الوجه التاسع للع\شق، للع\شق وجوه كثيرة نورهان العشري
كثيرًا ما أحاول إسكاته ولكنه أصبح يأتيني حتى في منامي كرسائل ربّانية لا يجب تجاهلها. ولكن بمجرد أن أنظر إلى عينيك أفقد كل قدراتي على التفكير، وأنسى تلك الحاسة السادسة التي دائمًا ما تمكّنني من قراءة الأشخاص. وعندما نطق قلبك قائلًا: “أحبك”، تلك الكلمة التي من المفترض أنها الرد القاطع الذي يقضي على جميع أوهامي وهواجسي، لم تكن قادرة على أن تغمر قلبي للحد الذي يُرسيه على شاطئ الأمان…
في تلك اللحظة نظرت لعينيك أستنجد بهما ليكونا معبري لذلك الشاطئ، فقد وجدت فيهما تلك النظرة الحانية التي كانت كطوق النجاة الذي انتشلني من تلك التخبطات. ومن ثم اختفت سريعًا لتحل محلها تلك النظرة المرعبة التي فزع لها قلبي وارتعب. ولكن كالعادة أجبرتني على تجاهل كل ذلك والاستسلام لسحر ع\شقك الذي أسكر قلبي، فلم يعُد يدري من أمره شيئًا… ويبقى السؤال الذي يُرهق عقلي منذ يوم التقيتك:
هل أنت نجاتي أم هلاكي؟ نورهان العشري ✍️
أغلقت غرام دفتر مذكراتها بعد أن انتهت من وصف مشاعرها، تدعو أن تعود الليلة وهي حاملة جميع الإجابات لأسئلتها لتُريح قلبها وعقلها معًا، فهي لن تشعر بالراحة أبدًا طالما تلك الأسئلة تدور برأسها. أخرجها من تفكيرها صوت الهاتف يعلن عن قدوم رسالة نصية، فالتقطته وشعرت بارتجافة خفيفة في يدها عندما وجدت اسمه، فكان محتواها:
“يا ترى الأميرة جهّزت ولا لسه؟ السواق هيعدّي ياخدك كمان ساعة. بصراحة انتِ وحشتِ الأمير أوي ومبقتش قادر أتحمل… متتأخريش يا أميرة قلبي”.
تضاعفت دقات قلبها مع وصفه الأخير لها بـ”أميرة قلبه”، وقامت باحتضان الهاتف وأغمضت عينيها بحالمية من كلماته الرقيقة التي تُذيبها. فها هو، بكلمة بسيطة، قادر على أن يشعل لهيب قلبها وينسيها كل تلك الأسئلة والتخبطات التي تدور بداخلها. فحتما هذا الرجل خطر كبير عليها وعلى قلبها…
بعد مرور نصف ساعة كانت غرام تضع اللمسات الأخيرة على وجهها، فألقت نظرة أخيرة على زينتها وشعرها فشعرت بالرضا عن مظهرها. ثم ذهبت لترتدي فستانها وتتجهز للخروج برفقة فارسها النبيل وأميرها الوسيم، ولكن كان بداخلها شعور بالذنب لاضطرارها للكذب على والدتها بشأن الخروج، فهي أخبرتها بأنها ذاهبة لحفل زواج صديقتها. لكنها منّت نفسها بأن هذه ستكون المرة الأخيرة التي تكذب فيها عليها. اتفضلي يا آنسة غرام، أنا السواق اللي أدهم بيه باعتني لحضرتك. ميرسي أوي.
تمتمت غرام وهي تستقل تلك السيارة الفارهة، فقد أخجلها اهتمامه بها ودلال ذلك كثيرًا، لكنها شعرت بالسعادة وبأنها فعلًا أميرة… أخيرًا وصل بها السائق إلى ذلك الفندق المصنّف بخمس نجوم، الذي لم يكن يرتاده إلا أصحاب الطبقة المخملية. سلّمها السائق لرجل آخر قادها إلى المصعد، فتسلّمها منه رجل ثالث وهكذا، إلى أن وجدت نفسها أخيرًا بداخل جناح أشبه بجناح الملوك.
فظلّت تدور حولها مبهورة بكل ذلك الترف الذي يحيط بها، فلم تلحظ ذلك الذي أخذ يطالعها بنظرات ع\شق سرعان ما تحولت لاشمئزاز عندما رأى نظرتها لكل ذلك الترف، وقد ظنّ أنه افتتان، ولا يعلم أن بداخلها كانت ترتعب من كل ما تراه. شعرت بانقباض قلبها من كل ما يحيط بها حتى إنها همّت بالفرار واتجهت للباب لتخرج منه، ولكن أوقفتها تلك اليد التي أحبطت محاولتها في الفرار. إيه… إيه رايحة فين؟
قالها أدهم بلهفة ما إن وجدها تهمّ بالخروج من الغرفة.
ماشيه.
قالتها غرام بخوف، فاستفهم بخفوت: هو انتِ لسه جيتي عشان تمشي؟ تلعثمت قائلة: لا، أنا… بس… يعني… خفت… لما ملقتكش فكنت همشي. زفر بقوة يحاول التخلّص من سطوة حضورها، ثم قال بخشونة: أنا موجود شايفك من أول ما نزلتي من العربية لحد ما جيتي هنا، بس كنت مبهور بالأميرة بتاعتي اللي نزلت من السما عشان تكون ليا ومعايا. خجلت غرام من كلماته كثيرًا فأخفضت رأسها، فهي ليست لديها القدرة على النظر لعينيه في تلك اللحظة.
فتبدّلت ملامح أدهم الذي كان يتذكّر محا\\\دثتها مع ذلك الغريب وكلامها معه بكل أريحية، فأين كان ذلك الخجل؟ ابتسم بداخله بسخرية ثم قال محدثًا إياها: لا، أنا مبحبش الشويتين دول… شويتين إيه؟
استفهمت غرام بدهشة من حديثه، فأجابها بمراوغة: لا، متاخديش في بالك… يالا عشان نتعشى. هو إحنا هنتعشى هنا؟ انتِ شايفة إيه؟ أوعي تكوني خايفة!
ثم اقترب منها وقال هامسًا: أو تكوني مش واثقة في نفسك مثلًا؟ قالت بلهفة: لا… لا طبعًا مش خايفة، وأكيد واثقة في نفسي، وإلا مكنتش جيت.
هنشوف.
قالها أدهم بغموض. مرّ العشاء بينهما على صفيح ساخن، والحقيقة أن الطعام يكاد لم يُمسّ، فكلاهما كان غارقًا في عالمه. فهو كان يجاهد مع ضميره الذي كان يخبره بأنه سيندم أشد الندم إن نفّذ ما ينتويه لها، وقلبه الذي كان يتوسل له ليعطيها فرصة أخرى. فيذكّره عقله بصورتها وهي مع ذلك الشاب أمام المشفى، وأيضًا حديثها مع ذلك الغريب في الهاتف، وذلك الآخر في المقهى، ليسخر من نفسه قائلًا:
“هتستنى إيه تاني عشان تعرف حقيقتها؟ هتستنى لما تشوفها مع واحد؟”
وعند هذا التفكير هاجمته ذكرى سيئة لم يكن يريد تذكرها… عودة إلى وقت سابق “- حبيبتي، عايزاكي تكلمي أخوكي عشان نتفق على كتب الكتاب. هااه… ما انت عارف يا حبيبي إنه رافض الموضوع دا دلوقتي، على الأقل نخليه بعد الامتحانات. أنا مش فاهم هو ليه كل حاجة واقفلنا فيها كدا؟ الخطوبة طلع عنينا عشان يوافق، وكتب الكتاب برضه لازم حفلة عشان يوافق! أنا مش فاهمة… انت اللي ليه مصرّ على كتب الكتاب أوي كدا؟ ما احنا اهوه مخطوبين وبنتقابل براحتنا، دا إحنا تقريبًا طول الوقت مع بعض.
عشان بحبك ونفسي أقرب منك من غير ما أحس إني بعمل حاجة غلط أو حرام. أنا مش فاهمك! انتي اللي المفروض تكوني عايزة دا أكتر مني. طبعًا… طبعًا يا حبيبي، نفسي النهاردة قبل بكرة، بس بصراحة أنا خايفة أوي من جدك، يعني مش المفروض يتقبل موضوع جوازنا الأول وبعدين نشوف؟ بصي يا مرام، أنا راجل ومش صغير ومش لازمني موافقة حد. يعني إيه يا أدهم؟ يعني حتى لو جدي موافقش على جوازنا، أنا برضه هتجوزك ومش عايز حاجة منه.
أدهم! انت بتتكلم جد؟! انت فعلًا ممكن تعمل كدا؟ وتتنازل عن ورثك زي ما هو شارط عليك مقابل جوازنا؟ مش عايز حاجة من الدنيا طول ما انتي معايا. وأنا الحمد لله عندي مالي الخاص بيا اللي هفتح بيه مشروع، وواحدة واحدة هيكبر ومش هبقى محتاج لحد. كمان عندي شقة صغيرة كبداية هتبقى كويسة وعلى قدنا، وبعد كدا ربنا هيكرمنا يا روحي، ولا إيه؟ طبعًا يا روحي. بحبك أوي يا مرام. أدهم، بطل بقى… انت عارف إني بتكسف.
وأنا بع\شق كسوفك دا.” عودة للحاضر نظر أدهم لتلك الجميلة التي كانت تجلس أمامه تكاد تذوب من فرط الخجل، ولكنه كان يظن أنها ممثلة بارعة في التمثيل، فأصر بداخله على تنفيذ ما انتوى عليه. أما عند غرام فكانت تشعر بالندم بداخلها لتلبية دعوته، فهو لم يخطئ معها بشيء، ولكن أيضًا في عينيه نظرة غامضة ترهبها، وكل ما يحيط بها يخيفها بشدة. وكان هناك حدس بداخلها يخبرها بأن الأسوأ قادم… غرامي أخرجها صوته الحاني من تفكيرها، وتلك الياء التملكية التي أضافها لآخر اسمها جعلت قلبها ينتفض حبًّا…
هل يمكن لحرف واحد أن يجعل قلوبنا تنتفض فرحًا وع\شقًا؟ هل يمكن أن يجعلنا نشعر بمثل ذلك الشعور الرائع، وأن يغمرنا بكل تلك المشاعر الجميلة؟ فأجابته بصوت يكاد يكون مسموعًا، وقد قضى حرف واحد أضافه لاسمها على جميع تلك التخبطات والمشاعر المتناقضة التي كانت تشعر بها: نعم.