_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
انتهى الحفل وعادت كل من حياة و وليد إلى شقتهما بعد أن رفض هذا الأخير دعوة أخيه لقضاء تلك الليلة في الفيللا, كان كل منهما يشعر بارهاق شديد بعد هذا اليوم الطويل المليء بالعمل المتواصل والمجاملات التي لم تنقطع, وقد شعرت حياة بحاجة شديدة إلى أخذ قسطا من الراحة فقالت وهي تتوجه الى حجرة نومها: تصبح على خير.
ولكن أوقفها صوت وليد الهادىء: حياة!
وعندما التقت عيناهما تابع قائلا بكل صدق: أنا متشكر أوي.
حياة: على إيه؟
وليد: على الحفلة, الحقيقة كانت بجد هايلة, وكل المعازيم مشيوا وهم بيشكروا في التنظيم والجو الجميل اللي كنتي عاملاه انتي ومريم.
وعندما لمحت نظرات الاعجاب في عينيه التي أثبب لها أنه كان بالفعل صادقا في شعوره بالامتنان لها وردت وهي تشعر بالارتباك: انا ما عملتش غير واجبي.
فرأته يبتسم وهو يقول لها بلهجة غامضة: ويا ترى بقا أنا ممكن أطمع في انك تكملي واجبك دة.
أساءت حياة فهمه في البداية لذلك شعرت بوجنتيها تحمران خجلا وهي تدعي عدم الفهم: قصدك ايه؟
وجدته يتحدث بجدية مطلقة وبأسلوب عملي: الحقيقة أنا بفكر أعمل حفلة صغيرة هنا في الشقة هعزم فيها طبعا يوسف ومريم وهدى و وكام واحد كدة من رجال الأعمال اللي ظروفهم ما سمحتش انهم يحضروا حفلة النهاردة. انتي ايه رأيك؟
حاولت حياة أن تخفي خيبة أملها وهي تبتسم وتقول: اوك, مفيش مانع, تحب تكون امتى؟
وليد: انا بقول خير البر عاجله ونعملها بعد بكرة, دة مناسب بالنسبالك؟
حياة: اه, مناسب ان شاء الله, بس يبقا قولي ع العدد كله اللي هييجي أول ما تحدده.
وليد: اوك, روحي نامي بقا عشان شكلك تعبانة أوي, تصبحي على خير.
مازال يعاملها بنفس الجفاء ذاته, ولكنها التمست فيه بعض اللين عن ذي قبل لعل ذلك يشير إلى أن هناك أمل ولو ضئيل في استجابته لنداء قلبها الصامت في يوم ما.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
اختلطت ضحكاتهما معا وهي تتعالى شيئا فشيئا وهما يجلسان معا في شقة علياء حيث قال لها عماد بنظرات مليئة بالاعجاب: دة انتي مش ليكي حل, دة الشيطان نفسه يقولك يا أستاذة.
علياء بدلال: تلميذتك يا أستاذ.
عماد:
بس تلميذة متفوقة, صحيح واضح أوي انك اخترتي الوقت المناسب اللي تضربي فيه ضربتك.
علياء: لا بصراحة بقا الفضل في الموضوع دة يرجع لماهر هو اللي خلاني أستنى لحد ما ييجي الوقت المناسب, انا كنت هستعجل وأبين التسجيل قبل دلوقت بكتير بس هو قالي انه ما كنش هيبقا ليه مفعول جامد طالما لسة بينهم عداوة, لكن لما شفت نظرات الغيرة النهاردة في عنين مريم وهي بتبصلي وأنا بكلمه عرفت ان دة هو الوقت المناسب, وفعلا كلامي ليها مع التسجيل اللي بصوت يوسف كان ليهم مفعول السحر عليها ولسة.
عماد: انا خلاص بقيت معتمد عليكي في الموضوع دة.
علياء:
اطمن, انا زيك بالظبط عاوزاهم يتطلقوا النهاردة قبل بكرة عشان ع الأقل أشفي غليلي, بس انت ليه ما جيتش الحفلة؟
عماد بنظرة خبيثة: أنا زيك بالظبط مستني الوقت المناسب عشان أظهر فيه, لأن واضح جدا ان وليد دة مش سهل خالص, وان التعامل معاه لازم يكون بحرص شديد.
علياء: ماشي يا عمدة بس ما تتأخرش احنا عاوزين نخلص بقا من الموضوع دة بسرعة عشان نشوف شغلنا احنا بقا.
عماد: اطمني, الضربة القاضية لأولاد جلال سليم الاتنين هتكون قريب أوي.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
يُعاد المشهد مجددا, حيث نرى حياة تقف في المطبخ وبرفقتها مريم تساعدها في إعداد الطعام ولكن تلك المرة في شقة حياة نفسها, كانت مريم تفعل ما تطلبه منها حياة بصمت وهي منشغلة البال وقد لاحظت حياة ذلك فسألتها فجأة: مالك يا مريم, مسهمة كدة ليه؟ انتي تعبانة؟
حاولت مريم إخفاء نبرة الألم في صوتها وهي تجيب: لا أبدا, أنا كويسة ما تشغليش بالك.
ثم أرادت إلهاء صديقتها بأمر آخر فسألتها:
هو وليد قالك مين اللي هييجي النهاردة؟
حياة وقد بلعت الطعم الذي ألقته مريم: لا, يمكن عشان هو متأكد اني أكيد مش هكون عارفة أي حد من الوسط دة, بس هو قالي انه زيادة علينا هيكون فيه اتنين من رجال الأعمال المهمين.
وسمعت كل منهما صوت الهاتف تتعالى رناته في الخارج إلى أن انقطع فجأة كما ظهر فجأة حيث بدأ أن أحدهم قد تولى الرد عليه, وبعد دقائق قليلة دخل وليد المطبخ وهو يقول لحياة وقد بدا عليه الانزعاج: حياة! فيه واحد من الضيوف اعتذر لأنه حصل عنده ظرف طارىء خلاه يسافر فجأة.
حياة: طيب والتاني؟
وليد:
مادام لسة ما اعتذرش يبقا اكيد هييجي. انتوا خلصتوا ولا لسة.
فردت حياة وهي تضع إحدى الأواني في الفرن: تقدر تقول خلاص, يعني كلها ان شاء الله نص ساعة بالكتير وتكون كل حاجة جاهزة.
وبعد مرور نصف الساعة تقريبا أحاط الجميع بطاولة الطعام وكانوا وليد و يوسف وهدى وكذلك عماد شاكر, وكانت هدى تتحدث بتلقائية منقطعة النظير الأخرون يشجعونها مرة بالمديح وأخرى بنظرات الاعجاب, أما مريم وحياة فكانتا لا تزالان في المطبخ لوضع اللمسات الأخيرة, إلا أن سمعتا نداء وليد العالي الذي يستحثهما على الإسراع: هو احنا مش هناكل النهاردة ولا ايه؟ ولا أقول للضيف يفوت علينا بكرة.
ثم أعقبت دعابته ضحكات الآخرين, فابتسمت مريم وهي تقول لحياة: جوزك دة فضيحة. بس ابن حلال.
فنهرتها حياة وهي تحمل طبقا كبيرا محملا بالطعام وتخرج به من المطبخ: طب بطلي غلبة وحصليني بالباقي.
وخرجت حياة متوجهة إلى حجرة الطعام وتزين وجهها ابتسامة حلوة تسحر القلوب, وتقدمت منهم لتضع الطبق الذي في يدها في المنتصف من الطاولة وهي لا ترفع عينيها عنه, فقال وليد مداعبا: يااااااه, كل دة عشان حتة ديك رومي, دة خلاص عماد كان قرب ياكلنا احنا شكل كدة مراته مجوعاه في البيت زي مانتي ما بتعملي فينا دلوقت.
فرفعت حياة حينيها لأول مرة وهي تتمتم بكلمات الاعتذار المعهودة: أنا آسفة, الديك كان لسة…………
ثم ماتت باقي الجملة على شفتيها فور أن تعرفت على الضيف, نعم هو!, انها لم تستطع نسيانه طوال هاتين السنتين الماضيتين, فكيف للضحية أن تنسى وجه الجاني مهما طالت السنوات. ولكن أيعقل أن يكون هو من بين كل رجال الأعمال في الدولة صديق زوجها؟! والتقت عيناهما وقد ظهرت على وجهه علامات الحيرة وكأنه يحاول أن يتذكر أين رأى ذلك الوجه سابقا؟ بالطبع فكيف له أن يتذكر ضحية واحدة من بين ضحاياه التي لا تعلم لهن عددا؟ ماذا تقول؟
بل ماذا تفعل وكيف تتصرف في هذا الموقف الذي لا تحسد عليه؟
وبدأت حياة بالفعل تشعر بالخدر يتسلل إلى كل مكان في جسمها حتى أخذت الدنيا تغيم في عينيها فلم تعد ترى أو تسمع شيئا مما حولها إلى أن أغمى عليها وكان وليد أسرع في ردة فعله حيث تمكن من الامساك بها قبل أن تسقط على الأرض.