يوسف بفخر: طبعا لازم تكون جميلة, مش انا اللي اشتريتها؟
فنظرت له مريم بغيظ, فقال يوسف: لالالا بلاش التكشيرة دي , النهاردة بقا انا مش عاوز اشوف غير الابتسامة وبس.مفهوم؟
مريم بانفعال: ماهو انت اللي بتستفذني.
يوسف بعيون ضاحكة: خلاص يا ستي مش هستفذك تاني, فين بقا الابتسامة الحلوة؟
فابتسمت مريم رغما عنها, فمن الواضح انه لا يزال يعتبرها كالطفلة وهذا يتضح حتى في طريقة مداعبته لها, ولكنها تفضل ذلك عن غضبه الذي يصعب التعامل معه.
وبينما وهما في غمرة سعادتهما جاءهما من الخلف صوت انثوي رنان يقول: ايه دة معقولة؟ يوسف! انا مش قادرة اصدق!
فينك من زمان وفين ايامك؟
استطاعت مريم ان تفهم من كلام تلك المرأة ونبرة صوتها وكذلك من ارتباك يوسف, بأنها كانت احدى عشيقاته القديمات, ولكنها حاولت ان تخفي ضيقها الشديد وخصوصا في حضور تلك السيدة, واكتفت بمراقبة زوجها الذي قد نهض ليسلم عليها بكل ود: ازيك يا سمر, عاملة ايه؟
سمر بدلال: يعني هو انت كنت بتسأل؟
حاول يوسف ان يتجاهل كلامها وقال وهو يشير الى مريم: اسمحيلي اقدمك مريم مراتي.
ثم اشار الى المرأة الاخرى وهو يكمل التعارف: ودي يا مريم سمر وهيب.
لاحظت مريم وهي تصافح تلك السيدة ذات اليد الباردة بأنه قد اكتفى بذكر اسمها فقط وتجنب ان يذكر مدى علاقته بها, فعلمت انه في حيرة من أمره, فماذا يمكنه ان يقول؟ هل يقول صديقتي ام عشيقتي؟
وعندها شعرت بالدموع الحارة تملأعينيها ولكنها حاولت ان تخفيها خلف ابتسامته الباهتة وهي تستمع الى تعليقات سمر ذات النبرة الساخرة التي بدا على يوسف بأنه لم يلاحظها: الف مبروك يا مدام, بجد برافو عليكي انك عرفتي توقعيه, احنا عمرنا ما كنا نتوقع ان يوسف ممكن يدخل القفص أبدا.
وكان يوسف هو من تولى الرد عليها محيطا كتف زوجته بذراعه:
وليه بقا ما تقوليش ان انا اللي عرفت اوقعها, مريم دي جوهرة, وانا فعلا محظوظ انها بقت من ممتلكاتي.
فأكدت سمر على كلامه بنفس سخريتها المبطنة: معاك حق يا يوسف, مراتك زي القمر, ربنا يسعدكم, اسمحولي بقا استأذن, شكلي كدة قطعت عليكم الجو الرومانسي الحلو دة.
يوسف: طيب ما تقعدي تتعشي معانا.
سمر: لا يا سيدي, انا مستنية ناس عازميني هنا هروح استناهم على ترابيزتنا, بتمنالكم سهرة سعيدة بقا.
وقبل ان تغادر قالت: يوسف ما تنساش تبقا تكلمني, اكيد انت لسة معاك رقمي, وانتي كمان يا مدام مريم.
فهزت مريم رأسها موافقة بينما قال لها يوسف:
ان شاء الله.
وابتعدت سمر فجلس يوسف على كرسيه مرة أخرى وعندما لاحظ مسحة الحزن التي تكسو وجهها حاول تدارك الامر واستعادة الجو الشاعري الذي كان يسودهما قبل مجيء سمر, فقال بابتسمة ساحرة, ولكنها لم تؤثر على مريم هذه المرة: قوليلي بقا يا مريم احنا كنا بنقول ايه قبل ما سمر تيجي؟
فقالت مريم بنظرات حادة وصوت قاطع: يوسف! انا عاوزة اروح.
الحلقة الخامسة والعشرون
*مزيدا من الآلام*
لم تعلم على من يمكنها أن تلقي باللوم؟ فهل ستلوم الظروف التي دائما ما تعترض طريق سعادتها معه وتبعدهما أميالا كلما حاولا الاقتراب خطوة؟ أم تلوم هؤلاء الاشخاص الذين يظهرون غالبا من العدم ليعكرون صفو حياتهما؟ أم تلومه هو ذلك الشخص ذو الماضي الذي لا تستطيع أن تتقبله بكل مساوئه؟ أم انها توجه اللوم الى نفسها لأنها تعلقت بالشخص غير المناسب, رجل لا يمكنه ان يسلم قلبه بسهولة لأي إمرأة حتى وإن كانت زوجته؟
هكذا قضت مريم ليلتها يجافيها النوم وهي تفكر في حل مناسب لمشاكلها التي لا تنتهي عندما يمون يوسف جلال طرفا فيها وتتساءل ما إذا كان هو الآخر يشغل نفسه بتلك ا؟لأمور ويريد لعلاقتهما النجاح أم أنها هي البلهاء الوحيدة التي تسعى وراء السراب؟
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
أقيم حفل افتتاح شركة My Life للمعمار الخاصة بوليد جلال في الفيللا كما كان متفقا عليه من قبل, وقد أعدت كل من مريم وحياة لهذا الحفل بكل دقة وترتيب حيث أخرجتاه في أكمل صورة.
كان كل من وليد يوسف يقومان بدور المضيف وقد تلقى وليد الكثير من التهانىء والمباركات, ويوسف كذلك حيث كان البعض يعتقد ان تلك الشركة ما هي الا فرعا جديدا لشركة المعمار الأم وهذا باضبط ما كان يريده يوسف لأن اسم شركة المعمار سيضيف الكثير لأخيه في بداية طريقه. وكان الضيف يتجمعون في حلقات حول بركة السباحة وكل منهم يتناقش مع الاخر فيما يتعلق بالعمل والصفقات المختلفة, فكعادة رجال الأعمال دائما يتصيدون كل فرصة مهما كانت صغيرة في القيام ببعض الأعمال التي تعود عليهم بالمزيد من الأرباح حتى في المناسبات الاجتماعية, فما بالك باحتفال أقيم خصيصا لهذا الغرض؟
كان الاخوان هما نجمي الحفل بوسامتهم وجاذبيتهم وكذلك ذكائهم في التعامل ولباقتهم في الحديث يتنقلان من حلقةإلى أخرى, ويقوم يوسف بتقديم أخيه إلى جميع رجال الأعمال والمهندسين مع كلمات المدح والإطراء التي لم يجد صعوبة في العثور عليها ليذكي بها شقيقهبل لنقل ابنه الكبير كما كان يعتبره.
ورغم غرابة الأجواء بالنسبة لكل من مريم وحياة الا انهما قد استطاعتا اثبات كفاتهما في ذلك المجال وقد تعرفتا خلال وقت قصير جدا على معظم الزوجات اللاتي حضرن الحفل وقد كانت النساء تعجبن من لباقتهما وحسن ضيافتهما رغم صغر سنهما ويجذبهن حجابهن الجميل والأنيق والذي كانت تفتقر اليه الباقيات.
وفي الوقت الذي كانت تقف فيه مريم وحياة مع بعض النساء يتحدثون في بعض أمور ربات البيوت التي لم تكن تشغل فكرهما كثيرا لانهما كانتا بعيدتين كل البعد عن تلك الصفة,جذب انتباه مريم تلك المرأة التي اقتحمت فجأة الحلقة التي كان بها زوجها, هذه المرأة التي تتذكر جيدا مدى أنوثتها وجاذبيتها فإنها بالطبع لم تكن سوى علياء!
لاحظت مريم من بعيد رغم انها لم تسمع حديثها معهم إلا أن جميع الرجال قد تقبلتها في حلقتهم بكل بساطة وكان ذلك واضحا تماما من تلك الضحكات التي استطاعت سماعها جيدا من مكانها ذلك, لاحظت حياة انشغال صديقتها بأمر ما كما شعرت بتغيير تعابير وجهها فوجهت عينيها إلى حيث كانت تنظر مريم لتعلم السبب وراء تجهمها ذلك, فهمست اليها دون أن يلاحظ أحد بذكائها المعهود: أكيد دي علياء.
هزت مريم رأسها بشكل تلقائي مؤكدة تخمين صديقتها التي استمرت تقول: شكلها كدة مش سهل خالص.
ومرة أخرى تهز مريم رأسها بعفوية مؤكدة على كلام حياة وهي تشعر بنيران تتأجج في صدرها كما أنها شعرت أيضا برغبة ملحة في الذهاب الى علياء وطردها من المكان أمام الجميع ولكن منعها من ذلك حرصها الشديد ان تبدو بمظهر الضيفة الودودة أمام الجميع عامة وأن تبدو بمظهر الزوجة الذكية الحريصة على مصلحة زوجها أمام يوسف خاصة, سمعت حياة تقول لها مشجعة: يمكن صحيح تكون منافسة قوية لكن انتي بردو لسة أدامك الفرصة انك تحافظي على جوزك وتحميه.
حادت مريم بنظرها بعيدا عن المكان الذي كانت تقف فيه علياء وهي تميل إلى زوجها وتهمس له ببضعة كلمات تجعله يضحك بصوت عال أما هي فتبتسم ناظرة اليها بتحد واضح دون أن يراها أحد بشكل, شعرت مريم ولأول مرة استطاعت مريم أن تعترف لنفسها على الأقل بأنها كانت تشعر بالغيرة من علياء ومن سمر ومن أي إمرأة أخرى تقترب من زوجها ولكنها حاولت جاهدة أن تبدو هادئة وهي ترد على حياة قبل أن تنسحب من بين تلك المجموعة بثبات وهي ترسم على شفتيها ابتسامة زائفة وكأن الأمر لا يعنيها: ومين قالك ان انا عاوزة أعمل كدة؟
الموضوع مش فارق معايا أصلا, يعملوا اللي هما عاوزينه.
تغيبت مريم لفترة عن الحفل, حيث دخلت الفيللا وجلست وحدها على أحد الكراسي في الصالون لتنفرد بنفسها قليلا بعيدا عن يوسف وبعيدا عن علياء وعن كل من يمكنه أن يزعجها. فلقد اكتشفت لتوها أنها تغير عليه وقد شعرت بأن تلك الغيرة تقـ,ـتلها في أكثر من موقف. فهل الغيرة هي دليل الحب كما يقول البعض؟!
: أنصحك بلاش.
انها هي نفس نبرة الصوت التي أصبحت تزعجها كثيرا, لذلك لم تفاجىء مريم كثيرا عندما نظرت خلفها لتجد علياء ترمقها بنظرات متكبرة أغاظتها كثيرا ولكنها قررت ألا تسمح لتلك المرأة باستفزازها فنهضت وهي تقول بابتسامة حاولت أن تحمل بها الكثير من الود الذي ل تشعر به تجاه هذه المرأة وتقول: اهلا مدام علياء, أي خدمة ممكن أقدمها لحضرتك؟
بدأ أن كلامها لم يرق لعلياء, فقالت وهي تتقدم لتجلس على أحد الكراسي واضعة قدما فوق الاخرى بكل تعالي وكبرياء: بصراحة أنا اللي جاية أقدملك خدمة عمرك يا مريم, تسمحي أقولك مريم كدة من غير ألقاب؟
تجاهلت مريم السؤال الأخير لأنها بداخلها لا تريد رفع الألقاب بينها وبين تلك المرأة, فذلك لا يحدث سوى بين الأصدقاء وعلاقتها بعلياء بعيدة كل البعد عن الصداقة, وحاولت أن تتحلى بالهدوء وهي تجلس قبالتها وتسألها:الحقيقة مش فاهمة, ياترى ايه هي الخدمة اللي ممكن تقدميهالي؟
علياء: أنا جاية عشان أجاوبك ع السؤال اللي محيرك لحد دلوقت وانتي مش لاقيه ليه أي إجابة مناسبة.
مريم بدهشة: سؤال ايه؟
علياء: هو يوسف اتجوزك ليه؟ مش دة هو السؤال اللي مطير النوم من عينك؟
حاولت مريم أن تحافظ على هدوءها قدر المستطاع رغم البركان الذي كان تفجر بداخلها بسبب تدخل تلك السيدة في حياتها بهذا الشكل الغير لائق, ولكنها لم ترد أن تكون فظة في حديثها معها وهي تقول لها: والله أعتقد ان دي حاجة ما تخصش حضرتك.
لاحظت مريم أن كلامها قد أغضب علياء بعض الشيء وظهر ذلك جليا في نبرة صوتها التي ارتفعت قليلا وهي تقول بحدة: انتي غلطانة يا مريم, لان الموضوع دة يخصني زي ماهو يخصك.
مريم: ودة يخص حضرتك في ايه بقا؟
علياء:
يخصني لأن يوسف دة بتاعي, ملكي انا يا مريم, ومش هسمح لأي واحدة تاني انها تاخده مني, انتي فاهمة؟
لم تندهش مريم من معنى كلامها بقدر ما اندهشت من جرأتها وهي تتفوه به, ولكن ما زالت مريم تحافظ على هدوءها وهي تقول: المرادي بقا انتي اللي غلطانة يا مدام علياء, لانك واضح جدا انك نسيتي ان يوسف دة بقا جوزي انا.
وبعكس توقعاتها سمعتها مريم تضحك بصوت عال يكاد يصم أذنيها, ثم قالت ساخرة: أي جواز دة اللي بتتكلمي عنه؟ قصدك يعني ع العقد دة اللي بينك وبينه واللي سهل أوي انه يتلغي في أي وقت؟
إذن فهي تعلم كل شيء! ومن الواضح أن يوسف هو من أخبرها به, وقد كانت تلك الحقيقة هي ما صدمتها كثيرا, ولكنها لم تعلق بشىء, مما سمح لعلياء بالاستمرار في حديثها بطريقتها المستفزة التي أصبحت لا تطاق مؤكدة شكوكها: ما تستغربيش أوي كدة, انا يوسف عمره ما بيخبي عليا حاجة, احنا أصدقاء من زمان وفاهمين بعض أوي عشان كدة بقولك ان انا كنت اكتر واحدة جديرة بيه.
استطاعت مريم بصعوبة أن تمنع تخفي نيرة الحزن في صوتها ليبدو ثابتا وهي تقول: لو كان صحيح اللي انتي بتقوليه دة, يبقا ليه ما فكرش انه يتجوزك؟
اكتسب صوت علياء الكثير من الحقد وهي تجيب: عشان جيتي انتي وجدك ووقفتوا بيني وبينه.
مريم: ازاي؟
علياء: صحيح انا صاحبة سلسلة بوتيكات مشهورة, بس مهما كان بردو اللي عندي أقل بكتير من ثروة جدك عبدالرءوف دة غير الشراكة اللي بتجمع بين شركة يوسف وشركة جدك, واللي ممكن بكل سهولة تتحل لو بعد الشر يعني جدك مات, ودة طبعا هيسبب خسارة كبيرة ليوسف, عشان كدة كان محتاج نوع معين من الضمان يضمن بيه مستقبل شركته, وانتي بقا يا مريم كنتي الضمان دة.
مريم: انا!
علياء:
طبعا, مش انتي أحد الورثا, دة غير كمان ان ليكي النصيب الكبير في ثروة جدك, ويوسف بجوازة منك هيبقا من السهل عليه انه يتحكم في نصيبك وبكدة تفضل الشراكة مستمرة او على الأقل حتى لو اتفكت مش هيكون خسر كتير, بالعكس طبعا ميراثك لوحده هيبقا أكبر مكسب ليه في صفقة جوازكم.
بهتت مريم لسماعها هذا الكلام عن حقيقة جوازها بيوسف, أيمكن لهذا الشخص الذي اعتقدت بأنها أصبحت تعرفه جيدا يكون بتلك الوضاعة والانتهازية التي تصورها لها علياء؟
لكن ما زال هناك جزء من عقلها يرفض تصديق ذلك فمهما كانت عيوب يوسف كثيرة الا انهالا يمكنها أن تتخيله أبدا ذلك الشخص الذي لا يحركه سوى الطمع, وبدا أن علياء قد شعرت بمدى الحيرة التي قد استولت عليها, فأصبح صوتها يحمل بعض الود وهي تقول: أنا عارفة يا مريم ان صعب أوي تصدقيني, وانك يمكن كمان تكوني اتعلقتي بيوسف لدرجة انه بقا مستحيل عليكي تصدقي عنه حاجة زي كدة, بس أنا بقا عندي الدليل على كل كلمة قولتهالك.