الإثم السادس و العشرون ج١ ذنـ,ـوب على طاولة الغفران نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم الإثم السادس و العشرون ج١ بعنوان ” قلوب تُعاني و أرواح تُقاتل ” كطير صغير كُسِر جَناحه عِند أول مُحاولة طيران له هذا هو الخُذلان.
الخيبة: هي انطفاء آخر ضوء كان ينير لك عتمة العالم حولك، فلا يعُد هُناك فرق بين النهار والليل، فالقلب أصبح أسيرًا للظلام.
الحنين : هو زائر غير مرغوب به عادةً ما يأتي في الليل ليطرُق أبواب قلوب ظنت أنها استطاعت لملمة أشلائها ليُبعثِرها من جديد .
الغدر : أن أكون ملاذك في جميع أوقاتك الصعبة وحين يأتيك الفرح لا تتذكر حتى إخباري.
فماذا عن قلب يُعاني من كل ما سبق؟!
نورهان العشري كانت تشاهد التلفاز بغرفتها لتتفاجئ بنبيلة التي دلفت إلى داخل الغرفة و لكن تجمدت الدماء بعروقها حين شاهدت ذلك الشيء الذي تُمسِك به
ـ ازيك يا شروق. عاملة ايه النهاردة ؟ تفرقت عيني شروق ما بين وجه نبيلة الذي تعج ملامحه بالخداع و ما بين يدها التي تُمسِك بكرسي مُتحرك يُشبه ذلك الذي تجلس عليه جدتها، ولكنها التزمت ضبط النفس و اجابتها بهدوء
ـ بخير الحمد لله. اتفضلي.
تقدمت نبيلة إلى داخل الغرفة وهي تقول بنبرة خبيثة
ـ تعرفي بيعجبني فيكي اوي انك بالرغم من كل شيء بتحافظي على هدوئك. مع أن ممتك مكنتش كدا.
شروق بجفاء
ـ الله يرحمها. نبيلة بتصحيح
ـ اه طبعًا الله يرحمها سوري بنسى أنها ماتت. اصلها كانت غالية عندي اوي. تصدقي وحشتني. شروق بجمود
ـ معلش، ومتثلقيش أنا ناوية افكرك بيها على طول. نبيلة بجفاء
ـ تقصدي ايه؟ شروق بجمود
ـ أقصد أن اللي خلف ممتش، و أحنا اهو جايين ناخد مكان مامتنا الله يرحمها و ورثها كمان.
قست نظرات نبيلة و هي تراها تُفصِع عن نواياها دون أدنى خوف أو حرص لتختار كلماتها بعناية حين قالت
ـ وماله. طب بما انك جاية تدوري على ورث أمك هنا. خدي دا أولهم.
جذبت المقعد المُتحرك ووضعته أمام شروق التي اندهشت من حديثها لتُتابع نبيلة بتهكم
ـ ايه دا هي امك مقالتلكيش. ماهو أبوكي لما شافها كانت على الكرسي دا. اصلها كانت تافهة اوي و اقل كلمه تجري تعيط، وفي مرة ليه وليه أن عز الدين نصرني عليها عملتلنا فيها مشلولة، ابوكي بقى الله يرحمه متجوزش عليه إلا الرحمة. استغل الموقف أسوأ استغلال، و لعب عليها. بس الصراحة هي كانت بتتلكك و نفسها حد يا حرام يبصلها، فهربت معاه من أهلها الوحشين.
كانت الكلمات كالأسهم النارية التي كانت تنغرز في قلبها وهي تُشفِق على ضعف والدتها و مدى الآلام التي خابرتها و عايشتها للحد الذي فقد جسدها قدرته على الحركة، وبالرغم من كل هذا القدر الهائل من الألم الذي تشعُر به ولكنها ظلت على ثباتها وهي تقول بجفاء
ـ طب والله لفته حلوة منك انك عرفتيني بوجود الكرسي بتاع ماما دا، وجبتيه لحد عندي ياترى بقى هيبقى عندك الجرأة انك تديني كل اللي يخصها! اصلي مش ناويه أسيب حاجه.
لم تكد نبيلة تُجيبها حتى تفاجئت بعمر الذي تفاجئ هو أيضًا بها وهو يدلف إلى داخل الغرفة فإذا به يقف مبهوتًا وعينيه تتفرقان ما بين شروق و والدته وهذا المقعد الذي يحمل له ذكرى سيئة داخله، ولكنه سرعان ما تجاهلها وهو يقول بجفاء
ـ بتعملي ايه هنا يا ماما؟ تولت شروق الإجابة وعلى الرغم من ثبات نبرتها إلا أن الحزن كان يتحلى بوضوح في عينيها
ـ ممتك مشكورة كانت جيبالي الكرسي بتاع ماما عشان اقعد عليه. يعني بتساعدني زي ما كانت بتساعدها. مش كدا يا طنط؟
نبيلة بنبرة لينة
ـ أنا ليه حاسة انك زعلتي! أو فكرتك بحاجة ضايقتك ! انا بس غرضي اني اساعدك والله. شروق بجمود وهي ترفض هذا الضعف الذي يسري في أوردتها
ـ طيب و ياترى هتقدري تساعديني في انك تديني حقوقي من أمي، ولا المساعدة عندك بالطريقة دي بس! لم تتوقع أن تكُن صريحة إلى هذا الحد ليُباغتها عمر باستفهام جاء عبر نبرة قاسية و كأنه من تألم من هذا الموقف وليس شروق
ـ صحيح يا ماما. أنتِ ممكن ترفضي ان البنات ياخدوا حقهم من عمتي؟
لأول مرة يعجز عقلها عن العمل ولم يُسعفها الرد المُناسب، و خاصةً و هي ترى هذه النظرات المتوعدة من جانب شروق التي حين طالب انتظار نبيلة تحدثت بجمود
ـ متحرجش ممتك يا عمر. نواياها معروفة مش محتاجة سؤال. استغلت نبيلة حديث شروق وقالت بنبرة زيفت بها الحزن
ـ و ايه هي نوايايا؟ تعرفي ايه عن نوايايا؟ ولا هو الظلم دا داء عندكوا كلكوا؟ تهكمت شروق قائلة
ـ بصراحة نواياكي متهمنيش اوي. عشان مهما كانت انا هعمل اللي في دماغي و هاخد حقي انا واختي.
كان عمر يحارب ذكريات مريرة في طفولته التي يبغضها أكثر من أي شيء، و خاصةً حين وصل إلى مسامعه صوت عمته وهي تهتف بذُعر
ـ حرام عليكي يا نبيلة. انا معملتش فيكي حاجه. ابعدي عني. نبيلة بتجبر
ـ بقى عاملة نفسك مشلوله عشان تستعطفيهم، و مفكرة انك هتنتصري عليا؟ تبقي لسه متعرفيش، و اخوكي اللي طلعك حرامية دا. بكلمة مني ممكن اخليع يدفنك بالكرسي بتاعك دا. قالت جملتها الأخيرة وهي تجذبها من يدها قائلة بحدة
ـ قومي يالا بطلي تمثيل. فكراني هبلة و هصدقك.
لم تفلح توسلات نسمة في أحداث ولو شرخ بسيط في جدار القسوة الذي يُحيط بقلب نبيلة، فإذا بهذا الطفل ذو العشرة أعوام يتحرك قلبه ذُعرًا على عمته فيندفع نحوها يفترش الأرض بجانبها وهو يقول بصراخ
ـ ماما بتضربي عمتو ليه؟ تفاجئت حين شاهدت عمر وهو يحتضن عمته لتهتف بغضب
ـ ولد ايه اللي دخلك هنا؟ لم يُجيبها عمر إنما أخذ يُعانِق نسمة التي كانت ترتجف بين يديه لتهتاج نبيلة وهي تجذبه من بين أحضانها
ـ سيبي ابني. قولتلك اوعي يا حيوانة.
على صراخ الصغير و معه نسمة ليهتف عمر بغضب
ـ والله لهقول لتيتا و بابا. و إذا به يتفاجىء بصفعة قوية سقطت على خده جعلته يتراجع إلى الخلف لتقول نبيلة بشراسة
ـ كلمتي تمشي على رقبتك. سامع؟