Uncategorized

الوجه التاسع للع\شق، للع\شق وجوه كثيرة نورهان العشري

لو قولتيها للمرة المليون هتجاهلها برضو. لم تنجح كلماته في محو ألمها، فناظرته عيناها بعتاب، وقست لهجتها حين قالت: معقول مش عايز تخلص من بنت زهرة؟ لملم شتات نفسه بصعوبة واستقام وتوجه للنافذة، مولّيًا ظهره لها حتى لا ترى ذلك العذاب بعينيه، فقد كان الندم يقرضه من الداخل، وقلبه يؤلمه بشدة، فها هي ما إن فتحت عينيها حتى أرادت الانفصال عنه للأبد. ماذا عساه أن يفعل؟ فهو لو أح\\\رقوه حيًا لن يستطيع أن ينفصل عنها، فهي ع\شقه وحلمه الوحيد، كان الزواج بها…

لأول مرة في حياته لم يسعفه عقله في التفكير، ولم يعد يعرف ماذا يفعل أو ماذا يقول. لن يقدر على طلب السماح منها مرة ثانية، فهي قد غدرت بقلبه أولًا، وهو بغبائه قد آلمها بشدة وغدر بقلبها الذي لطالما توعّد بحمايته. فما الحل؟ اشتدت قب\\ضته فبرزت عروقه وتشنج فكه، وأصبح تنفسه ثقيلًا من فرط الألم، ففرت دمعة هاربة من عينيه تحكي مقدار ذلك الوجع الذي يكمن بداخله… لم يختلف الأمر بينهما كثيرًا، فهي كانت تحترق بنفس النيران وتكتوي بنفس الوجع، فمن عذبها هو! ومن جرحها هو! ومن أذلها هو! ولكن.. هو حبيبها وزوجها.

تلك الكلمة التي لطالما حلمت بها، وعندما حصلت عليها لم تستطع الاستمتاع بها سوى لعدة أيام قليلة. فهل طلبت الكثير؟ فهي لم تتمنَّ شيئًا من هذه الحياة سواه. هو فقط! حتى عندما كان يطلب منها مسامحته، فقد تمزق قلبها عليه، لكنها لا تقدر أن تسامحه؛ فقد كانت كلماته كخناجر تُغرز بقلبها، وتلك النظرة التي رأتها في عينيه لن تنساها أبدًا. فوضعت يدها على قلبها الموجوع، وتساقطت الدموع من عينيها تبكي حبيبها، وتبكي حالها، وتبكي أمها الراحلة التي لوثوها جميعهم.

نعم، هي تعرف أن كل أحاديثهم عنها كذب، لا يمكن أن تكون أمها بذلك السوء، وإلا لما كان يحبها والدها لتلك الدرجة. وأيضًا صفية كانت دائمًا ما تخبرها بأن أحاديث سميرة ليست سوى كذبة بسبب غيرتها الشديدة من والدتها. وأيضًا هناك شيء بداخلها يخبرها بأن كل هذا كذب، ولكن هل يوسف أيضًا يكذب؟ فظلت تبكي بقهر لم تشعر به من قبل… يحدث أن يخرج الألم من بين عينيك على هيئة أنهار من الدموع، وذلك لأن داخلك لم يعد يتسع…

نورهان العشري ✍️ — أنا خطيبته، انتِ مين يا حلوة؟ قالتها سيدرا بغنج وهي لا زالت متعلقة بمازن، تنظر لتلك الجميلة الغريبة التي لم ترها من قبل، ولكنها شعرت بشيء بينهما. خطيبته؟ قالتها كارما بصدمة ممزوجة بالألم، ونظرت إليه بتوسل أن يكذب حديث تلك الفتاة. ولكنها رأت صدق حديثها في عينيه، فأجابت بنبرة يملؤها الألم: أنا ولا حاجة، اعتبري إنك مشوفتنيش أصلًا، زي ما أنا هاعتبر إني مشوفتكيش انتِ وخطيبك. قالت الأخيرة بسخرية، ورمقته بنظرة ازدراء، وهرولت خارجة من المكان حاملة بقلبها جميع خيبات العالم.

شعر مازن وكأن يدًا قد امتدت فاعتصرت قلبه عندما استمع لكلمات كارما ونبرتها الحزينة. فها هو كان على وشك أن يخطو أول خطوة في طريق السعادة معها، لتأتي تلك اللعينة وتخرب حياته مرة ثانية، ولكن لن يسمح أن تضيع منه حبيبته مرة أخرى. فنفض يد سيدرا من حوله وهرول خلفها مناديًا، فلم تستجب له، فاقترب منها ليوقفها بشدة، وقال بلهفة: كارما… كارما حبيبتي، اهدي وأنا هفهمك. انتفضت من قربه وجذبت نفسها بشدة بعيدًا عنه، وقالت بغضب وصراخ:

ابعد عني… أوعى تفكر تقرب مني تاني، فاااهم؟
وأوعى تقول “حبيبتي” دي مرة تانية، يا أكتر إنسان كذاب قابلته في حياتي. اقترب منها هذه المرة بحذر، قائلًا بوجع مكبوت: أرجوكي اسمعيني، اديني فرصة أشرحلك. خطيبتك ولا لأ؟ رد عليا.
قولي إنك مفكرتش في واحدة تانية غيري.
قولي إنك ما ربطتش اسمك بواحدة تانية غيري.
قولي إن عمري اللي عدى وأنا مستنياك دا مرحش هدر.
رد عليا؟ شعر مازن بكلماتها تخترق قلبه فتفتته إلى أشلاء. فكيف بعد حديثها ذلك يستطيع أن يخبرها بالحقيقة التي حتمًا ستجعلها تكرهه إلى الأبد؟
أغمض عينيه بشدة من فرط الوجع، فأفزعه سؤالها واقترابها منه لذلك الحد:

رد عليا! قالتها واقتربت منه حتى أصبحت ترى عينيه بكل ما يعتمل بداخله من صراع، قائلة بوجع وبصوت أشبه بالصراخ: خطيبتك ولا لأ؟ فصرخ هو الآخر قائلًا: كاانت… كانت خطيبتي. فدار صمت قاتل لم يقطعه سوى رنين تلك الصفعة التي هوت بها على خده، وقالت بمرارة: انت أحقر إنسان شفته في حياتي… أنا بكرهك ومبقتش عايزة أشوفك تاني طول عمري. ألقت بجملتها على مسامعه، وهرولت مسرعة تريد الذهاب لأبعد مكان قد تراه فيه، فإن كان ما فعله سابقًا قد جرحها، فما حدث الآن قد \ها…

هل يمكن للشخص الوحيد القادر على إيصالك لأقصى درجات السعادة أن يكون هو ذاته الشخص القادر أن يسقيك كل هذا الكم من الألم؟ ليتك لم تعد مطلقًا، فتبقى صورتك الجميلة محفورة بقلبي. ليتني لم أقترب منك أبدًا، لتبقى جميلًا كما اعتدتك. أحيانًا يكمن جمال الأشياء في كونها بعيدة، فالقرب دائمًا ما يُبين الندوب والتجاعيد التي حتمًا تشوه تلك الصورة الجميلة التي كوّنها البعد. نورهان العشري ✍️ *********

ويحدث أن تجعلك الحياة تلتقي برفيق روحك في أكثر الأوقات خطأ، وتضع بينكما آلاف الحواجز والعراقيل. لكن تلك الخفقة التي شعر بها قلبك عند أول لقاء ستجبره حتمًا على المحاربة والاستبسال حتى آخر نفس لإزالة تلك العقبات وإخضاعها… فالحب عندما يأتي إما أن تعيش به، أو تم\\وت من أجله. نورهان العشري ✍️ — دخلت تلك الجميلة إلى ذلك المقهى تبحث بعيونها عن ذلك الفارس الوسيم، ولكنها أنبتت نفسها بشدة على هذا اللقب، مذكرةً نفسها بأنها هنا من أجل أخيها فقط.

وأخيرًا وجدت ضالتها، فتقدمت بخجل حتى وقفت أمام الطاولة، وتقابلت أعينهما، فشعرت بذلك التيار الكهربائي بداخلها، فظهر ذلك جليًا على وجهها الذي احمرّ بشدة، مما زاد من جمالها. فاستقام علي ومد يده ليصافحها، ثم دعاها للجلوس وبدأ بالحديث عندما رآها متوترة لهذا الحد. إزيك يا آنسة رو\\\فان؟ حلوة. قالتها بخفوت. مانا عارف إنك حلوة وزي القمر. قالها علي بابتسامة مرِحة، فزاد حرجها وقالت بلهفة: آه… لا يعني قصدي إني كويسة. طب الحمد لله. الحمد لله.

تحدث علي محاولًا قمع ضحكاته: تستاهلي الحمد يا ستي، ممكن بقى أعرف إيه سر الدعوة اللطيفة دي؟ مانا هقولك أهوه. كانت رو\\\فان تنظر في كل الاتجاهات عدا إليه. اديني مستني. ظلت لدقائق ترتب حديثها وتشعر بالخجل، لا تعرف كيف ومن أين تبدأ. فشعر هو بمعاناتها، فنظر إليها باستمتاع، وقال قاصدًا إرباكها أكثر: بصي، هو الخجل والكسوف اللي انتِ فيه دا معناه حاجة من اتنين: يا إما معجبة بيا، يا إما جاية تطلبيني للجواز. ها قوليلي أنهي فيهم بقى؟

صدمتها كلماته فهبت مندفعة: إيه! لا طبعًا ولا واحدة من دول! تصدق أنا غلطانة إني جيت أصلًا… أنا همشي عن إذنك. وما إن همّت بالمغادرة حتى أوقفها علي، ثم تركها معتذرًا ما إن نظرت إلى يده: أنا آسف والله، مكنتش أقصد. قالها باعتذار صادق، ثم تابع: ممكن تقعدي نكمل كلامنا، وأوعدك مش هضايقك تاني. أهدته رو\\\فان إحدى ابتساماتها الجميلة، فشعر بأن الشمس أشرقت له وحده، وأخذ ينظر إليها بإعجاب شديد. فخجلت هي وأخفضت رأسها. فانتبه على نفسه وتحمحم قائلًا:

أنا كنت بهزر معاكي والله، لما لقيتك مكسوفة، مكنش قصدي أضايقك أبدًا. خلاص، حصل خير. تمام. نتكلم بقى بخصوص كاميليا ويوسف، زي ما قولتيلي في التليفون إنك عايزاني في حاجة تخصهم. شرعت في الحديث براحة: فعلًا، أنا سمعت تهديدك لجدي وكلامك عن أبيه يوسف، عشان كدا جيت أوضحلك إن أبو يوسف مش وحش أبدًا، ولا عمره هيفكر يأذي كاميليا. ثم أخذت تسرد له طبيعة العلاقة بينهم، وأردفت حديثها ببعض مواقف يوسف الذي كان دائمًا ما يدعمها ويقف لمن يؤذيها بالمرصاد. وأخيرًا اختتمت كلامها قائلة:

يبقى مش حرام عليك تقول عليه كدا؟ قالتها رو\\\فان برقة شديدة وحزن، فكان مظهرها طفوليًا جذابًا، مما جعله يشعر بالذنب، فهب مندفعًا: تصدقي إني طلعت وحش أوي… وابن كلب كمان. يا شيخة يخربيت اللي يزعلك! قالها علي بحب وافتتان برقتها وتعبيراتها الطفولية. فضحكت ضحكة عالية نسبيًا، فاغتاظ علي من نظرات الناس حولهم: لا والله! ما تعلي صوت ضحكتك شوية كمان وتسمعي الناس كلها! أصل في واحد شكله زعلان إنه مسمعش ضحكة سيادتك. رو\\\فان بخجل: أنا والله ما قصدتش، أنا ضحكت غصب عني.

تحدث بخشونة: خلاص، بس متكرريهاش تاني… حاضر. يخربيت “حاضر” دي! بصي، بلاش تقولي “حاضر” دي كمان لأي حد. تحدثت بمرح: لا، اطمن، دي من النوادر إنها تخرج مني أصلًا. ضحكا معًا وتبادلا النظرات التي كانت تنبئ عن ميلاد قصة حب من نوع خاص، ووجه آخر للع\شق الذي مهما اختلفت أوجهه، يظل في النهاية الغاية التي يبحث عنها الإنسان، والقدر الذي لا يستطيع أبدًا الفرار منه… طب ممكن أسألك سؤال؟ هكذا تحدثت رو\\\فان، فأجابها باختصار: أكيد، اتفضلي.

هو انت كنت عايزني أجيب نيفين معايا؟ أصلك سألتني هي جاية معايا ولا لأ؟ ابتسم علي داخليًا وقال بمكر: قصدك البنت الأمورة اللي شفتها عندكوا في القصر؟ أيوه هي. قالتها رو\\\فان بحنق حاولت أن تداريه قدر الإمكان، فأجابها بصدق: مش الفكرة كدا، بس أنا قولت أكيد مش هتيجي تقابليني لوحدك. يعني بما إنها بنت عمك وصاحبتك، أكيد هتجبيها معاكي. هبت باندفاع: لا، هي مش صاحبتي، وأصلًا مبتطقنيش لا أنا ولا كاميليا، ومبتحبش حد غير نفسها وبس.

بصراحة، ليها حق تبقى مبتطقكيش. هكذا تحدث علي، فاندهشت من حديثه وقالت باستفهام: دا ليه بقى؟ يعني أي بنت في مكانها، هيكون عندها بنت عم قمر كدا، لازم هتغير منها ومش هتحبها. خجلت من حديثه، فقالت برقة: بجد يعني انت شايفني أحلى من نيفين؟ تدفعت الذكريات برأسه فقمعها، ولكنه لم يستطع منع نفسه حين قال: انتِ فيكِ حاجة غريبة بتشد، وبتخلي الواحد مش قادر يركز غير معاكي حتى لو حواليكي بنات الدنيا كلها…
نظرة عنيكِ دي مش طبيعية… إزاي بتخطف كدا؟

أخفضت رو\\\فان عينيها بخجل، وشعرت بالفراشات تطير في معدتها. فانتبه علي لما قاله، فحاول تغيير الحديث وسألها بصوت حاول أن يبدو ثابتًا: وانتِ بقى ما خفتيش تيجي تقابليني، خصوصًا بعد ما سمعتي الكلام بيني وبين جدك وتهديدي له؟ بصراحة لأ… قلبي قالي إنك مش وحش، وعُمرك ما تأذي حد أبدًا. الله الله! وإيه كمان يا ست رو\\\فان؟ كان هذا الصوت القادم من الخلف الذي أربك كليهما… *******  

كثيرًا ما كنت أقرأ عن جمال البدايات وروعتها، وكم كان قلبي يتلهّف لتذوّق تلك المشاعر التي تجعل المرء يُحلّق من فرط السعادة. ولكن كان الأمر معك يختلف كثيرًا عمّا تخيلته. أكان أجمل وأروع؟ أم أن تلك الرهبة التي تملّكتني عندما التقيتك هي من أضافت هذه الإثارة فجعلت قلبي كالمحموم من فرط المشاعر؟
أو أن تلك الهالة من الغموض المحيطة بك هي من أسرتني؟

صدقًا لم أعُد أعلم، فأنا للمرة الأولى لا أفهم ما يدور بداخلي؛ فأنا تارة أشعر معك بالأمان وتارة أخشى الاقتراب منك. حتى في أقصى درجات السعادة معك أسمع صوتًا داخليًا يخبرني: “اهربي، اركضي بعيدًا لأبعد ما يمكنك الهروب”.

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى