-مَن أنت؟
اقترب منها خطوة اخرى يرغمها على التراجع داخل الغرفة، ومد يده ينوي مداعبة وجهها لولا أنها أبعدته مسرعة:
-لما الغضب يا جميلة؟
كانت خطواته ملجلجة كحروفه والسُكر يفوح منها، بدأ القلق يطرق أبواب قلب “فيروز” التي صاحت فيه:
-من فضلك غادر غرفتي.
وكأن الغضب عدوى إنتقلت له ونشبت بحروفه وهو يزمجر هو الاخر:
-بل هذه غرفتي أنا.
لم تفهم فيروز ما يقول لأنها لا تعلم اللغة التي يتحدثها والتي لم تكن انجليزية، ولكنها حاولت دفعه للخارج، فسبقها هو حين دفعها للداخل متلمسًا ذراعيها، حينها إنفجرت نواقيس الرعب داخلها، فهي تتعرض للتحرش لأول مرة..
وبدأت اصواتهم تعلو، فأول مَن استجاب لنداء استغاثتها غير المعلنة، كان “فارس” الذي هب صوب غرفتها متسائلًا عن صوت النزاع الدائر فيها، وجد ذلك الرجل مقترب من فيروز كثيرًا التي كانت يبدو عليها الغضب والرعب معًا، فجذبه نحوه مسرعًا وهو يصيح بالعربية بتلقائية متقلقًا:
-في إيه؟
وأول ما وقعت عيناه عليه هو الروب المفتوح بسبب الشد والجذب بين الرجل لفيروز، وجسدها الذي برز نوعًا ما من أسفله، سارقًا نظرات فارس رغمًا عنه، منيرًا فيها لمعة إعجاب غريزية، فهذه المرة الأولى التي يرى بها قدميها العاريتين وملابس محددة لجسدها نوعًا ما..
حمحم وهو يعير انتباهه مرة اخرى لذلك الرجل الذي عاد يكرر بالبرتغالية وكأنه لا يفقه سوى تلك الجملة:
-هذه غرفتي أنا.
فهم فارس جملته لأنه يعلم البرتغالية قليلًا، فتخطاه بلحظة جاذبًا برقة من ذراعيها فيروز التي استشف أنها على مشارف البكاء والانهيار، وأدخلها غرفته المجاورة لغرفتها، ثم أغلق الباب عليها، وعاد لذلك الرجل ولكن لم يكن وحده إذ تجمع العاملين بالفندق بالطبع..
واخيرًا استطاعوا فض الشجار بعد أن عنف فارس الرجل بالطبع، تقدم منه احد العاملين في الفندق يغمغم برسمية:
-بنعتذرلك لحضرتك جدًا يا فارس بيه على اللي حصل، وبنأكد لحضرتك إنه مش هيتكرر.
-أتمنى.
قالها فارس بضيق وهو يتخطاه متجهًا لغرفته التي بها فيروز، والتي كانت جالسة على الفراش، تضع وجهها بين يديها ويبدو أنها تبكي، اقترب منها بتلقائية جالسًا على ركبتيه أمامها، ثم أمسك يديها يبعدهما عن وجهها برفق، متمتمًا بنعومة وحنو:
-اهدي متعيطيش.
ردت باكية رغمًا عنها لأول مرة أمامه، ومس بكاءها شغاف قلبه دون سيطرة منه:
-اهدى ازاي ده واحد كان بيتحرش بيا.
-انتي فاهمة غلط.
هزت رأسها نافية بإصرار تخبره:
-لا كان بيشدني وكان بيتحرش بيا.
بدا يحاول تهدئتها وهو يتابع:
-لا ده كان بيقولك إنها اوضته وباين عليه سكران، خلاص بقا اهدي، في برتقانة عيوطة كده؟
قال اخر كلماته مشاكسًا وهو يطالع وجهها الذي صار محتنقًا، فكفكفت دموعها واعتدلت في جلستها، غافلة عن الروب الذي لم تغلقه في غفوة ما حدث.. هبطت عينا فارس تلقائيًا، وثارت عاطفة غريبة عليه في أوردته، إنتبهت فيروز لنظراته فهبت منتصبة تجذب الروب لجسدها لتغلقه، ولكن حين تحركت بعزم مفاجئ تلعثمت في خطواتها وكادت تقع لولا فارس الذي لحق بها مسرعًا فصارت بين ذراعيه..
أحس بجريان العاطفة الحارة التي إندفعت تغزوه وهو يشعر بجسدها الغض بين ذراعيه، وعيناه تسبر أغوار فيروزتيها الرائعتين، ووجهها الذي يحمل لون الخجل والذي يحيط به خصلاتها البرتقالية المُبللة… كل هذا كان أكثر من المحتمل على قلبه الذي يتخبط الان بين ضلوعه، ورغبة خبيثة تلح عليه تلك اللحظة ليُقبلها… قبلة تاقت كل خلاياه لها في تلك الاثناء، فضغطت رغمًا عنه على خصر فيروز يحاول مقاومة ذلك الطوفان المُهلك للعاطفة، فلو استمر الوضع هكذا لن يضمن نفسه وسيلبي رغمًا مقتطفًا بتلات الورود في شفتاها وليذهب اعتباره للجحيم!
وكأن ضغطته الصغيرة أيقظت فيروز من سكرة المشاعر التي غمرتها للمرة الاولى في قربه، فابتعدت عنه مسرعة.. تنحنح فارس بخشونة يستعيد ثباته، ثم تشدق:
-عاوزين يتكلموا معاكي في الريسبشن تحت لو تحبي ننزل.
هزت رأسها موافقة فغادر مسرعًا من امامها تاركًا اياها تتنفس بصوت مسموع..
بعد قليل كانت قد هدأت تمامًا، وارتدت ملابسها، وخرجت من غرفتها لتجد فارس هو الاخر قد تجهز، قابلها بابتسامة رقيقة اعتيادية منه، ثم سار امامها نحو المصعد وسارت هي خلفه شاردة.. حتى ركبا معًا المصعد..
مرت ثوانٍ ثم هبط الادراك على عقل فارس الذي تصنم مكانه وهو يتذكر أنها من المفترض أنها لديها فوبيا من الأماكن المغلقة، مدققًا النظر في ثباتها وهدوئها ثم تجهمت ملامحه و……. **** See less الفصل التاسع :-
أحاطت صورتها في عقل فارس دائرة نارية من الشك، ولكنه استطاع شد لجامها حتى لا تشعل ثباته الذي يحافظ عليه بصعوبة، ونظر أمامه في صمت تام وكأن شيء لم يحدث، هنالك ثغرة لا يعلمها فيما يخص تلك الفيروز، ولكنه سيحبسها في نفس البئر المظلم المجهول ويتسلل لها في الخفاء كما تفعل هي، ليعلم عنها كل شيء..
فالمواجهة الصريحة الان لن تجدي نفعًا، وربما تفر هاربة ولا يستطع الوصول لها مرة اخرى او معرفة ما تريد..
حين استظل الادراك بعقل فيروز، شهقت داخلها في اللحظات التالية ولكنها استطاعت حبسها في باطن جوفها، وقد تذكرت فخ الكذب الذي وقعت فيه بغباءها دون أي تدبير !
نظرت نحو فارس بنظرات تشبعت ذعرًا خشية شكه بها او معرفته لأي شي، ولكن وجدته ثابت ينظر أمامه متظاهرًا بالشرود…
بدأت تحاول تنظيم أنفاسها، تخبر نفسها أن ربما هو الاخر لم ينتبه، وأنه ليس بتلك الدقة فيما يخص الموظفين لديه، وعليها ألا تتوتر فتثير شكه!
توقف المصعد، فنظر لها فارس بشيء من الغموض المستفز، نظرة أحستها ليست عادية، ولكنها أصرت ألا تتوقع السيء فقررت تجاهلها، ثم تخطاها وتوجه نحو استقبال الفندق..
تتبعه فيروز مسلوبة الأنفاس وقد اتضح أنها ليست بارعة بالكذب والتمثيل كما ظن!.. *** بعد فترة…
كان الجميع يتأهبون متجهزين للمؤتمر الكبير الذي كان على وشك البدء، توجهت فيروز لتعد لنفسها كوبًا من القهوة، وقررت أن تفعل لفارس بالمثل وتقدمها له، لتجس نبضه تجاهه، إن كان قد شك بها سيظهر عليه بالتأكيد..!
وحين كانت قد إنتهت، عَلى رنين هاتفها بإتصال من احدى زميلاتها في الفريق، فأجابت بهدوء:
-ايوه يا هند.
سألتها الاخرى:
-أنتي فين يا فيروز؟
ردت فيروز وهي تسند الهاتف بكتفها وتحمل أكواب القهوة بيديها:
-أنا جايه كنت بعملي قهوة وبعمل لمستر فارس عشان واضح إنه مش في المود وأنتي عارفة المؤتمر مهم للشركة قد إيه.
-طب تمام متتأخريش يلا عشان بيسألوا عليكي.
-حاضر جايه.
أغلقت الهاتف، دون أن تنتبه للتي خلفها والتي استمعت لتلك المحادثة القصيرة، وإرتفعت أبواق المكر داخلها معلنة حرب انثوية على وشك البدء..
وبدأت تلك الحرب فعليًا، حين تقدمت “نغم” طليقة فارس، وبحركة متعمدة كانت تسكب أكواب القهوة التي كانت بيد فيروز وسُكبت أرضًا بعد أن اصابت جلدها بحرق، تأوهت فيروز صارخة بانفعال:
-مش تبصي قدامك.
وضعت نغم يدها على فاهها متظاهرة بالصدمة وهي تهتف ببرود:
-سوري بقا يا فيروز حظك، دلق القهوة خير!
شعرت فيروز بالغيظ يتسلط عليها كجنود خفية من شيطانها الذي بث فيها رغبة ، ولا تدري حقًا أي لعنة حلت عليها حتى تأتي تلك المقيتة خلفهم هنا.. لم تكن تعلم أن نغم تدير شركة هي الاخرى وجاءت لتحضر المؤتمر مثلهم..
فصاحت فيها باهتياج:
-لأ مش خير، المؤتمر خلاص هيبدأ ومفيش وقت أقعد أعمل قهوة تاني.
لوت نغم شفتاها في استهانة مرددة:
-وهو حد طلب منك اصلًا تعملي قهوة لفارس، ولا أنتي بتتلككي عشان تقربي منه.
إندفعت فيروز ترد لها الصاع صاعين بقولها:
-ليه أنتي مفكره كل الناس زيك ولا إيه؟!
اهتاجت فرائص نغم التي زمجرت بها غير سامحة لها بالمساس بكبريائها الرهيب:
-أنتي تطولي أصلًا تبقي زيي يا بتاعة أنتي! فوقي ده أنتي حتة موظفة في شركة.
ردت فيروز مشمئزة:
-مش عايزه أطول أصلًا، يوم ما أعوز أطول هعوز أطولك أنتي!
ظهر فارس في تلك اللحظة، ولم يتفاجئ من رؤية نغم، يبدو أنه قد قابلها بالفعل وعلم بوجودها، اقترب منها وهو يسأل مقتطب الجبين:
-في إيه صوتكم عالي ليه؟
سارعت نغم بالرد وهي تلبس حروفها ثوب المسكنة:
-كل ده عشان كانت بتعملك قهوة وخبطت فيها غصب عني وإتدلقت يا فارس، بدأت تغلط وتقل أدبها.
كادت فيروز تعترض مغتاظة، ولكن فارس أوقفها بإشارة من يده، وقال بحزم حاد بعض الشيء:
-في إيه يا فيروز احنا مش جايين نعمل مشاكل هنا، ومش في حضانة.
ثم هز رأسه مضيفًا باستنكار:
-وأصلًا تعملي أنتي القهوة ليه هي دي شغلانتك؟ أنتي جايه معانا بصفتك مهندسة معانا مش بتاعت الاوفيس!
تصنمت أمام سيل هجومه المفاجئ الذي اكتسحها مبددًا حروفها الحادة الهوجاء، وشعرت بالغيظ والحقد داخلها يتغذى على ذلك الهجوم، فيما أشار فارس لنغم التي كانت رافعة أنفها بنشوة الانتصار، قائلًا:
-يلا يا نغم عشان هنتأخر.