نهض دون وعي يغلق ازرار قميصه…ومشهد دنيا التي كانت تبكي لأول مرة امامه لن يغادر ذاكرته ابدًا… ستظل تلك الذكرى تحفر في عقله حفرة غائرة تمتص اي بوادر سعادة تقتحم حياته……
ثم غادر بخطى بعيدة كل البعد عن الثبات…!
ليركض “أيمن” نحو دنيا التي إنكمشت تلقائيًا فأشار لها بيده برفق مرددًا:
-إهدي متخافيش انا مش هأذيكي
مد يده بالچاكيت الخاص بها الذي كان ملقي ارضًا لتنتشله هي من يده بجنون تغطي الاجزاء التي ظهرت من ج.سدها….
خرج “أيمن” بهدوء وحذر ليرى إن كان ياسر مازال هنا ام غادر ليجده غادر بالفعل……
حينها اشار لدنيا بسرعة:
-تعالي ورايا بسرعة ق.بل ما حد من الرجالة اللي برا يجي
وبالفعل ركضت دنيا خلفه ولكن بحذر ودموعها لم تجف بعد…. سار بها أيمن نحو الغرفة التي يقطن بها يزيد، وما إن دلفوا حتى ص.رخ يزيد في أيمن بانفعال:
-اتأخرت لية يا ايمن؟؟ ايه اللي حصل لدنيا عملها ايه والله لاه ال**** اللي اسمه ياسر
هز أيمن رأسه بسرعة يهدئ من روعه:
-متقلقش ماحصلهاش حاجة هو مشي، معلش ماقدرتش اتص.رف غير لما مشي
وخلال دقائق معدودة كان قد فك قيد “يزيد” الذي ركض بلهفة يلتهم خطواته نحو دنيا التي كانت في حالة شبه هيستيرية…..
زرعها بين أح.ضانه بعنف…. يضمها له بقوة ونشيج بكاءها لا يساعد ذلك الألم الذي استوطن قلبه ليهدئ….
دفعها اكثر له بشغف ملتاع وكأنه يود ادخالها بين ضلوعه ليكن ملم.س ج.سدها م.سكنًا لتلك الألام…..
لم يستطع أن يمنع نفسه من سؤالها بقلب محترق وكرامة رجل شرقي تناثرت هنا وهناك:
-عملك حاجة؟؟ ايه اللي حصل فهميني ابوس ايدك انا هتجنن!!!
هزت رأسها نافية، وخرجت حروفها مشتتة كحالتها الباكية وهي تخبره:
-محصلش، حاول يـ…..
ولم تستطع نطقها…الكلمة كانت ثقيلة على روحها ق.بل لسانها… وازدادت السعرة احتدادًا بعينـا يزيد حتى شعرت دنيا أن مصير ياسر كله متعلق بين ش.فتاها…!
اخذت نفسًا عميقًا تحاول تهدئة نفسها، ثم اردفت:
-بس ايمن ده جه وزقه وهو مشي
عاد ليضمها لصدره مرة اخرى بجنون اكبر ولكن الارتياح صاحبه….ولكن ذلك النداء العاجل ل ياسر لم يخفت…. لم يختفي من عقله ولكنه يزداد علوًا وشحذًا……….
نظر يزيد نحو أيمن متابعًا بجدية:
-ايمن تعالى امن لنا طريق الخروج وهاتلي سلاحي، واما نخرج من هنا انت خليك على تواصل مع ياسر على التليفون واوعى تخليه يجي هنا تاني، يمكن يهرب… هو مش هيلحق يهرب المرة دي بس ممكن!
اومأ ايمن مؤكدًا وهو يقدم له سلاحه بسرعة، ليربت يزيد على كتفه كحركة معبرة عن امتنانه وشكره:
-ماخيبتش ظني فيك يا ايمن وماغلطناش لما زرعناك في ح.ضن ياسر من بدري وكنت عارف إننا هنحتاجك كتير…
ابتسم ايمن ابتسامة عملية مفتخـرة… ثم تقدم امام يزيد وخلف يزيد دنيا التي لم تخف ارتجافتها المصدومة..
ليخرجوا جميعهم وما إن خرجوا لم يعطهم يزيد الفرصة للتص.رف فانطلق الرصاص منه ومن ايمن لينبطح الخم.س رجال ارضًا نازفين دماءهم…
ركض كلاً من يزيد ودنيـا فسمع يزيد صوت ايمن يهتف:
-انا اتصلت بيهم وزمانهم وصلوا يا باشا
اومأ يزيد برأسه واستمر في ركضه هو ودنيا حتى خرجـا فوجد بالفعل سيارة شرطة تنتظرهم حينها صعدها هو ودنيا وهو يتنهد بارتيـاح… ولكن ذلك الارتياح مطعون بأشواك الحقد والجنون داخل يزيد تجاه ياسر…….! **** في نفس الوقت…….
دلف ياسر منزله القديم بنفس الحالة الغريبة… عينـاه تبحث عن كنه تلك الحالة التي بعثرت مكنونات حياته الساكنة….!!!؟
كان يبحث عن عهد…. وقد كانت اسمًا على م.سمى…. هي عهد…. ولكن عهد بالقسوة….. عهد بال !!…..
وجدها كما كانت متسطحة على الأريكة وقدمها على حجر والدته فتقدم منهم بخطى سريعة لتسأله والدته بقلق:
-مالك يا ياسر؟
لم يجبها وهو يم.سك ذراع عهد يهزها بعنف صارخًا بغضب متهور شاحذ كان يلون ادراجه بالثبات امام والدته على الاقل:
-قومي، قومي يلا يا قذره
إنتفضت عهد من نومتها القصيرة تحدق به بعين قط مذعور، ولكن والدته لم تتم.سك كثيرًا برداء الصمت المذهول بل راحت تهدر فيه بعدم تصديق:
-انت اتجننت!! شكلك فعلًا اتجننت
وهو لم يكن بحالة اقل جنونًا من الوصف فكان يستطرد بصوت اجش عالي:
-ايوه اتجننت، اتجننت بسبب بنت اختك الفاجرة العاهرة
لم تتردد والدته وهي ترفـع يدها لتصفعه بعنف….. تصفعه…..!!؟ ليت الصفعات تمحي الخطايا… ليت الصفعات تنتشل جذورنا من ماضي ملوث لتنبطح في ارض الواقع ولكن بصورة أنقى…..!
كان ساكنًا للحظات فقط… ثم سحب عهد فجأة من ذراعها بعنف نحو الغرفة….
دفعها نحو الغرفة ثم دلف واغلق الباب بالمفتاح متجاهلًا ص.راخ والدته المحتد عليه……..
كانت نظراته تتفحص عهد التي كانت شاحبة… مرتعدة…. ولازال الخوف والعذاب ي فيها بريق الحياة الذي كان يلفت الانظار بأعجاب لها……!!
بدأ يتقدم منها بخطى بطيئة…. بينما هي تهز رأسها نافية ترجوه بضعف:
-ياسر انت هتعمل ايه.. ابعد والنبي ماتقربش يا ياسر خلاص بالله عليك
رفـع يده عاليًا ينوي صفعها ليفر.غ تلك الطاقة المشحونة بالقسوة…. فص.رخت وهي تخبئ وجهها بخوف….. ولكن بلحظة إنقلب كل شيء… فوجد ياسر نفسه يجذبها لأح.ضانه بقوة… يدفعها بج.سده نحو الحائط ويداه تشدد من عناقها لتنفجر هي باكية في طوق تلك العاطفة التي اغدقتهم فجأة…..
تبكي ضياع شرفها….
تبكي كره ياسر لها… تبكي خسارته…. تبكي خسارة نفسها وذاتها…..!
غرز وجهه عند رقبتها يستنشق رائحتها بشغف غريب… الوجع والدواء منها… كيف لها أن تكون بهذا التناقض في حياته ؟؟…..
قطع رنين بكاءها صوته الذي اتاها من وادي بعيد يسألها وكأنه ليس هو:
-عايز أعرف كل حاجة حصلت، ازاي وصلتي لكده؟؟!!
رفعت رأسها على استحياء له… ببطء كطفلة مرتجفة تسأله بصوت متحشرج:
-هتصدقني؟
كان م.ستسلم لطوفان فطرته فهز رأسه يجيبها بما يريد أن يفعل:
-هصدقك
وكاد يبتعد عنها ولكنها تشبثت بأح.ضانه وكأنها تستمد القوة والجرأة منه…. فهم.ست واخيرًا:
-ماتبعدش! خليني في ح.ضنك..
الموضوع بدأ من بدري اوي.. كنت قاعده معاكم عادي بس انت ماكنتش مهتم بيا اطلاقا، حتى ماكنتش تعرف انا بروح فين وباجي منين.. في مرة كنت راجعه من الكلية بس اتأخرت مع صحابي شوية، نزلت من الميكروباص وقررت اتمشى شوية وكنت مخنوقة جدا…. بس حصل اللي ماكنتش اتوقعه، فجأة لاقيت واحد شكله غريب قدامي، تقريبا كان شارب حاجة.. فضل يقرب مني… حاولت اهرب منه.. حاولت اجري…. حاولت اض.ربه… اعمل اي حاجة بس المهم ماسبهوش ياخد اغلى حاجة عندي.. ماكنتش قادرة امنعه.. حاولت بس كنت ضعيفة مقدرتش كنت عامله زي الفرخة اللي بيدبحوها، كنت شايفه كل حياتي بتدمر..
مكنتش حاسه بالالم الج.سدي على قد ما كان قلبي واجعني اوي.. وكأنه بيعيط معايا.. تخيل يا ياسر…ساعة كاملة وفي حد بينتهكك بكل ما تحمل الكلمة من معنى، ساعة كاملة وفي ايد قذرة بتلم.س كل حته في ج.سمي ببشاعة… ساعة كاملة بعيط وبص.رخ لحد ما حسيت إن صوتي راح !!!
وضع يده بسرعة على فمها…يريد إيقاف سيل تلك الكلمات التي تنطلق من بين ش.فتاها لتنغرز واحدة تلو الاخرى كالسكاكين في منتصف قلبه…يكفي… يا اللهي لم يعد يحتمل سماعها اكثر…. يشعر بروحه تنزف… تتوسل الرحمة… سيختنق حتمًا من تلك الرائحة بالعجز التي احاطت به من كل جانب وهو يستمع تفاصيل انتهاك حقه…..!!
خرجت حروفه مختلطة بدموعه التي بدأت تسقط ر.غمًا عنه وهو يهم.س لها:
-اسكتي.. كفاية، مش عايز اسمع ارحميني
هزت رأسها نافية، ستخرج تلك الحكاية من بين ثنايا لتستطع التنفس حتى…. ثم اخبرته دون روح:
-لا، انا عايزه احكي… سنة وانا شايله في قلبي ومحدش حاسس بيا !!!
لم تنظر لعيناه التي تقطر وجعًا وندمًا وراحت تكمل:
-اخدت تاكسي في نفس الليلة بعد ما الحيوان هرب، مش هنسى في حياتي نظرة الش.فقة اللي سواق التاكسي كان بيبص لي بيها… مع انها كانت ش.فقة بس انا كنت حاسه ان نظرته بتعريني، في اليوم ده ماكنش في حد في البيت وخالتي كانت شغالة في الفندق فكانت بتخرج من ١٢ الضهر وترجع ١٢ بليل، بمجرد ما دخلت البيت انهرت… حتى اني فكرت انت\حر.. بس حتى ده كنت عاجزه فيه ومقدرتش اعملها.. فكرت فيك…. كان نفسي تبقى موجود في حياتي زي زمان، كان نفسي اجري استخبى في ح.ضنك، بس ماكنتش لاقياك.. انت كنت بعيد اووي، وانا كنت في حالة غريبة….
وفجأة لاقتني قررت اروح اعيش في شقة بابا وماما الله يرحمهم، رجعت اخد معاش بابا و اخدتلي حوالي شهرين مش بخرج من البيت وصحبتي كانت بتجيلي احيانًا وبتجبلي المعاش كل شهر، وفي مرة افتكرت ان واحدة اعرفها بتشتغل في كباريه! ومحدش كان يعرف بس انا عرفت منها في مرة صدفة، كلمتها…. قالتلي إنها بتشتغل كجرسونة مش اكتر! ومن غير اي مقدمات لاقتني بشتغل معاها.. كـ جرسونة برضو بس بطريقة غريبة، اللي هو اقعدي مع الزبون اشربي كاسين واضحكي وهزري وممكن ترقصي وخدي منه النقطه وامشي، بس انا كنت في حالة مش طبيعية..
زي اللي من غير عقل… خدت فترة بشتغل كده وبعد كده لاقتني بقول لنفسي طب ما انا اساسًا خلاص خسرت الحاجة اللي مفروض ما اعملش كده ع.شانها، يعني لو طورت شغلي وزودت مرتبي محدش هيعرف اصلا، واكيد انا مش هتجوز اساسًا فـ عادي بقا…. وفعلًا بقيت كده، بس مع اول ليلة واول زبون مقدرتش.. مقدرتش اسيبه يكمل كنت حاسه كأن نار بتولع في ج.سمي والليلة اياها بتتعاد في ذاكرتي تلقائيًا، طبعا خربت الدنيا والزبون اتصدم وطفش وساعتها صاحب الكباريه بهدلني ورجعني مجرد جرسونه تاني…. لحد ما انت شوفتني في اليوم اياه… شوفت الموضوع سهل ازاي يا ياسر؟
وما إن انهت كلماتها كان هو يهز رأسه نفيًا وهو يتراجع بسرعة نحو الخارج.. بدا وكأنه يحاول التملص من بين مخالب الماضي القاسية التي ركض لها بقدماه….!!!
خرج من الغرفة دون كلمة اخرى…. لا يحتمل اساسًا…. يشعر أن كلماتها تحرق جلده… تخترق روحه لتنشر به سم اصعب من الموت…. سم يشعره أن يموت وهو على قيد الحياه!!!
بمجرد أن رأته والدته ص.رخت فيه بجنون:
-انت عملت فيها ايه؟؟ وايه اللي انا سمعته ده؟؟؟ ايه اللي انت بتقوله عن بنت خالتك ده انت اتجننت
تنعته بالجنون بينما هي التي بدت في قوقعة الجنون تمامًا….
بالر.غم من أنها سمعت كل اعترافات “عهد” ولكنها لا تريد الاستيعاب….!!؟
فتح ياسر باب المنزل وكاد يخرج ولكن هاتفه رن فأخرج بصمت يجيب:
-خير يا أيمن؟؟
-انت في البيت القديم يا ياسر صح؟
اومأ ياسر مؤكدًا:
-ايوه لية حصل حاجة؟؟؟
ولكن بمجرد أن أطلق سراح سؤاله… قرر القدر عدم اطلاق سراحه فكانت طرقات حادة على الباب تصدح… فتح ياسر الباب ليصدم بوجود الشرطة امامه…….
لم يتوقع قط أن يعلموا بمكان منزلهم القديم الذي لا يعلم مكانه سوى….. أيمن!!
صديقه الوفي الذي أعتقد أنه درعه الواقي… فوجده فجأة السهم الذي يصيبه بض.راوة!!!….
كان متخشب مكانه صامت….. لا يعلم كيف اتفقت دنيا مع الشرطة….
ولا يريد أن يعلم….
خسر كل شيء…. عمله الفاسد… رب عمله… صديقه…. وصغيرته عهد !!؟
رفع يداه امام الضابط بصمت فوضع الضابط “السلاسل” في يداه حينها انتبهوا على ص.رخة عهد باسم والدته التي سقطت ارضًا مم.سكة بقلبها بألم…….
حينها ادرك أنه خسر والدته ايضًا……….! **** في القص.ر الذي يقيم به يزيد……..
كانت دنيا جوار يزيد الذي كان يجلس على الفراش مم.سكًا برأسه المضمدة من الألم الذي لم يزول….
اقتربت منه دنيا حتى اصبحت ملتصقة به فابتعد هو بتلقائية بهدوء… ليجدها تقترب مرة اخرى.. فابتعد مرة اخرى… فاقترب اكثر وهي تحدق به متمتمة بنبرة مشاكسة تخصه بها وحده:
-يا زانقني وجمبك فاضي.. ازنقني كمان وانا راضي!
فانفجر يزيد ضاحكًا… وتلقائيًا تسللت الضحكة لثغر دنيـا…. عندما تفعل شيء وتصدح ضحكاته كهذا كأعزوفة ايقاعها الشغف… تشعر أنها فعلت شيء….. فعلت شيءً كبيرًا….!
توقف عن الضحك وهو ينظر لذلك الضجيج العاطفي بعنيـاها.. فاقترب هو بخبث هذه المرة يهم.س بعبث واضح….
-من العين دي ق.بل العين دي!
اخذ يقترب ببطء منها فهتفت هي بنفس المرح الطفولي:
-يا جارحني بلُقمه ناش.فة والعيش عندك طري، تقلان عليا لية ما تحن يا مفتري!!! إيه بقا هفضل م.ستنيه كده كتير؟
ظل يهز رأسه نافيًا من وسط ضحكاته يخبرها مشاكسًا:
-لا لا إنتِ مش معقولة، بتفكريني بـ دقدق القهوجي، نفس شقاوته!
حينها لم تتحمل فنهضت واقفة تتخص.ر وهي تهتز ببطء مزمجرة بغضب لذيذ:
-نعممم ياخويا !! يعني انا بقالي ربع ساعة عماله اقولك حِكم واعاكسك ع.شان افكرك بدقدق القهوجي؟؟؟
ثم إنقضت عليه تم.سكه من ياقة قميصه وتهز رأسها نافية بجدية مصطنعة:
-لا لا أنت ڤيروس عاطفي، أنت اللي زيك مش لازم يعيش!!
مال يزيد للخلف ليتمدد على الفراش متنهدًا ولم يكتم ضحكاته الرجولية التي لم تكف عن التوغل لثنايا روحها فتجعلها أسيـرة… اسيرة له… لضحكاته…. اسيرة لا تريد حريتها !………
فاقتربت هي منه حتى اصبحت تطل عليه.. خصلاتها الطويلة تحيط وجههما سويًا…. تفصلهما عن عالمنـا هذا…. لينغم.سـا في جذور عالم آخر…. عالم النظرة فيه بمثابة الكلمة…. والتنهيدة فيه بمثابة حرف….. حروف وكلمات منبعها الع.شق منسدلاً من خيط العاطفة……