الإثم الثاني و الثلاثون ج١ ذ.نوب على طاولة الغفران نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
الإثم الثاني و الثلاثون ج١ بعنوان ” إمرأة بعثرها الع\شق ”
كيف تُريد من أمرأة مثلي لا تعترف بالوسطية أن تع\شق رجل مثلك يقضي حياته مُتأرجحًا بين الشيء و نقيضه؟ رجل يتقن اللعب في منطقة الوسط بكل احترافية، لا يقترب ولا يبتعد، يع\شق ولا يقول، يغ.ضب و لا يصرُ.خ، يشتاق ولا يتحدث. يغتر بنفسه كثيرًا على الرغم من أن جزءً منها يمقُت الآخر، فلا يهتدي أيًا منهمَ إلى دربًا واحدًا، فهُناك حربًا صامتة تدور بينهم ما بين البقاء و التلاشي، وهو لا ينصر خصمً على الآخر، فهو يُفضل الرمادي على جميع الألوان لأنه من صنع يداه. يتبارى بالحديث في كافة الأصعدة كونه يحمل كل هذه الأضداد في داخله.
بينما أنا لا اعترف سوى بالترادُف، ولا أهوى دمج الألوان، فإما أبيض أو أسود لا يُعجبني نتاج مزجهم، كيف لي أن أع\شق كل هذه التناقدات معًا و أن أتعايش مع كل هذه الأضداد؟ و أنت حتى لا تترأف بي و تُهديني الطمأنينة حتى ولو كانت على سبيل العطف، فكلما احترت و تشتت عقلي أخبره بأن بر نجاتنا يلوح بالأفاق، فعندما تحنو عيناك و تخبرني أي ع\شق يخالج صد.رك تجاهي تقسو شفا.هك وهي تُنكره، و تُذكرني بأنه إلى جانبك لا يُمكنني أن اح.تضن سوى السراب.
أتمنى أن تجد حلاً لكل هذه التضاربات التي تحجب عني السلام بقربك، فربما قد يجعلنا ذلك نقف سويًا على أرضٍ صلبة لا تشبة موج البحر الذي يتقاذفنا إلى كل جانب حتى لا نستيقظ يومًا و نجد ان كل ما تبقى منا هو الحُطام. نورهان العشري
أخذت تدور حول نفسها في الغرفة التي شهدت على مُعاناتها و حيرتها منذ أن وصل إلى مسامعها هذا الحديث المس.موم من تلك المرأة التي لم ترتح لها أبدًا، ولكن هناك شعور قوي بأعماقها يُخبرها بأن هذا الحديث لا يق.ع تحت طائلة البلاغ الكاذب، انما هو الحقيقة المُرة التي آلمتها بقوة، و هُنا عن.فها قلبها بقسوة كونها تغافلت عن كل هذه الأشياء التي منحها إياها هذا الرجُل، فقد أشعرها لأول مرة بأن لها قيمة، و أن كرامتها شيء لا يُمكِن المساس به، و الأكثر من ذلك هذا الأمان الذي غمرها به، فحتى كوابيسها المُريعة تفر منها حين يكُن بجانبها.
ماذا تُريد أكثر من ذلك؟
تربعت على المقعد بتعب و غريزتها تصرُ.خ داخلها بأنها عاشت وحيدة منبوذة طوال ليتبدد الآن هذا الأمل الذي كانت تتمسك بخيوطه أنه في يوم من الأيام ستؤسس عائلة و تُنجِب أطفال يكونون هم العائلة و الونس. خرجت تنهيدة حا.رقة من جوفها وهي تتذكر اهتمامه بها طوال الأيام الماضية، و معاملته الحسنة لها و التي أحيانًا تخطو إلى مرحلة الدلال، فهي لن تنسى تلك الليلة التي استيقظت تصرُ.خ كعادتها لتجد ذراعيه تُحيطانها بحنو تجلى في نبرته وهو يهمس بجانب أذنيها
ـ اهدي و نامي اني چنبك. مفيش حاچة تجدر تجرب منك طول ماني اهنه.
وضعت رأسها بين كفوفها وعينيها تُفصح عن لوعتها بعد أن أقر قلبها بأنه وقع في غرام هذا الرجُل الذي كان في نظرها سيد الرجال، و هُنا تدخل العقل يلومها بقوة، وهو يُلقي الضوء على أحتمالًا قويّا لا تعلم كيف غفلت عنه؟ وهو أنه من الممكن أن تكُن هي أيضًا إمرأة عقيمة! لما قد تُضحي برجل مثله من أجل أقدار وضعها الخالق بحكمته، فإن كان قدرها أن تسعد بجانبه دون أن تُضبِح أم، فهي راضية.
ـ دا الموضوع باينه واعر جوي، و واخدك لدنيا تانية.
هبت من مقعدها حين سمعت صوته الرخيم يأتي من خلفها لترتبك الحروف فوق شفتيها وهي تُجيبه قائلة
ـ أنت چييت يا عمدة؟ ـ شايفة اي؟ نجاة بارتباك
ـ حمد لله على سلامتك. أجهزلك الوكل؟ ضيق عينيه وهو يُطالعها بترقب، فهي شفافة كثيرًا و ملامحها كالمرآة التي تعكس ما يجول بداخلها، و قد كانت تحاول الهرب بنظراتها منه ليقول باختصار
ـ حد ضايقك؟ لوهلة التزمت الصمت قبل أن تبدده قائلة بتوتر
ـ لاه. اني زينة. متقلقش.
غافلته الكلم\ات و اندفعت من بين شفاهه حين قال
ـ أنتِ دايمًا زينة. اهتاجت دقاتها بداخلها من غزله الذي ندم عليه على الفور ليتبدد الحنو في نبرته إلى جفاء حين قال
ـ چهزيلي الحمام. چاي تعبان و عايز أنام. نجاة بلهفة
ـ مش هتاكل ولا اي؟ دا أنت على فطورك من الصبح.
لمس اللهفة و الاهتمام في نبرتها وعينيها ليسود صمت مُطبق من جانب كليهمَ، فالأيام الماضية لم تكُن سهلة عليه أبدًا خاصةً و أنه رويدًا رويدًا بدأ يُدرك مشاعره تجاهها، و التي كانت مرفوضة بل مُـحرمة عليه ليس لأنه يمقت النساء، و يرى جميعهن زوجته الخائنة، ولكنه بدأ يُدرك أنها ليست مثلهن. هدوئها و برائتها، وعينيها اللتان كانتَ نافذته إلى قلبها كل هذه الأشياء كانت براهين مُثبتة على معدنها الذي يتنافى مع دم\اءها العكِرة التي تربطها بنسل هذا الرجُل.
ـ لو هتاكلي معاي هاكل! ابتهجت ملامحها و خرجت الحروف مُتلفهة من بين شفاهها حين قالت
ـ أني مكلتش مستنياك ناكل سوى. ابتسامة عذبة لونت محياة وهو يقول بنبرته الرخيمة
ـ يوبجى جومي جهزيلنا الوكل. اومأت برأسها وهي تهرول إلى الأسفل بلهفة و خدين متوردين من فرط الخجل الذي جعل دمائها تتدفق بقوة في أوردتها في حضرة وجوده وكأن هذا الصراع الذي خاضته مع نفسها منذ قليل لم يكُن له وجود.
أنهت تحضير الطعام و توجهت إلى الأعلى ليُقابلها رحيم عند منتصف الدرج وهو يقول مُعاتبًا
ـ بردك مبتسمعيش الحديت! جولتلك ألف مرة ناديلي أطلع الصينية و متشيليش أنتِ. افرض وجعتي ولا اكعبلتي في چلابيتك! تلعثمت أمام عينيه و حديثه الذي يقطر إهتمام حتى لو كان يلومها لتتراقص الحروف فوق شفاهها بخجل حين قالت
ـ معيزا. معيزاش اتعبك. رحيم بنبرة رخيمة
ـ من هنا و رايح اتعبيني. تعالي وراي.
أطاعته لتدلف معه إلى الغرفة ويبدأوا في تناول الطعام و كليهمَ يختلس النظر للآخر في جو مشحون بمشاعر قوية تنتظر الإفراج عنها حتى يتردد صد.اها بالأجواء، ولكنه كعادته محافظًا على هدوءه وثباته أمامها لتبدأ هي بالحديث حين قالت
ـ مفيش أخبار عن أمي! ندمت على الفور على ذكرها الأمر، فقد تبدلت نظراته إلى أخرى مُخيفة جعلتها تعُض على شفتيها ليصل إلى عقله ندمها على التفوه بهذه الكلم\ات، فتحدث بجفاء
ـ لاه، و حتى لو في. الموضوع ده عايزك تنسيه، و تشيليه من راسك. فهماني ولا لا؟
تألمت من قسوته لتهتف باعتراض
ـ لاه. مفهماش! دي بردك أمي.