Uncategorized

لحظة غيـ,ـاب ندا ممدوح

لفصل الاول
لحظة غياب
(اختطاف) لأجلكِ سأخوض العالم بحثًا، لأجلك سأقيمُ حروبًا، لكنني لن أبرح سويداء فؤادك فهو مسكني الوحيد.. ففي عينيكِ يا فاتنةُ العينين أهيم.

سحبٌ بيضاء غطت السماء، وتوارت الشمس وراءها في استحياء، واختفتت زرقة السماء خجلًا في ذلك الصباح المنعش، ذات النسمات العطرة، الجو صاقعٌ جميل، وبدا اليوم كأنه يحمل حكايات جمة سنتوغل بداخلها رويدًا رويدًا، ونعش في ثناياها حكاية حب ستحيَّا في أفئدتنا ، وإزاء بعضهما وقفا كلُ منهما أمام بنايته، وتحركا معًا تجاه بعضهما حتى تلاقيا، وببسمة خجلة تبسمت، وهي تقول :
_ سلامُ عليكَ يا هاشم.
تأمل هاشم ملامحها بمقلتين متفعمتين بالحنان، وهمس والبسمة تبزغ على محياه ذات اللحية النامية :
_ وعليكِ سلام الله يا أميرتي، كيف حالك؟

أومأت برأسها ولم تنبس وأن قالت عينيها الكثير، ورمقه فؤادها العاشق هائمًا وطوى ضلوعه على حبًا لو وزع على قلوب العاشقين لكفى وفاض ..
هاشم زوجها ..
زوجها الذي أحبته بكل ذرة في كيانها ..
القلب لا يعرف حبيبًا غيره ..
والروح لا تجد سندًا سواه ..
والنفس لم تهوى إلا به ..
والعين لا ترى في الوجود غيره ..
كأنما صنع تعويذه على نن البصر ألا ترى غيره مهما اكتظ من حولها الأحبة.
يبقى هو الحبيب، الأخ والصديق، ورفيقُ الدرب، والعالم وما فيه..

توفى والدها صغيرة، فترعرت أمام عينيه ابنُ خالتها الذي يقطن مقابلهم تمامًا .. أحبت هاشم، وكيان هاشم، وكل حاجة تخص هاشم، ذاك الذي أغدقها بحنانه ورعايته واحتواءه، فكيف لا تحبه وهو حتى بعد أن غدت زوجته يعاملها بكل هذا التحفظ، دائمًا ما يخبرها إنه يريدُ أن يحافظ عليها من نفسه وكانت جملته مقترنة بفعله دائمًا، ها هو ذا تميمة تحفظها من نسمة هواء قد تصيبها ببردًا، ومن مرارة الحياة أن تألم قلبها، ومن قسوة وحوش العالم أن تطالها، بالأحق هو رجل بكل ما تعنيه الكلمة من معان.

” هل ستتأخر مريم؟ ”
انبعث صوت هاشم وهو يدس كفيه في جيبي معطفه إتقاءًا للبرد، فرفعت بصرها إليه وهي تجيبه في صوت هامس :
_ ربما قليلًا، هل أنت على عجلة من أمرك ؟.
رمقها بنظرة عتاب، فكل شيء في الدنيا لا يمكن ان يكون أهم منها، وتنهد وهو يقول برفق :
_ تعلمين أن الدنيا كلها ليست أهم منك، كما تعلمين إني لن أأمن أن تذهبي بمفردك وخطف البنات قائم في تلك الأثناء.
تحمحمت خجلًا وهي تتحاشى النظر إليه، وألتهت بضم ياقتا معطفها لبعضهما، ثم راحت تفرك كفيها، وغيرت مجرى الحديث بقولها :

_ الجو بارد للغاية.
ألقى هاشم نظرة إلى السماء، وإلى السحب البيضاء التي غطتها، وغمغم :
_ يبدو إنها ستمطر، فها ذي السحاب تظللنا لتنبئنا بغيثٌ جميل آت.
غمغمت أسماء :
_ يبدو ذلك.
خيم الصمت عليهما لدقيقة أو لدقيقتين ربما، لا أحد يدرك فـ الوقت بين العشاق يمر مرور الشُهب، هو صمت قالت فيه العيون ما لم تقوله الألسن، وهامت فيه الروح في تؤومتها كما لم تهم روح العاشق من قبل، وفاض في القلب ارتياح لا يشبعه إلا اطمئنان حبيب.

تمر اللحظات الهائمة، التي يتخللها الحب في سرعة، وليتها لا تمر، أو يتوقف الزمن عليها ولا تمر عقارب الساعة.
انبعث صوت مريم، صديقة أسماء المقربة وجارتها في آن، منتشلًا إياهما من دوامة عشق لا يزول قط ولن يزول، قائلة بنبرة مرحة :
_عصافيرُ الحب ها هما، هلا أتيتما كلا نتأخر!
تحمحم هاشم في خجل وهو ينزع عيناه كراهية عن محيا حبيبته، وأخرج يديه من جيبي بنطاله وهو يتقدمهما، قائلًا :

السابقانت في الصفحة 1 من 9 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى