فانتبهت مريم اليها بكل حواسها وعينيها مليئة بالتساؤل, ولم تجعلها علياء تنتظر كثيرا, فأخرجت هاتفها من حقيبة يدها وضغط على بعض أزراره ومريم تنظر اليها بعيون جامدة وأعصاب مشدودة وسمعتها تقول: اللي هسمعهولك دلوقت تسجيل صغير لكلام يوسف بنفسه.
وفجأة سمعت مريم صوت زوجها الذي لا يمكن أن تخطئه أبدا يتردد عبر الهاتف وهو يقول: علياء .كل اللي انا عاوزك تفهميه كويس ان الجوازة دي كانت جوازة مصلحة, يعني تقدري تسميها صفقة مش اكتر.
علياء بعدم تصديق: صفقة! وعاوزني انا اصدق الكلام دة!
يوسف: تصدقي أو لا دي مشكلتك مش مشكلتي , بس انا اللي عندي قلته.
علياء: بس يا يوسف انا اللي اعرفه بقا ان كل صفقة بيبقا ليها ميعاد محدد تنتهي فيه,يا ترى انت بقا جوازك من النوع دة ولا من نوع الى الابد الى الابد؟!
يوسف: انتي كدة بدأتي تفهميني, انا فعلا ناوي انهي جوازي بعد فترة,بس لما يحصل اللي انا عاوزه الأول.
وأغلقت علياء التسجيل وهي تعلق بنبرة حزينة مصطنعة: للأسف موبايلي جه لحد هنا وفصل شحن, بس طبعا انتي تقدري تستنتجي الباقي, ومش محتاجة أقولك هو ايه اللي يوسف كان مستنيه يحصل عشان يطلقك, طبعا كان يقصد انه لما يحط ايده الأول على كل ممتلكاتك وميراثك.
بدت مريم عاجزة عن الكلام وهي تنظر الى الفراغ والدموع تتجمع في عينيها اثر الكلام الذي سمعته, فأكملت علياء وهي تقترب من مريم بخطوات ثابتة مواسية: انا اسفة يا مريم, انا عارفة ان الكلام اللي انتي سمعتيه جرحك اوي بس أعتقد ان دة أفضل بكتير من انك تفضلي مخدوعة على طول, وكمان عشان تقدري بعد كدة انك تتحكمي في مشاعرك من ناحيته, لأن يوسف دة لا بتاع حب ولا جواز, يوسف الحاجة الوحيدة اللي ممكن تحركه هي المصلحة, و أنا عارفة كويس انه بعد ما يطلقك هيلاقي مصلحته معايا, وهترجع علاقتنا زي ما كانت في الأول.
مريم وهي تحاول أن تخفي نبرة الاحتقار التي تخللت صوتها: وانتي ازاي هتقبلي ترجعيله تاني وانتي عارفة كل الكلام دة؟
فابتسمت علياء بشيطانية وهي تجيب: أولا يوسف مش هيرجعلي ولا حاجة, لأنه وبكل بساطة هو أصلا ما سابنيش, وعلاقتنا زي الأول ويمكن أحسن كمان, ثانيا بقا أن كل الكلام دة مش هيفرق معايا كتير لأن زي ما يوسف مصلحته معايا أنا كمان مصلحتي معاه, يعني الصفقة اللي هتبقا بينا هيبقا فيها مكسب للطرفين بعكسك انتي تماما.
أحست مريم بأنها قد تلقت طـ,ـعنة قاتلة في قلبها ولكنها استطاعت أن تتغلب على دموعها الحارقة وبعد مجهود كبير استطاعت أن تخرج صوتها من جديد بعد أن كانت ظنت أنها ستعجز عن الكلام ومع أنه كان صوتا ضعيفا مرهقا ولكن استطاعت أن توقف به علياء في مكانها بعد أن كانت تستعد للرحيل: لو سمحتي سؤال أخير.
اكتفت علياء بنظرات الترقب ناحية مريم التي قالت: انتي ايه اللي خلاكي تيجي دلوقت وتقوليلي كل الكلام دة؟ يعني بمعنى أصح ليه ما استنتيش لما يوسف ينفذ خطته وبعدين تتجوزوا زي ما كنتم متفقين؟
وكأنها كانت تتوقع السؤال, فأجابت بكل بساطة وتلقائية:
لأن زي ما قولتي, دي كانت خطة يوسف مش خطتي وأنا وافقته بس عليها عشان أرضيه على أمل , سوري يعني, ان جدك لاقدر الله يمـ,ـوت في العملية اللي كان هيعملها, لكن دة ما حصلش ولما حسيت ان الفترة اللي كنا متفقين عليها ممكن تطول أو ان يوسف ممكن يغير رأيه…….
وقبل أن تكمل جملتها سألتها مريم بقلق: يغير رأيه ازاي يعني؟ قصدك انه يخطط انه يقـ,ـتل جدو عبدالرءوف بنفسه؟
فابتسمت علياء ابتسامتها الكريهة وهي تنفي بكل تأكيد:
لا طبعا, يوسف مهما كان بيب مصلحته الا ان عمره ما هيفكر في القـ,ـتل, بس كان ممكن يعمل تغيير بسيط في الخطة بتاعته, يعني بدل ما كان مزيف ولفترة محدودة فكان ممكن يخليه جواز حقيقي و اهو كدة كدة كسبان من كل ناحية يعني بما ان عبدالرءوف بيه بقا بيثق فيه أكتر من أي حد فسهل أوي انه يخليه المتحكم الاساسي في كل أملاكه زي ماهو تقريبا عامله دلوقت وأهو بالمرة يبقا واخد عروسة فوق البيعة.
وعندما رأت نظرات مريم الغاضبة التي تشتعل نارا متجهة ناحيتها علمت أنها قد تمادت في استفذاذها, فقررت أن تصحح هذا الخطأ فورا فاستطردت حديثها قائلة باعتذار: انا اسفة ما كنتش أقصد, بس يوسف جلال انتي ممكن تتوقعي منه أي حاجة, لأن محدش يقدر يعرف اللي في دماغه.
فهزت مريم رأسها وكأنها تؤكد على كلامها فابتسمت علياء ابتسامة انتصار لم تلحظها مريم, وأكملت علياء وهي تهم بمغادرة المكان بنبرة مستكينة هادئة وكأنها تتوسلها: مريم! انا كل اللي بطلبه منك هو يوسف.
وعندما رأت نظرات الشك في عينيها أكملت:
ما تستغربيش, انا للأسف برغم كل عيوبه الا اني فعلا بحبه وهو دة اللي خلاني جيتلك هنا واعترفتلك بكل اللي حصل, انا بجد لو يوسف ضاع مني مش عارفة ممكن يحصلي ايه؟ سيبيه يا مريم لأنك بكل بساطة مش هتقدري تتعاملي معاه ولا هتقدري تعيشه في دنيته اللي هو عملها لنفسه, انتي مهما حاولتي تقربه منه هتفضلي بردو بعيدة وغريبة عنه, وقبل ما امشي ليا طلب أخير, ياريت يوسف ما يعرفش اني كلمتك في أي حاجة ولا يعرف كمان انك اكتشفتي حقيقته لأن لا أنا ولا انتي هنقدر نستعمل عقابه. عن اذنك.
وغادرت علياء بعد أن فجرت قنبلتها لتحرق كل من حولها وأولهم مريم تلك الصغيرة التي أصبحت تشعر بالضياع وبمدى سذاجتها عندما تخيلت في بعض الأوقات بأنها استطاعت أن تجذب إليها يوسف أو تقربه منها ولو قليلا, بل كان كل ذلك مجرد خدعة كان هدفه الوحيد من ورائها هو ثروة جدها. لم تعلم مريم كيف يمكنها أن تتصرف معه بعد الآن؟ بل كيف يمكنها أن تلتقي به دون أن تلقي في وجهه سلسلة من الاتهامات بناء على ما اكتشفته وسمعته بأذنيها؟
وظلت هكذا واجمة لبعض الوقت حتى أتتها بعض الأصوات من الخارج, فتذكرت الحفل الذي كانت قد تغيبت عنه كثيرا, وبعد أن كانت قد قررت أن تصعد الى غرفتها حيث لم يعد لديها الرغبة في رؤية أحد أو الدخول في أي نقاش الا انها عدلت عن رأيها أخيرا لآنها لا تريد أن يلحظ أحد تغيبها حيث أعتزمت أن تخفي الأمر عن الجميع وخصوصا هو الى أن تكشفه أمام جدها أولا ثم باقي الناس ممن يكنون له كل احترام وتقدير.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
نعود مرة أخرى الى الحفل لنجد هدى تقف بعيدا منبهرة بكل ما تراه من أجواء و ثياب لم ترى مثيلا لها الا على شاشات التلفاز أو اغلفة المجلات.
وبالطبع لم يبد أحد أي اهتمام بتلك الطفلة الصغيرة ذات الشعر الغجري الطويل التي تبدو لكل من يراها للمرة الأولى حادة الطباع كما لم يعلم عنها أحد سوى أنها قريبة صاحب الحفل, لذا فنجد أن الجميع قد تجنب الاحتكاك بها وقد ساعدتهم هي في ذلك حيث تجنبت هي أيضا الاشتراك في أي حديث فهي تجهل هوية الجميع, واكتفت بالمشاهدة من بعيد.
: مساء الخير.
فاجأها الصوت في البداية الى أن علمت صاحبه فابتسمت مرحبة: مساء النور, بس انت مش ملاحظ ان دي تاني مرة تخضني فيها؟
ماهر بابتسامة مشاكسة: اعملك ايه بقا؟ مانتي السبب.
على طول مش مركزة, بس ممكن أسألك يا ترى المرادي مشغولة بايه؟
هدى بدون اهتمام: ابدا, بتفرج.
ماهر: ويا ترى عجبك السيرك؟
شعرت هدى بالاهانة لسخريته فاحمرت وجنتاها غضبا وقد لاحظ هو ذلك فازدادت ابتسامته اتساعا مما جعها تقرر أن ترد له الصاع صاعين فردت مراوغة: أكتر حاجة عجبتني هي القرود اللي فيه.
وبالطبع كان ماهر من الذكاء ليعلم بأنه تقصده هو بهه الكلمة ولكنه لم يبد عليه الضيق الشديد بل كانت مجرد تقطيبة بسيطة على جبينه وقرر بعدها تغيير موضوع حديثهما فسألها: قوليلي بقا, عاملة ايه في دراستك؟
فردت هدى بارتياح بعد أن قد سجلت نقطة في صالحها حيث نجحت في استفذاذه هي أيضا: عادي. كلها دراسة.
ماهر: أفهم من كدة انك مش حابة دراستك في كلية الاعلام؟
هدى: مش بالظبط, بس مش فارقة معايا كتير. انا كان هدفي اني ادخل الجامعة وأكمل تعليمي وخلاص, ومش شرط بقا في كلية معينة.
ماهر متعجبا: ازاي يعني؟! يعني انتي مش ناوية تشتغلي بعد ما تتخرجي؟
هدى بسخرية: لا طبعا, انا ناوية اتجوز وأقعد في البيت أربي العيال.
ماهر: انتي بتتريقي؟
هدى: أكيد طبعا بتريق؟
أنا يمكن صحيح دخلت الكلية دي كتحدي ومش عن افتناع أوي الا اني مش بحب أفشل في أي حاجة بعملها وأكيد بعد ما اتخرج ناوية أشتغل .هو انت مش مؤمن بعمل المرأة ولا ايه؟
لم يعلم ماهر بم يمكنه أن يجيب سؤالها؟ فقد كان حريصا كل الحرص على ألا يثير غضبها ففكر قليلا في أحد الحلول الوسطية ولكنه في النهاية قرر أن يقول الصدق: في الحقيقة لا, انا عن نفسي شايف ان عمل المرأة الحقيقي في بيتها مع جوزها و اولادها.
هدى باستياء: بقا موضة قديمة أوي الكلام دة.
ماهر مداعبا:
طيب مانا ممكن أجدد نفسي, اعمليلي انتي بس أب تو ديت كدة وأنتي هتلاقيني أحدث موديل.
فابتسمت هدى وكان الخجل يشوب ابتسامتها الصافية, ثم قال لها ماهر بكلمات مترددة: هدى! هو أنا ممكن أسألك سؤال؟
أجابتة هدى بهزة خفيفة من رأسها, فكان سؤاله المفاجىء: أنا على حسب علمي انك انتي ووليد كنتم شبه مخطوبين, فياترى انتي لسة بتفكري فيه دلوقت؟
رأى ملامحها قد تبدلت لتعبر عن الامتعاض الشديد وقد انتظر أن تخبره بأن ذلك ليس من شأنه ولا يحق له التدخل في هذا الأمر ولكنه سمعها تقول بعفوية وكأنها كانت بحاجة إلى من تتحدث إليه بحرية, شخص ليس من حقه انتقادها أيا كان ما ستقوله له: ما اكدبش عليك و أقولك اني نسيت اللي حصل وإن بجوازه من حياة أهني إهانة كبيرة, لكن مش حاسة أوي اني خسرت كتير لما خسرته.
فظهر شبح ابتسامة على محياه وهو يقول: دة معناه انك ما كنتيش بتحبيه أصلا.
هدى:
الحقيقة مش عارفة, أنا كل اللي أعرفه اني من يوم ما وعيت ع الدنيا وأنا بسمعهم يقولوا ان وليد وهدى مخطوبين واننا من نصيب بعض لحد مانا خلاص بقيت بتعامل ع الأساس دة بالرغم من ان وليد نفسه عمره ما حسسني ان الموضوع مهم أوي بالنسباله زي ما كنت بعتبره مهم بالنسبالي.
ماهر: يعني لو اتقدملك دلوقت واحد مناسب شايف انه هيقدر يسعدك ممكن توافقي عليه؟
شعرت هدى بالاحمرار يغزو وجهها عندما فهمت ما يقصده وحاولت الهروب من نظرات عينيه التي تطالبها بالاجابة على سؤاله, ولم تجد هدى من ينقذها من هذا الموقف المحرج غير صوت حياة التي ظهرت فجأة أمامهما تقول لهما برفق: السلام عليكم.
وانتظرت حتى رد الاثنان السلام , وقال لها ماهر بينما أشاحت هدى بوجهها عنها: اهلا مدام حياة, الحقيقة أنا بحيي حضرتك على التنظيم الرائع دة للحفلة.
حياة: متشكرة ليك جدا يا استاذ ماهر بس الحقيقة انا جيت عشان أقولكم ان وقفتكم كدة بعيد لوحدكم مش كويسة أوي دة حتى وليد لاحظ كدة وهو اللي بعتني.
وقبل أن يرد ماهر كانت هدى أسرع منه بنبرة حادة غاضبة: وانتم بقا مالكم ومالي؟ انا اعمل اللي انا عاوزاه, وما افتكرش ان حد عينكم أوصيا عليا سواء انتي أو جوزك.
شعر ماهر بحرج حياة فحاول أن يتدخل لمعالجة الأمر بصوت هادىء معتذرا: أنا آسف يا مدام حياة, حضرتك معاكي حق بس احنا مش بنتكلم في أسرار يعني دة غير اننا مش بعيد أوي للدرجة.
فاتجهت هدى بغضبها اليه: انت كمان بتعتذرلها؟ هي مش ليها حق تتدخل في حياتي, انتي فاهم, مفيش أي حد من حقه انه يتدخل في حياتي مش كفاية انك أخدتي وليد؟ عاوزة تاخدي مين تاني؟
ثم ركضت إلى داخل الفيللا وهي في قمة غضبها تتبعها نظرات حياة المليئة بالشفقة, وتابع ماهر اعتذاره لها: ياريت حضرتك ما تاخديش على كلامها, هي أكيد ما كانتش تقصد.
بالطبع لم تكن حياة بهذا الغباء لتلوم هدى على ما تفوهت به في لحظة غضب بل إنها أعطتها كل الحق فيما قالت وتمنت لو تستطيع في تلك اللحظة أن تخبرها بحقيقة زواجها من وليد وتخبرها أيضا بأنها تتعذب في قربها منه كما تتعذب هي في بعدها عنه.
وفي مكان آخر, كان يوسف يمسح المكان كله بعينيه وكأنه يبحثعن شخص ما, حتى فوجىء بعلياء تقف أمامه وتقول له بابتسامة ودلال:
يا ترى بتدور على مين؟
يوسف: بدور على مريم, اديلي فترة مش شايفها, متعرفيش هي فين؟
فكذبت علياء وقالت: لا يا سيدي ما شفتهاش, وتسمحلي بقا أمشي وأسيبك تدور براحتك؟
يوسف: بدري كدة؟!
علياء: تقول ايه بقا, أصلي بقيت بنام بدري تقدر تقول كدة اني بحاول أتعود على حياة الزوجية.
فضحك يوسف وهو يقول: مفتكرش انك هتنجحي.
فمطت علياء شفتيها باستياء وهي تقول:
أديني بحاول يا سيدي, وما تنساش بقا انت معزوم عندي يوم الخميس زي ما اتفقنا, وعلى فكرة انا عزمت مريم بس هي قالتلي ان ملهاش في نوع الحفلات بتاعتي, شكلها كدة واخدة على الحفلات الأورديحي اللي زي دي.
يوسف: طيب ما تعفيني أنا كمان.
تظاهرت علياء بالحزن الشديد وهي تقول: أخص عليك يا يوسف, بجد هزعل أوي لو اعتذرت انت كمان, مش كفاية مراتك يعني؟
ولأنه كان من غير اللائق أن يرفض دعوة كهذه لذا قال بدون حماس يذكر: خلاص, ان شاء الله هاجي.
علياء بسعادة بالغة دفعتها إلى أن تمسك يديه وتضغط عليها بامتنان:
أنا كنت متأكدة بانك مش ممكن تكسفني يا يوسف, وخصوصا انك عارف ان أد ايه حضورك مهم بالنسبالي, هستناك بقا ما تنساش, ياللا سلام.
ثم غادرت علياء المكان ويوسف يشيعها بعينيه ولم يعلم أن هناك عينان أخريان تتابعاه من بعيد, وبالطبع لم تكن سوى عيني مريم التي لم يعد لديها أدنى شك في صحة ما قالته علياء.