب بعد اذنكم أنا بقا.
وليد: على فين مريم؟
مريم: هنروح بقا, انا خلاص اطمنت على حياة, ويوسف قاعد لوحده من بدري.
فنظر وليد الى حياة يقول لها: طيب انا هروح أوصلهم وأرجعلك على طول.
فمنعته مريم باشارة من يدها:

لا مفيش داعي يا وليد, خليك انت جنب مراتك, احنا عارفين يا سيدي الطريق كويس ومش هنتوه, وكمان احنا مش أغراب يعني للرسميات دي.
ثم وجهت حديثها الى حياة: مش عاوزة أي حاجة يا حياة قبل ما امشي؟
فشكرتها حياة: تسلميلي يا مريم, وربنا ما يحرمني منك.
مريم: طيب ان شاء الله هشوفك في الكلية بكرة؟
فهزت حياة رأسها قائلة: ان شاء الله.
فقالت مريم قبل أن تفتح باب الحجرة ثم تغلقه خلفها: تصبحوا على خير بقا.
حياة و وليد: وانتي من أهله.

وبعد أن غادرت مريم ثم سمعا صوت الباب الرئيسي للشقة ينغلق هو الأحر نظر وليد لحياة وهو يسألها: فيه ايه يا حياة؟ ايه سبب اللي حصلك دة؟ وما تحاوليش تقنعيني انه كان بسبب الارهاق زي ما قولتي قبل كدة.
فقالت حياة وهي تغـ,ـتصب ابتسامة على شفتيها: امال يعني هيكون ايه بس غير كدة؟
وليد بنظرة صارمة: هو دة اللي انا عاوز أعرفه منك.
فابتلعت حياة ريقها بصعوبة وهي تتساءل بداخلها ان كان زوجها قد لاحظ أي شيء جعله يشك بسابق معرفتها بعماد أم أن عماد قد خالف كل توقعاتها و ألمح له بهذا الأمر؟

ولكنها مع ذلك قررت أن تتمادى في كذبها وهي تدعو ربها ألا تكون كل لشكوكها أي أساس من الصحة: صدقني يا وليد, مفيش حاجة تانية.
رأت حياة نظرة غريبة في عينيه عجزت عن ترجمتها وسمعته يقول لها وهو ينهض تاركا الحجرة: براحتك يا حياة, انا مش هضغط عليكي أكتر من كدة.
وعقب خروجه وبعد أن أغلق الباب خلفه بعـ,ـنف غطت حياة وجهها بيديها وهي تجهش بالبكاء عاجزة عن تصور ما يمكنه أن يكون في انتظارها في الأيام المقبلة.

_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
أوقف يوسف سيارته في حديقة الفيللا, ولكنه لم يوقف المحرك فنظرت إليه مريم متسائلة فرد على سؤالها الصامت: انا وعدت علياء اني هروح الحفلة اللي عاملاها النهاردة, بس مش هتأخر.
فردت مريم بهدوء وكأن الأمر لا يعنيها: براحتك.
ثم اندفعت خارج السيارة وهي تركض تقريبا الى الفيلا تاركة يوسف يتساءل عما أزعجها بهذا الشكل, فهل كانت تفضل الذهاب معه؟

ولكن قد أخبرته علياء بأنها رفضت دعوتها, أم أنها كانت تفضل أن يرفض هو الآخر تلك الدعوة ويقضي الليلة برفقتها؟ حقا لقد بدأ يحتار يوسف جلال في أمر تلك الفتاة ولم يعلم كيف يمكنه أن يرضيها؟ ولكنه قرر في النهاية أن يذهب إلى ذلك الحفل أولا ثم يعود سريعا ليتحدث معها, ثم انطلق بسيارته عاقدا العزم على ذلك.

في حين صعدت مريم إلى حجرتها وهي تكاد لا ترى الطريق أمامها من كثرة الدموع التي انهمرت من عينيها حتى ألقت بنفسها على السرير وصوت بكائها يعلو بشدة بمقدار الألم الذي تشعر به وهي تفكر في موقفه ذلك حيث لم يعد يهمه أن يخفي عنها علاقته بعلياء. أيحاول أن يفهمها بكل بساطة بأنه لا يهتم بأمرها ولا يجب عليها أن تعلق أمالا على علاقتها به, ان كان كذلك بالفعل فليطمئن فهي قد استوعبت الرسالة بكل ما تحمله من معاني.

_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
أما في شقة علياء والتي كانت تحتوي على عدد قليل من المدعوين للحفل المزعوم, فاتجهت صاحبة الحفل ناحية يوسف وهي تحمل في يدها كأسا من الخمر تسحب في يدها الآخرى أحد الرجال وتقدمه إلى يوسف: دة بقا يا سيدي يوسف محمود خطيبي.
فصافحه يوسف بحرارة وود: ألف مبروك, وربنا يتمم بخير.
فرد الأخر: الله يبارك فيك, وأنا سعيد جدا بمعرفة حضرتك.
يوسف: انا أسعد.

ثم نادى أحدهم عليه فاستأذن من يوسف واتجه إلى صديقه, فقال يوسف لعلياء باسما: مبروك يا علياء, واضح انه انسان كويس.
فردت علياء هامسة بدلال: أحسن حاجة فيه ان اسمه على اسمك.
شعر يوسف بالاحراج من فهمه للمعنى الخفي لكلامها فقال وهو يحاول التملص من أي رد يمكنه أن يشجعها على التمادي: طيب أستأذن أنا بقا؟
فتشبثت علياء بذارعه دون أن تخشى من أن يلاحظهما أحد وهي تقول له برجاء: ايه دة؟ بسرعة كدة؟
فحاول يوسف أن يخلص ذراعه منها برفق دون أن ينجح في ذلك وهو يقول معتذرا: معلش بقا تتعوض في الفرح ان شاء الله.

علياء وهي ترفض رفضا تاما أن تدعه يرحل: مش ممكن, دة الحفلة لسة في أولها, وكمان انت لحد دلوقت لسة ما شربتش حاجة.
يوسف: معلش, اعفيني المرادي.
علياء وهي تقدم له الكأس الذي بيدها: ليه بقا؟ انت مش عاجباك الشمبانيا بتاعتي ولا ايه؟ طيب حتى دوقها الأول.
فقال يوسف رافضا عرضها: لا مش كدة, انا فعلا مش ليا مزاج النهاردة.
علياء وهي تمط شفتيها بغير رضا: مش ليك مزاج ولا المدام هي اللي حرجت عليك؟
فهز يوسف رأسه نافيا: مريم ملهاش دعوة, كل الموضوع ان بالي مشغول شوية, ومش هقدر أشرب النهاردة.

فقالت علياء بدلال مستخدمة كل أسلحتها الأنثوية في هذا الرجاء وهي تقرب الكأس من فمه: طيب ولو قولتلك عشان خاطري بردو هتقول لا؟
لم يستطع يوسف أن يحرجها فأخذ منها الكأس وبدأ يتجرع محتوياته ببطء وعلياء تعلو وجهها نظرة شيطانية تثبت أنها قد حققت انتصارا كبيرا في هذه الجولة أيضا.

_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
صعد يوسف الدرج في فيللته متجها إلى حجرة نومه بخطوات بطيئة وثقيلة حيث بدا عليه أنه قد تناول كمية ليست بالقليلة من المسكرات, ثم فتح باب الحجرة بحذر شديد خوفا من ازعاج مريم التي خمن بأنها الآن تغط في نوم عميق وقد صدق حدسه عندما وجد أن الغرفة غارقة في ظلام دامس, فأغلق الباب بنفس الحذر وتوجه ناحية الباب الصغير الذي يصل بين الحجرتين إلى أن أوقف صوتها الذي لا يدل على أنها قد

ذاقت طعم النوم: حمدالله ع السلامة.
فتحسس يوسف طريقه إلى أزرار الإضاءة التي كانت قريبة منه وضغط على أحدها فأضيئت الحجرة ليرى مريم جالسة على سريرها وكأنها كانت بانتظاره, فقال يوسف بابتسامة هادئة: مريم! أنا آسف كنت فاكرك نايمة, مساء الخير.
فأشارت مريم باتجاه الساعة الكبيرة المعلقة بالحائط وهي تقول: قصدك صباح الخير, بتهيئلي دة اللي المفروض يتقال الساعة اتنين الصبح.

انت في الصفحة 9 من 11 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى