Uncategorized

الوجه التاسع للع\شق، للع\شق وجوه كثيرة نورهان العشري

الوجه التاسع للع\شق
عندما لا يغفر لك قلب طيب في أصله فلا يعني ذلك اسوداده … إنما يعني أن خطأك فاق عفوه . أوليس العفو مقروناً بالمقدرة …؟؟ ********** وقف يوسف يتطلّع إلى حبيبته الراقدة كالج\\ثة الهامدة، وجهها الذابل، شفتاها الباهتتان، عيناها المتورمتان، حتى ذلك المقوِّي المغروز في يدها لم يستطع إعادة بعض الدم\\اء إلى وجهها… فأخذ يلوم نفسه على ما وصل إليه حالها؛ كيف طاوعه قلبه أن يؤلمها بتلك الطريقة؟ كيف له أن يقوم ببثِّها تلك السموم التي كانت دائمًا ما تُنغِّص حياتها؟

ألم يخبرها سابقًا بأنه سيكون دائمًا منقذها وملاذها الآمن؟ لقد أصبح الآن جلاّدها.. يعرف أنه عندما تستعيد وعيها سيكون آخر إنسان على وجه الأرض ترغب برؤيته، ولن يلومها، فها هو قد استخدم ذلك الخنجر الذي لطالما جُرحت به ليقوم هو بغرسه في منتصف قلبها بلا شفقة ولا رحمة… فهو لن يستطيع ما حيِي أن ينسى ملامح وجهها عندما ألقى بوجهها تلك الكلمات السامة… لن يستطيع أن ينسى أبدًا تلك البسمة الواهنة التي كانت ردَّ فعلها الوحيد وكأنها تخبره:

ليس أنت….. وكأن آخر شيء قد تمنّته في تلك الحياة قد حدث. تذكّر عندما سقطت عند قدميه فاقدة الوعي، فقد شعر بأن قلبه سقط من بين ضلوعه. عودة للوقت سابقًا كاميليا… قالها يوسف بوهن ولم يستطع التحرّك قيد أنملة. ظل ينظر لتلك التي ترقد على الأرض بلا حراك، وملامحها تبدو شاحبة كشحوب الم\\وتى، فقد كانت تبدو وكأنها فارقت الحياة. عند هذه النقطة أفاق، ولم يشعر بنفسه سوى وهو يقترب منها ويربّت على وجهها بلهفة وخوف:

كاميليا… حبيبتي، ردّي عليّا… السكون… السكون التام كان هو حالها، فقد كانت كمن حسمت أمرها بأن تلك الحياة لم تعد تعنيها. فسبقت دموعه كلماته وهو يراها بتلك الحالة: أرجوكِ فوقي، أوعي تسيبيني. أنا غبي وحيوان، بس بحبك، والله بحبك… قومي واعملي فيا كل اللي إنتِ عايزاه… ثم صرخ حتى جُرحت أحباله الصوتية: كاميليااااااااا… وأخذ يبكي بقوة، فلم يكن يُبالي بذلك الطرق على الباب ولا حتى المحاولات المستميتة لخلعه، ولكن أيقظه ذلك الصراخ من غفلته: يوسف فوق!

كان هذا صوت رائد، الذي ما أن وصل عائدًا من رحلته المجهولة بعدما أخبرته سميرة بأن يوسف اختطف كاميليا إلى مكان مجهول، حتى راح يبحث عنهما في كل مكان، إلى أن أخبره سائق يوسف بمكان الشقة التي أخذ إليها كاميليا، فهو الوحيد الذي كان يعرف مكانهما. ولكن بعد إلحاح شديد من رائد، الذي أخبره بخطورة ما قد يحدث، أخبره أخيرًا.

فتوجّه على الفور إلى مكانهما، وعندما سمع صراخ يوسف من الخارج أمر السائق بجلب شيء ثقيل من السيارة لك\\سر باب الشقة. فهرول وأحضر إحدى المعدات، وقام رائد بك\\سر الباب، ليجد كاميليا ترقد على الأرضية ونصفها العلوي بالقرب من يوسف، الذي كان يبكي كطفل فقد أمَّه، وكان كل جزء من جسده يرتعش. كاميليا مالها يا يوسف؟… حصل إيه؟ أنا \تها… قالها يوسف بجمود. إنت اتجننت يا يوسف؟ بتقول إيه؟ وسّع كده خليني أشوف مالها. ابعد عنها! متلمسهاش!

صرخ يوسف به ما أن رآه على وشك الاقتراب منها. فحاول رائد أن يُسايسه قائلًا: هي لسه فيها النفس، خلينا نطلب دكتور ونلحقها. نفسها ضعيف أوي… إنت كده بتأذيها. وجّه يوسف أنظاره العاشقة والمرتعِبة من خسارتها إلى وجهها، وقال من بين دموعه: هي هتبقى كويسة أكيد… أنا واثق هتبقى كويسة عشاني. طب قوم ننقلها المستشفى. آه… آه، المستشفى… لازم ننقلها المستشفى. ثم قام بحملها برفق وتوجّه مسرعًا في طريقه للمستشفى… هرول يوسف داخل ممرات المستشفى وهو يصيح بكل من يراه:

عايز دكتور بسرعة! كانوا جميعهم مرتعبين من ذلك المجنون الذي كان يصيح هنا وهناك، وأخيرًا تم نقلها إلى غرفة المعاينة. وكان هو بالخارج يزرع الممر ذهابًا وإيابًا كالنمر الجريح. عقله غير قادر على استيعاب أن حبيبته ترقد في الداخل لا حول لها ولا قوة، وهو على وشك فقدها في أي لحظة. أما عن رائد، فكان يتابع حال يوسف الذي لم يره عليه من قبل، وداخله مشاعر متناقضة ما بين الشماتة لما حدث مع والدته يشوبها بعض الشفقة وضميره الذي كان دائمًا ما يؤنبه قائلًا بأن يوسف ليس له ذنب.

ولكنه كان يخرسه قائلًا: وأنا أيضًا لم يكن ذنبي… وأمي لم يكن ذنبها… وأبي، ذلك الرجل الذي تحمّل ما لا يمكن لرجل أن يتحمله، لم يكن له ذنب هو الآخر. فقال محدّثًا نفسه: “كل واحد هياخد اللي يستحقه… وأمي حقها هيرجع من كل واحد في عيلة الحسيني.” أخيرًا خرج الطبيب من الغرفة، فاندفع يوسف تجاهه وسأله بلهفة: طمّني يا دكتور… هي عاملة إيه؟ مين حضرتك؟ أنا جوزها. ردّد يوسف. المدام عندها هبوط حاد في الدورة الدموية، وجسمها ضعيف جدًا، واضح إنها بقالها فترة مبتاكلش كويس، وكمان شكلها متعرضة لضغط نفسي شديد. كل دا خلّى جسمها ميسْتحملش وفقدت الوعي.

يعني حالتها خطر يا دكتور؟ هكذا استفهم رائد، فأجابه الطبيب بعملية: مكدبش عليك… بس إنتو لحقتوها في آخر لحظة. النبض كان ضعيف جدًا، بس الحمد لله قدرنا نلحقها في الوقت المناسب. وعموما هنتطمن أكتر لما تفوق. أقدر أشوفها؟ قالها يوسف بوهن. حاليًا هي نايمة، ومش عارفين هتفوق إمتى، بس إحنا علّقلنا لها محاليل وحالتها تقريبًا مستقرة. بس أنا لازم أنبهكوا إننا لازم نبعدها عن أي ضغط نفسي أو عصبي عشان ميتكررش اللي حصل تاني. استوقفته كلمات الطبيب فقال بجفاء:

يعني إيه مش عارفين هتفوق إمتى؟ يعني حضرتك… أحيانًا المريض لما بيتعرض لضغط نفسي شديد بيبقى رافض إنه يرجع للواقع، هروبًا من الضغط ده، وده ممكن يدخله في غيبوبة، ويبني في خياله العالم اللي بيحلم بيه ويعيش فيه. عشان كده إحنا هنفضل مستنيين إنها تفوق ونتطمن عليها. لم يستطع تحمّل كلمات الطبيب، فقال بصرامة: أنا لازم أشوفها يا دكتور. تمام… زي ما تحب. عودة للوقت الحالي

مضت عدة ساعات ويوسف يراقبها بألم، ينتظر أن تفتح عينيها الجميلتين وتعطيه تلك النظرة التي كانت كشروق الشمس بالنسبة له. فقد كانت تلك الساعات تمر كسنوات، فالانتظار من أكثر الأشياء المُهلكة للإنسان؛ فمعه تتمزق أوتار القلب، ويصبح النفس ثقيلاً، وتشعر بنيران تقرضك من الداخل، ولا تملك شيئًا سوى الانتظار. فالدقيقة تصبح عامًا، وتشعر بأن عقارب الساعة تلدغك دقاتها، ويصبح القلب هشًّا ترعبه أبسط الأشياء.

فقد كان ينظر إليها ويدعو ربه أن تعود من أجله. سيتحمل كل شيء عدا بُعدها عنه بتلك الطريقة؛ فهو قد ذاق الأمرين في غيابها، فيكفيه أن يراها بخير، حتى وإن كانت بعيدة عنه، على أن يراها هكذا كالج\\ثة بلا حراك. اقترب من فراشها، وأخذ يُناظرها بألم تجلّى في عباراته التي سقطت في كفها قائلًا بح\\\رقة: سامحيني… عارفة، وأنا بطلبها منك، قلبي بيقوللي متستحقهاش، ولا تستحق إنها تسامحك… شفتي؟ حتى قلبي جاي عليّا عشان خاطرك. صمت لثوانٍ قبل أن يضيف بح\\\رقة:

نسي كل وجعه وألمه منك، وبيْلومني عشان آذيتك… لو تعرفي غيابك عمل فيّا إيه؟ طلّقني. كان ذلك الصوت الضعيف الذي خرج منها بعد أن جاهدت قدر الإمكان أن تجعله ثابتًا، ولكن ألم قلبها كان يفوق الاحتمال، وما كان يزيده صوته الذي كان يتردد في أذنها وهو ي\ها ببطء بكلماته السامة، فقد حدث أكثر شيء كانت تخاف حدوثه ولأجله هربت بعيدًا، ولكن مهلًا.. هل علم بسرها؟ كاميليا حبيبتي، انتِ فوقتي؟ انتِ كويسة صح؟ أخذ يوسف يردد كالمجنون غير مصدق أنها أمامه تتحدث.

طلقني. أول مرة حين نطقتها اخترقت كلمتها مسامعه كطلقٍ ناري استقر بمنتصف قلبه، وتلك النبرة الضعيفة التي تحدثت بها زادت من ألمه أيضًا، فأغمض عينيه بشدة رافضًا تصديق ما قالته. ما عساه أن يفعل؟ فهو قد آذاها للدرجة التي لا تجعله قادرًا على طلب الغفران، ولكن صرخ به قلبه قائلًا: هذا ما اقترفته يداك. ولكن كل هذا الألم تغلبت عليه فرحته برجوعها إلى الحياة مرة أخرى، فتجاهلها للمرة الثانية ورفع نظره إليها وقال بحب: الحمد لله عالسلامة، أخيرًا فتحتي عينيكِ، أنا هنادي عالدكتور ييجي يشوفك ويطمني عليكِ.

هقولها للمرة الكام عشان تبطل تتجاهلها؟ هكذا تحدثت بألم.

السابقانت في الصفحة 1 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى